بيان (2): بانكوك ــ ريتشارد ويرلي: تأثرت تايلاند بالازمة الاقتصادية السيئة التي ضربت القارة الاسيوية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي, وتعثر اقتصاد تايلاند التي كانت تعد من اسرع البلدان نموا في العالم الثالث. وفي الوقت الذي تجاهد فيه تايلاند اليوم لاستعادة قوتها الاقتصادية يرى مفكرون ومزارعون تايلانديون ان قادة البلاد السياسيين والاقتصاديين لم يتعلموا الكثير من هذه الازمة ويشتكون ايضا من فقدان تايلاند لهويتها في السوق العالمية. ويتذمر هؤلاء المفكرون كذلك من ان مناخ السوق العالمية يستغله رجال الاعمال الجشعون, ويطالبون بالغاء مشاريع لبناء سدود يندد بها علماء البيئة . وتؤكد هذه المجموعة التي اطلقت على نفسها (منتدى الفقراء) بانه حان الوقت لكي تؤخذ حقوق الفلاحين الاساسية بالحسبان وان يحصل اطفالهم على مستقبل افضل. في الوقت الراهن يضطر الكثير من الشباب الى الهجرة من قراهم الى بانكوك بحثا عن وظائف موسمية في مواقع البناء أما الفتيات فيواجهن مصيرا مختلفا الا وهو بؤر الدعارة المنتشرة في العاصمة. والانقسام الطبقي في تايلاند بين الاثرياء والفقراء قائم منذ قرون عدة ولكنه ازداد حدة في السنوات الثلاث الاخيرة بسبب الازمة الاسيوية الاقتصادية التي ادت الى انهيار قيمة الباهت (العملة التايلاندية) وقضت على مدخرات جيل كامل. واليوم يرد الفقراء بقوة على ما حل بهم مصممين على ابراز التفاوت الفاحش بين الفقراء والاثرياء ومحاربة عدم الاكتراث الذي تبديه الطبقة السياسية في البلاد التي تتكون من حفنة من الاثرياء. الكاتب سولاك سيفاراكسا البالغ من العمر 70 عاما هو أحد مؤسسي (منتدى الفقراء), الذي اطلق عليه اسم ثورة الفلاحين في تايلاند, وهو من أشد المعارضين لما يصفه لتحديث المفرط لتايلاند, وهو من المنتقدين بشدة لفقدان شعب تايلاند لهويتهم الثقافية, وهي البلد الوحيد في جنوب شرق اسيا الذي لم يستعمره احد. ورغم أن الكاتب سيفاراكسا ارستقراطي بالمولد فانه شديد المعارضة للنظام التايلاندي الذي تسيطر عليه برأيه المصالح المالية والتجارية. ويقول (لم يتعلموا دروسا صحيحة من الازمة الاقتصادية ومن انهيار الاسواق المالية في اسيا. فالشركات التي راكمت على نفسها الديون من غير تعقل بدأت الآن تؤخر سداد ديونها بينما تنتظر البنوك بفارغ الصبر استعادة اموالها يوما ما. وما حدث أكد للمستثمرين الاجانب الذين حرقت اصابعهم ان الفورة الاقتصادية المشهورة في جنوب شرق اسيا كانت مبنية على بيت من ورق). وأضاف (قلة من السياسيين التايلانديين مهتمون بالابعاد الاجتماعية للمشكلة, ولا تهزهم العيوب في نظامنا التعليمي او فقدان الهوية الثقافية لجيلنا الشاب. تايلاند واقعة تحت حكم مجتمع استهلاكي. (عندما يستقبل سيفاراكسا الزوار في بيته الخشبي التقليدي البسيط في وسط بانكوك يدرك جيدا انه لا يمثل الا جزءا صغيرا من السكان الذين لم يستفيدوا من النمو الاقتصادي ويتحدث باسم التايلانديين المحرومين الذين لا يلاحظهم السياح الذين يتدفقون على الاماكن السياحية والشواطىء. ويعلق بيابورن تيواسينجا الصحفي في الصحيفة التايلاندية نايونا المتخصصة في القضايا التعليمية قائلا (نعم, التنمية السريعة والفظة حولتنا الى مجتمع مريض. والمعجزة الاقتصادية في الثمانينات اقتطعت ثمنا باهظا من حياتنا الاجتماعية. كم عدد العائلات التي تدمرت نتيجة النزوح من الريف؟ وكم عدد الذين راحوا ضحية العدوى بمرض الايدز وانتشار الدعارة؟ وماهو عدد المناطق الجميلة التي تدمرت جراء البناء السريع وغير المنظم للمصانع والفنادق؟ لقد ضحينا بكل شيء من اجل المال والآن ندفع ثمنا اعلى, لقد اصبحنا عبيدا للمال). ولكن هذا التمرد الشعبي ليس حول المال فقط, فمزارع الارز الذي يعيش على اجر اقل من 100 دولار امريكي شهريا يريد ان يرى تايلاند تتحول الى شيء مختلف, وبدأت حملتهم لمحاربة الظلم الاجتماعي تلقى تجاوبا في البلاد. ويوضح تونجباي تونجباوا المحامي المتخصص في قضايا حقوق الانسان (الفلاحون هم ضميرنا وهم الذين تجرأوا على القول بكلمات بسيطة ما لم ترغب الطبقة الوسطى في سماعها). ورغم ذلك فان الحكومة التايلاندية لم تعر اذنا صاغية لمطالب المتمردين الا ان بعض المستشارين المقربين من رئيس الوزراء اقترحوا بأن الوقت الآن مناسب للمضي قدما بالاصلاحات ومن بين القضايا الملحة فكرة اعطاء العمال دفعات من الضمان الاجتماعي وتوزيع افضل للاموال العامة على المناطق الاكثر فقرا في تايلاند). ويسأل الكاتب سيفاراكسا (أي نموذج من التنمية نريد؟ هل نهدف ببساطة الى الخروج من الازمة بجذب المستثمرين الاجانب من جديد بنفس المواصفات والمزايا والامتيازات المالية؟ او هل نستفيد من الصعوبات الحالية لمواجهة المشاكل بشكل مباشر؟ وهل نستمر بالاستمتاع بمنافع السياحة بينما لا يوجد لدى مئات الالوف من الفتيات خيار سوى الدعارة؟). وتساءل مزارع من احدى اكثر المناطق فقرا في تايلاند (هل تستطيع البلاد الاستمرار في الوجود اذا استمرت في تجاهل صراخ ومعاناة معظم سكانها المحرومين؟).