بيان (2): أوبير تافين دي جيفنشي صاحب الاسم الشهير عالميا, مازال رقيقا ووسيما بقدر رقة ووسامة القفازات السوداء الطويلة التي ابتكرها للممثلة الشهيرة أودري هيبورن, من النظرة الأولى تستطيع ان تستشف كيف ، استطاع هذا الرجل الهادئ تجسيد روح الأناقة بجيل النساء الفرنسيات والأمريكيات. من وجهة نظر جيفنشي نفسه, فقد كانت هذه الأناقة الحالمة جزءًا من عصر مضى, (عصر أفضل) حسب تعبيره خلال مقابلة صريحة مفتوحة في منزله الأنيق جدا بشارع دو جرينيل بقلب باريس. ويقول: لم يعد للأناقة وجود, وكذلك ولت أيام الفخامة, لم يعد باقيا سوى الحزن في التصميمات الجديدة, باستثناء ايف سان لوران, لا أشعر بالمرارة كما يظهر من كلامي, لكنني وقد عشت لحظات الموضة والأناقة الحقيقية وشاهدت السيدات الراقيات ووهجهن, فأعتقد اننا نعيش حاليا مرحلة انتقالية, مرحلة تبدو فيها الأشياء أكثر قبحاً, وأقل جودة. بهذه العبارات المُرة استهل مصمم الأزياء الفرنسي الشهير الحوار معه, ثم ما لبث ان استطرد معبراً عن اعتقاده بأن رداءة العصر الراهن انما هي مرتبطة بالسرعة التي يضطر أغلب الناس إلى التجاوب معها في كل مناحي الحياة. يقول جيفنشي: لقد رأيت زبائن الموضة يتطورون, اليوم لم يعد لديهم الوقت لانتقاء ما يلبسون, كل شيء يتم على عجل في هذا العصر, في الماضي, كانت النساء تنعم بوقت كاف للاستمتاع بالحياة وتجريب الملابس وانتقاء الأقمشة الملائمة, أما اليوم فتراهن يرتدين أي شيء, ويركبن الطائرة ويضعن كل حاجياتهن في حقيبة. ويعترف جيفنشي بأن للعامل المادي تأثيرا على تغير الأوضاع, وكذلك لتطور مفاهيم الاستهلاك والمشروعات التجارية, فيقول (اليوم كل شيء قابل للبيع, ثمة هوس استهلاكي, وحين تقدم مؤسسة ضخمة مثل إل في ام اتش لويس فيوتون موي هينسي, على شراء شركة أصغر مثل جيفنشي, فإن هذا من مصلحة المشروع الأصغر حجماً, لكن, ومن منطلق خبرة امتلاكي امبراطورية متكاملة لمنتجات الموضة, فإن الرعب ينتابني حين أفكر في المسئوليات غير العادية الملقاة على عاتق المؤسسات التجارية الكبرى, حقيقة لا أستطيع ان أتصور كيف يمكن لأصحاب مؤسسة سي. اي. أو. ان يناموا ـ مثل البشر ـ كل ليلة. لم يشعر أوبير جيفنشي بالقلق ازاء الجوانب التجارية من مشروعه لأكثر من عشر سنوات, وبالتحديد منذ أن باع شركته لمؤسسة إل في اتش ام في العام ,1988 كان قرار البيع من منطلق الإيمان بانتهاء عهد, عهد بدأ مع افتتاحه بيت الموضة الخاص بتصميماته في باريس عام ,1952 ذلك الوقت الرومانسي الذي أثنى فيه الجميع على مصمم الأزياء الموهوب الذي جلب العصرية وجدد الدماء في شرايين عالم الموضة الارستقراطية المتكبرة الذي كانت تسيطر عليه تصميمات ديور. لا شك في ان جيفنشي نجح نجاحاً ملحوظاً في مجاله, ولمع اسمه سريعاً في عالم الموضة التي ربما كان لنشأته المترفة فضل في استيعابها والابداع فيها, إذ وُلد جيفنشي عام 1927 لأسرة ثرية, ودرس في كلية الفنون الجميلة بباريس, ثم حصل على أول وظيفة عملية له في هذا المجال مع المصمم الأسطورة جاك فاث قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية. وعن هذه المرحلة يقول جيفنشي استمتعت كثيراً أثناء عملي في مؤسسة فاث, كان ثمة جو شبابي شائعاً, نوع ما من السلام والحب, وحين انتقلت للعمل مع السويسري البروتستانتي بينجوت, كان الجو أكثر صرامة, لكن الأخير كان يتمتع بتكنيك أفضل, وكان لديه عدد أكبر من الزبائن. ويستطرد مصمم الأزياء النسائية الفرنسي متحدثا عن علاقته بالفنانة لا شيابيريلي: كانت امرأة مستفزة تحيط نفسها بكبار الفنانين والأدباء من أمثال سلفادور دالي, وكوكتو, كما انها كانت شديدة الاسراف, وقد التقيت عندها كلا من دوقة وندسور وجلوريا جينيس. وسيذكر التاريخ دوما تلك العلاقة الانسانية الخاصة التي جمعت بين جيفنشي والممثلة الجميلة أودري هيبورن, التي ارتدت تصميماته في أكثر أفلامها السينمائية نجاحاً مثل (فطور في تيفاني) و (الوجه المرح). لكن ملك الموضة الفرنسي يذكر ان بداية هذه العلاقة كانت مخيبة لآماله, فيقول: أخبروني وقتها ان هيبورن ستأتي إلى باريس, وطلبوا مني تصميم جميع ملابسها في فيلمها الجديد, والحقيقة انني اعتقدت انهم كانوا يتحدثون عن الفنانة كاترين هيبورن, وقلت لنفسي معجباً (يالها من ممثلة جميلة.. يا لرقتها وفتنتها, وفي النهاية, اكتشفت انني أمام امرأة أخرى, جميلة جداً, لكنها غير معروفة, كانت قد انتهت لتوها في تصوير اجازة رومانية مع جريجوري بيك. وعلى الرغم من هذه البداية العجيبة, فقد انطلقت العلاقة المهنية بين النجمين إلى أعلى الآفاق, ورأت حقبة الخمسينيات فيها نموذجا لقمة الأناقة الارستقراطية, فيقول جيفنشي (كانت علاقتي بأودري هيبورن شديدة الخصوصية, كانت ثورة حقيقية, فقبل ظهورها على الساحة الفنية, كانت جميع الممثلات يفضن بالأنوثة التقليدية: الوجه المستدير الجميل المفعم بالأحاسيس, والمظهر الراقي المكلف, ولنتذكر على سبيل المثال لانا تيرنر, وأفا جاردنر, أما أودري, فقدمت في شكل صبي, وجه عادي لكن به سحر خاص, روح شبابية مغامرة مختلفة تماما عن فنانات جيلها, وقد أخذ الرجال آنذاك بهذه الفتاة العجيبة في جاذبيتها المتميزة في نمطها, وبالنسبة إلي, كانت مهمة تصميم ملابس الموديل الأنثوي الجديد مهمة بالغة الاثارة, وقد دامت علاقتنا معا نحو 20 عاما كانت فترة طويلة مليئة بالابداع المركز, وكانت بمثابة حملة إعلانية عظيمة لا تنتهي كانت أودري تتألق في أزيائي, وكانت خبرتها كراقصة تمكنها من ان تتحرك برشاقة تفوق أي عارضة أزياء محترفة, كان الجميع يسعى إلى تقليد هذه النجمة المتألقة بدءاً من جاكلين كندي في أمريكا, وحتى أي فتاة طموح في فرنسا, كانت نحيفة ولعوباً وساحرة. والواقع ان الصورة التي أوجدها جيفنشي مجسدة في شكل أودري هيبورن واطلالتها, والتي نقلتها هوليوود نمطياً إلى العالم أجمع, ظلت سائدة طول عقد الخمسينيات, وربما حتى منتصف الستينيات, ولننظر إلى صور جنازة الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي, حتى ندرك كيف ان جميع نساء آل كينيدي استعانوا بملابس جيفنشي والمعروف ان رداء جاكي (زوجة كينيدي قبل ان تتزوج من أوناسيس) أرسل لها من باريس إلى واشنطن بطلب خاص. ويبدو ان جيفنشي كان رجل أعمال حاذق بقدر براعته في ابتكار الأزياء إذ دشن عطرين جيدين في الخمسينيات هما لو دو (جيفنشي) و (انتردي) (أي محرّم بالفرنسية), وعن ذلك يقول المصمم الفرنسي بابتسامة خفيفة كان المقصود بعطر انتردي انه يصنع لأودري هيبورن فقط, وحرم على باقي النساء, والحقيقة انه حين تحرم شيئا ما, فكأنك تمنع شيئا عن الأطفال, حيث يتوق الجميع إلى نيله بأي ثمن. وليس الشرف ان أكون أول شخص يستخدم وجه امرأة وممثلة مشهورة لتمثيل نوع من أنواع العطور. وبعد ان باع شركته لمؤسسة إل في اتش ام ظل جيفنشي على قمة مصممي الأزياء العالميين, حتى ودع هذا العالم الصاخب في العام ,1995 كان هذا العام هو آخر عام تعرض فيه تصميمات المبدع الفرنسي, وبعده مباشرة منحت المؤسسة مكانه لمصمم أزياء مختلف في كل شيء, هو البريطاني جون جاليانو, واليوم وبعد ان دخل جيفنشي مرحلة السبعينيات من عمره, تحول ملك موضة الخمسينيات والستينيات إلى رجل مجتمع لامع, اذ أصبح رئيساً شرفيا لصالة مزادات كريستي الشهيرة. وقال: لقد قبلت هذا المنصب في كريستي بسبب ولعي بالمقتنيات الثمينة: الأثاث والصيني, والفضة, والكتب, انها فرصة غير عادية بالنسبة لي لكي أطلع بعيني على مقتنيات مبهرة قبل بيعها للجمهور, إنها فرصة ممتازة كي أصقل تعليمي بآراء الخبراء, انني أشرف على الكتالوجات (فهارس المقتنيات) وأسلوب عرض الأشياء الثمينة, وكذلك الاتصالات مع العملاء, وكثيرا ما أذهب لمشاهدة ضيعة معروضة للبيع في المزاد, أو لتمثيل كريستي في رحلة عمل بالخارج, انه منصب يشبه كثيراً العمل الدبلوماسي. ويبدو عشق جيفنشي للأشياء الجميلة واضحا في منزله بباريس, فالمنزل الذي كان فندقا راقيا في القرن الثامن عشر, جميل البناء, مصنوع من الحجارة البيضاء, وله حديقة كبيرة ذات طابع فرنسي مفرط الرقي, والغرف جميعاً مؤثثة بعناية وزاخرة بنماذج منوعة من الأنتيكات (الأثاث العريق) وعلى الجدران تطالعك لوحات الفن العصري, من أعمال ماتيس ومور ونيكولاس دي ستايل, مما يعطي المكان نوعاً من الدفء والبساطة في آن. ويعاود جيفنشي الحديث مؤكدا ان الانتقال من عالم الموضة والأزياء إلى عالم الفن ليس قفزة أو نقلة نوعية حقيقية لأن كليهما مرتبط في جوهره بالجمال, فيقول: لقد انتقيت مجال أزياء النساء لأنني كنت عاشقا للأناقة والكمال, انه عالم شديد الخصوصية, تجد فيه نفسك أمام قطعة قماش عليك ان تستخدم ـ أنت ومن معك ـ كل ما ملكت من خيال وابداع لتحويلها إلى شيء يعيش ويتحرك على جسد امرأة, تريد لها ان تتألق وتتميز عن الأخريات انه فن في حد ذاته. والواضح ان نجاح وتفوق جيفنشي في هذه المهنة يعود في جانب منه إلى سحر شخصيته, وإلى قدرته الخاصة على التعامل مع جميلات الطبقة الراقية والثرية, وهو يقول عن ذلك: ان تصميم أزياء النساء ليست مهنة عادية, لأنك تتحول إلى ما يشبه الطبيب الخاص الذي تثق به المرأة, فما ان تثق بك هذه المرأة حتى تفشي لك بكل أسرارها وتطلعك على مشكلاتها وتقحمك في حياتها. وبوضوح أكبر تتغلب على مصمم الأزياء الفرنسي الشهير أشجانه كلما تذكر أحد أصدقائه الذين توفوا مثل أودري هيبورن وزميل مهنته الفنان بالينسياجا, والفنان دييجو جياكوميتي, والممثلة جين سيبرج, لكنه يعترف بأنه يشعر شخصياً بأن فنون الأزياء والسينما والرسم لم تعد جميلة ملهمة كما كانت في عصره, فيقول مختتما الحوار معه بنبرة تأثر (مازال هناك بقية من أفلام تساعدك على ان تحلم, مثل (اليزابيث) و (شكسبير عاشقا), ثمة جمال وموهوبة وإضاءة متميزة, لكن في الماضين كانت الممثلات من أمثال جوان كروفود, مارلين ديتريتش, وكاترين هيبورن, واليزابيث تايلور يبدعن الموضة ويلهمنك بأزياء جديدة, أما اليوم فالممثلات متشابهات, يلعبن أدوارهن بإتقان نعم, لكنهن لا يمنحنك أي إلهام جديد.