بيان (2): كتب ضرار عمير: تروي أسطورة يتداولها السكان في ألاسكا قصة عبور الانسان إلى تلك المناطق الجليدية قارسة البرودة. وتقول الأسطورة ان الثلج تشكل أمامهم وتراكم حتى وصل إلى السماء, ولم يستطع الناس ان يعبروه, فطار غرب وانقض على الثلج, وضربه بمنقاره, فشققه. قال القيوط: هؤلاء الأشخاص صغار الحجم لا يمكنهم اختراق الثلج, حلق غراب آخر عاليا وانقض على الثلج, وضربه بمنقاره مجددا, فشققه, وقال القيوط: حاول مرة أخرى حاول مرة أخرى, طار الغراب من جديد, وكسر الثلج وعبر الناس المنطقة. هذه هي اسطورة استيطان الانسان لمنطقة ألاسكا, وسواء صحت هذه الأسطورة أو كانت بعيدة عن الواقع, فإن مالا خلاف عليه هو ان هذه المنطقة الجميلة تحمل في باطنها أسرار المستوطنين الأوائل الذين وصلوا إلى تلك المنطقة قاسية المناخ. قد تكون المنطقة التي تحدثت عنها الأسطورة هي منطقة نهرتاكو الجليدي فعلى الرغم من انها لا تبدو مثل بوابة للعالم الجديد بمياهها الباردة التي تملأ الجروف وجدران الجليد والحجارة التي تعترض الطريق والغابات الكثيفة التي تغطي التلال, إلا ان فيها شيئا يحرك مخيلة المرء, وعلى الرغم من انها لا تبعد سوى مسافة رحلة قصيرة بالطائرة عن مدينة جونو العصرية في ألاسكا, إلا ان هذا الامتداد البارد بدا بدائياً وقديماً, وكان بمثابة شاهد يذكر بزمن عندما بدأ الناس الذين كانت عقولهم وأجسامهم متطورة كعقولنا وأجسامنا اليوم والذين ساعدتهم ترسانتهم المتنامية من الأدوات على التعامل مع أي مناخ عندما بدأوا أخيراً في استيطان آخر التضاريس المعتدلة المناخ على الأرض. وبالطبع فإن هذا كله توقعات. فلا يوجد دليل قاطع على ان أوائل البشر الذين قدموا إلى الأمريكتين قد مروا بالقرب من الساحل, لكن الدراسة المتعلقة بالبحث عن هوية الأمريكيين الأوائل ومن أين أتوا ومتى وصلوا تعيش حالة من الاضطراب. وفي هذا الجو, حتى العلماء أرخوا الزمام في هذ السباق القاسي المسمى (توقع) وأطلقوا العنان لخيالهم كي يحلق عاليا. قد يكون هذا الوقت سيئا لمن يريد ان يعرف الحقيقة عن الأمريكيين الأوائل لكنه قد يكون وقتا موفقا لمن يحب الألغاز والأسرار, ولقد أضافت الاكتشافات في العقد الماضي مسحة من الشك إلى الأفكار القديمة بينما لم تتطور الاكتشافات الأخرى بالكامل لتحل محلها, وبرزت إلى الضوء معلومات جديدة كافية لتخلب اللب بنظريات بديلة, لكنها ليست قوية بما فيه الكفاية لإزالة المعلومات القديمة, فلقد دخلنا فترة من التشكيك واسع النطاق. قبل عشرة أعوام, كان يتفق معظم الخبراء على ان الأمريكيين الأوائل وصلوا قبل 14000 عام من خلال السير عبر جسر من اليابسة يربط سيبيريا وألاسكا ثم انتقلوا جنوبا عبر ممر داخل اليابسة يقع بين مسطحات الجليد القارية. أما اليوم فإن العلماء الذين يبحثون في قصة الأمريكيين الأوائل من علماء آثار وعلماء انثروبولوجيا وخبراء في الحامض النووي الـ (دي ان ايه) وعلماء في اللغة يختلفون حول بعض الفصول الجوهرية من تلك القصة, وبدلا من تاريخ الوصول المحدد بما قبل 1400 عام, فإن بعض العلماء الآن يقدّرون تاريخ وصول الانسان إلى الأمريكتين قبل 15000 أو 20000 أو حتى 30000 سنة أو أكثر, والبعض يشير إلى ان هؤلاء الناس قدموا في سلسلة معقدة من الهجرات وليس من هجرة أولى واحدة. وقد تم تحري الفكرة القائلة بأنهم ساروا عبر اليابسة بنظريات تقول ان بعضهم جاءوا بالقوارب, وفي نقش مثير للجدل حول أشكال الجماجم, تم حتى التشكيك في علاقتهم المباشرة بالهنود الموجودين حاليا. في عام ,1929 كتب مراهق يدعى ريدجلي وايتمان إلى معهد سميثونيان حول ما أسماه بالرؤوس الحربية التي يعثر عليها بالقرب من كلوفيس بولاية نيومكسيكو كانت رؤوس الحراب مقطوعة ببراعة لكي تستدق من كلا الطرفين ومصقولة مع وجود أخدود حتى منتصف كل جانب, وقد اكتشفت مثل هذه الأدوات في مواقع أثرية قديمة في أماكن أخرى من أمريكا الشمالية. أظهر تقدير تاريخ الحجارة من خلال المواد العضوية المصاحبة للأدوات أن الناس الذين استخدموها كانوا في أمريكا ليس قبل حوالي 13500 عام, والقصة التي اعتمد عليها معظم علماء الآثار تلخصت في ان هذه الأدوات القديمة كانت لأناس أسموهم (كلوفيس) قدموا إلى أمريكا الشمالية عبر سيبيريا, وانتقلوا جنوبا عبر الممر الخالي من الجليد, ثم انتشروا في الأرض, واستوطن نسلهم شمال وجنوب أمريكا في غضون ألف عام. لقد أجريت عدة بحوث ودراسات في السنوات الأخيرة تهدف إلى معرفة التاريخ الدقيق لاستيطان الانسان للأمريكتين, لكن أي من هذه الدراسات لم يفلح حتى الآن في تحديد التاريخ الزمني الدقيق نظراً لصعوبة المهمة التي تعتمد على المواد المصاحبة للأدوات الحجرية القديمة والتي قد تتأثر بعوامل كثيرة تعطي تاريخاً قد يطاله الخطأ.