بيان (2): كوالالمبور ــ هايدي مونان: مع الاحتفال بالذكرى السابعة والتسعين لرحلة الطيران الأولى التي قادها الأخوان أورفيل و ويلبور رايت لمدة 12 ثانية فقط في 17 ديسمبر من عام ,1903، تتداعى قصة رائد طيران آخر تجاهله العالم حتى وقت قريب. الزمان عام ,1902 والمكان مستوطنة زراعية في سهول كانتربري جنوب جزر نيوزيلندا. قاد ابن المزارع الذي اشتهر بين الجيران باسم (بيرس المجنون) أو (ديك المعتوه) دراجته كالعادة, حاملا عليها حزمة من عيدان الخيزران ولفائف من الأسلاك. سأله توم ليون (ماذا تفعل يا ديك ؟) .. (سوف أطير) أجاب بيرس بجدية, وانصرف عنه توم وهو يهز كتفيه ولسان حاله يقول (مسكين ديك العجوز). على كل حال كان لريتشارد بيرس أتباعه, إذ لم يمل تلاميذ المدرسة القريبة من التجسس على تجارب الميكانيكي المجنون التي كان يجريها في ورشة خلف مزرعته. لكن بيرس, الذي كان في منتصف العشرينات من عمره آنذاك, لم يأبه بالمتفرجين ولم يحبذ وجودهم. وكثيرا ما كان المزارعون في حقول البطاطس المحيطة بأرضه يلقون عليه الثمار في موسم الحصاد, ساخرين من هدير آلته الطائرة التي تسقط المرة تلو الأخرى دون أن ترتفع كثيرا عن الأرض. كان الصبية يحذرون بعضهم بعضا من شطحات بيرس الذي (قد يتهور فيقتل أحدكم). وذات يوم صرخت جيبسون في ولدها الذي انشغل بمراقبة محاولات هذا العالم المجنون مع طائرته, قائلة (إن الخالق لم يخلق الإنسان لكي يطير). لم يعرف أحد رأي بيرس في الدين, أو ربما لم يهتم أحد بأن يعرف, لكن المؤكد أن شغفه الحقيقي كان بالتطبيقات العملية. كان يتمتع بفضول معرفي متأجج, ترافقه مهارة فطرية (يسمونها في نيوزيلندا براعة الكيوي نسبة إلى هذا الطائر العجيب). لكن كان ينقصه التعليم الفني السليم. وبرغم أن أسرة بيرس كانت متيسرة الحال, أفرادها متعلمون, يقرؤون الكتب, ويلعبون الغولف والتنس, ويعزفون الموسيقى .. لكن الأب ديجوري بيرس كان مثقلا بمصروفات كلية الطب التي التحق بها أحد أبنائه, ولم يظهر حماسا كبيرا نحو تطلعات ابنه ريتشارد العلمية. ودائما ما كان ينصحه قائلا (إذا كنت تحب أن تعرف أي شيء عن الهندسة, فما عليك إلا أن تذهب إلى ورشة الحدادة في القرية حيث يتم إصلاح العربات وتصنيع حدوة الحصان). لكن ريتشارد أقبل على كل ما طالته يداه من كتب, ومنها استقى كل معلوماته عن محركات الاحتراق الداخلي وآليات الحركة في الهواء. وانشغل ديك المعتوه بتأمل تصميم الطائرات الشراعية البدائية التي وضعها ليلينثال وشبيهاتها التي رسمها سانتوس دومونت, في الدوريات العلمية المكدسة في مكتبة القرية. ثم شرع في بناء آلة طائرة, مستعينا بأي مخلفات ملقاة في مزرعة أسرته أو بالقرب منها, حتى إنه صنع كباسات أول محرك من بقايا مواسير المياه. لكن ثمة شيء واحد لم ينتبه إليه المخترع النيوزيلندي الطموح .. ألا وهو أن جميع من سبقه من رواد في مجال الملاحة الجوية قاموا بتجارب الطيران على مرأى ومسمع من العامة. فحين قام سانتوس دومنت بالتحليق حول برج ايفل في فرنسا عام ,1901 كان نصف سكان باريس ينظرون إلى السماء. ومن ثم لم يتشكك أحد أبدا في موعد أو مكان هذا العمل الفذ. لكن حين أطلق ريتشارد بيرس آلته الطائرة التي صممها بنفسه ولم يشاركه أحد في تصنيعها, لم يلحظ محاولاته هذه سوى حفنة من جيرانه الذين اشتكوا من أن صوت الآلة المزعج يخيف قطعان مواشيهم. وبعد هذه التجارب بعقود عدة, تذكر أحد سكان المنطقة أن ديك كان يجري كثيرا خلف طائرته ممسكا بالطرف الخلفي لجناحها, أو مستخدما كوابح تشبه عنان الخيل مربوطة بذراع التحكم الآلي. وفي بعض الأحيان كان شقيقه الأصغر وارنر يساعده, خاصة في مرحلة تجريب قوة المحرك إذ كانا يربطان الطائرة إلى ثقل زنبركي يزن 200 رطل, ثم يشغلان المحرك ويقيسان المسافة التي ابتعدت بها الطائرة عن المركز, وهكذا. بناء طائرة كان بيرس يحلم من كل قلبه أن يبني طائرة تستطيع الطيران (إلى أقرب بلدة ثم تعود منها إلى بيته), حسبما أسرّ لابن أخيه بعد سنوات عديدة. ومن ثم أمضى أياما وليالي في ورشته, مهملا مزرعته .. وكم من مرة فشلت طائرته في تخطي الحشائش الطويلة والشجيرات التي نسى المخترع الحالم تقليمها. لقد حاول, وارتطمت الطائرة, وحاول مجددا .. ثم نجح في القفز بها إلى أعلى لبضع خطوات, ثم استطاع أن يطير لمسافة أطول وسقط, وعاد يحاول التحليق في الفضاء من جديد. وفي كل هذا, لم يفكر أبدا في دعوة الصحافة أو حتى شهود عيان لمتابعة تجاربه. لم يستدع بيرس أحدا لمشاركته حلمه إلى أن حقق سيطرة كاملة على طائرته. والحقيقة أن هذا المخترع المتواضع لم يجد في محاولات الطيران الأولى ما يستحق المشاهدة. المؤسف أن أحدا لم يبدأ في جمع دلائل رحلات الطيران الأولى في نيوزيلندا إلا بعد وفاة بيرس بنحو عقد, عن طريق محاورة الأشخاص الذين عايشوا تجارب (ديك المعتوه) على مدى نصف قرن. وأغلب هؤلاء أبدى اندهاشا من أخذ تجارب بيرس على محمل الجدية .. (كنا نعلم جميعا أن ديك رجل غريب الأطوار) يقول أحد جيرانه. لكن المؤكد أن هؤلاء جميعا شاهدوا بأعينهم طائرات بيرس البدائية تهدر فوق الحقول لمائة ياردة أو أكثر, أو عبر شارع ويتوهي, قبل أن تسقط وتتحطم. يتذكرون رؤية آلة عجيبة مصنوعة من الخيزران والقماش السميك مثبتة في أعلى سور زراعي .. لكن متى كان ذلك بالتحديد؟ إن زعم بيرس بأنه صاحب أول محرك طائر بقوة المروحة في العالم, يظل مرهونا بذكريات بضعة أشخاص كانوا في طور الطفولة حين شاهدوا تجارب هذا المخترع (غريب الأطوار). وقد قامت مجموعة من الباحثين المخلصين بتجميع خيوط الدليل, وخلصوا إلى نتيجة مفادها أن بيرس نجح في الطيران بمحرك خمس مرات على الأقل: في 31 مارس , 1902 وفي مارس ,1903 وفي عيد الفصح من العام ,1903 وفي مايو ,1903 وأخيرا في 10 يوليو ,1903 وفي كل هذه المرات, كان الشقيق الأصغر وارنر حاضرا. كان يتولى جذب خيط المروحة لتشغيل المحرك, ويمسك بظهر الطائرة إلى أن يستجمع المحرك سرعته, ثم يرفس الصخور من أمام العجل حتى تندفع الآلة العجيبة على الأرض. وفي هذه اللحظة يزيد الطيار من سرعة طائرته, فترتفع ببطء إلى الفضاء محدثة صوتا مروعا (يشبه آلة تقطيع التبن) على حد وصف بعض الشهود. كانت آلة بيرس تطير عادة لمسافة 150 ياردة تقريبا حسبما يتذكر البعض من سكان ويتوهي, لكن أيا منهم لا يستطيع أن يوثق شهادته بتواريخ محددة أو براهين ملموسة. بل ذهب بعضهم إلى رواية شهادته كالتالي: (في أحد أيام الإثنين, أخبرت شقيقتا بيرس زميلاتهن في المدرسة أن شقيقهن ريتشارد طار بمحرك في الهواء أمس الأول. واعتقد طلاب الفصل أن ما قالته الشقيقتان ما هو إلا كذبة أبريل). وبوضوح, يتذكر روبرت جيبسون إحدى مرات الطيران التي قام بها بيرس في عيد الفصح مؤكدا أن ذلك كان في العام ,1903 لأنه تسلم عمله في مزرعة الماشية بعد انتهاء إجازة الفصح من ذلك العام. ويذكر هيو ماكولي, أحد أصدقاء بيرس القليلين, أن صديقه المخترع دعاه ذات يوم لتجريب (يديه في قيادة الطائرة) لكنه رفض الدعوة لأنه لم يشأ أن يغامر بأي شيء قبل أيام من عرسه. واكتفى ماكول بحضور تجربة الطيران وتقديم المساعدة في بعض مراحلها. ويؤكد السجل المدني في البلدة أن ماكولي تزوج في تيموكو في 17 يونيو , 1903 بينما اعترفت الآنسة كرولي التي كانت تعمل مدرسة بالبلدة أنها سمحت لتلاميذ فصلها بالخروج لمشاهدة تجارب طيران قام بها بيرس في الحقول القريبة من مبنى المدرسة. ووفقا للسجلات الرسمية, فقد تركت كرولي العمل في مدرسة ويتوهي في سبتمبر ,1903 على هذا النحو تجمعت خيوط الدليل على أحقية بيرس بلقب رائد الطيران الحديث .. الذاكرة البشرية في مواجهة السجلات الرسمية. أما الشخص الوحيد الذي لم يبال بتسجيل محاولاته الإبداعية في مجال الطيران, فهو ريتشارد بيرس نفسه. وإلى جانب انشغاله بتجارب الطيران الآلي, أنجز هذا المخترع الغريب عددا من الأعمال الإبداعية الأخرى, مثل تسجيل أوركسترا أسرته على اسطوانات من الشمع, وصنع صندوق موسيقي يعمل بآلية زمنية. أعجب بيرس بأفلام السينما في بداياتها, وتنبأ باختراع أجهزة الاتصال اللاسلكي قبل ظهورها في الأسواق بوقت طويل. كما أنه استخدم دراجة بخارية تصدر أصوات فرقعة عالية, لكنها ذات سرعة فاقت دراجات كل أقرانه على الطريق. المولد الكهربائي ونجح هذا المخترع في تصنيع دينامو (مولد كهربائي), وابتكر آلة لزراعة البطاطس, وآلة أخرى لحرث الأرض ورش الأسمدة. لكن الواضح أن اهتمامه بالآلات الزراعية كان مبعثه عشقه للهندسة الميكانيكية وليس ولعا منه بالفلاحة. والدليل تلك الحالة الرثة التي كانت عليها مزرعته, التي كثيرا ما ارتطمت طائراته بأحد عوائقها الطبيعية (من الشجيرات والأعشاب غير المهذبة). وفي العام ,1912 بعد إصابته بمرض خطير, اشترى بيرس مزرعة جديدة في ميلتون قرب ديوندن. واصطحب معه بعض الأدوات الزراعية وكتبه العلمية والفونوغراف ومضرب التنس وعصا الجولف, علاوة على دراجته النارية العجيبة وآلة التشيلو الموسيقية التي برع في العزف عليها. وقبل هذا وذاك, أخذ بيرس معه أحدث طائراته. ولسبب لا يعرفه أحد, ترك أول محركين جويين واسطوانات ومروحة وأجزاء من جناح طائرة في ورشة ويتوهي, وكلها أشياء لم يعثر عليها إلا بعد عشرات السنوات أثناء مهمة تقصي الحقائق التي نفذها الباحثون بهدف تحديد دور بيرس في تاريخ الملاحة الجوية الحديث. وفي المكتبة العامة بميلتون, انكب بيرس على أحدث الكتب العلمية والدوريات المتخصصة ينهل منها. واعتاد أن يمضي وقتا طويلا في ورشته, واعتاد جيرانه أن يسمعوا عزفه على التشيلو في المساء. كان يصطحب آلته الموسيقية معه كلما ذهب لزيارة لأمه الأرملة وشقيقتيه في شارع بيرس بمنطقة ويتهوري التي نشأ فيها. ومازال بعض أبناء أسرة بيرس يعيشون إلى اليوم في تلك البلدة, لكن أيا منهم لم يصبح مخترعا مثل ريتشارد. وإن كانوا قد حافظوا على المزرعة بأفضل مما كانت عليه في حياة هذا المخترع. وبعد مدة قصيرة في الخدمة العسكرية أثناء الحرب العالمية الأولى, باع بيرس مزرعته الجديدة وانتقل إلى مدينة كرايست تشيرش (أي كنيسة المسيح) الجنوبية. ولم يأخذ هذه المرة معه سوى الحاجات الأساسية, مثل أدوات المطبخ وجهاز تسجيل وآلته الموسيقية المحبوبة التشيلو. أما اختراعاته الأخرى, ومن بينها دينامو ضخم, فقد تركها بيرس خلفه. ونظرا لخجله الشديد, فقد عاش بيرس المخترع حياة تشبه حياة الناسك. بنى عددا من البيوت التي أجرها جميعا, وأقام هو في ورشته, وأعرض عن أي علاقات مع البشر حوله. وذات مرة استدعى المستأجرون الشرطة لكي تقتحم مكان إقامته, خوفا منهم أن يكون قد مات جوعا. ووجدوه شديد الإعياء, لكن ليس من قلة ذات اليد, وإنما بسبب انغماسه التام في عمله بالورشة إلى حد أنه كان ينسى تناول الطعام. ومع ذلك حافظ ريتشارد بيرس على صلته بأسرته, فيذكر أحد أبناء أشقائه أن عمه كان يعمل في الثلاثينات على إنتاج طائرة منزلية يستطيع أي شخص عادي استخدامها في تنقلاته اليومية. طائرة يمكن أن تطوى أجنحتها وذيلها, ويمكن تخزينها في الجراج مثل السيارة. أي أن ما فعله هنري فورد في عالم السيارات, أراد بيرس أن يطبقه على الطائرات. كان اختراعه يشبه المروحية (الهليكوبتر) التي نعرفها اليوم, وكانت مصممة للتحليق في مساحات ضيقة نسبيا. وخلال مشوار حياته الحافل بالابتكارات, حصل بيرس على العديد من براءات اختراع أجزاء في الطائرة ووسائل قيادتها, لكن ضعف خبرته وعدم وجود الناصح القانوني إلى جواره جعل مستنداته غير مكتملة. وفي السنوات العشر التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية, أنفقت الدول الكبرى أموالا هائلة على أبحاث الطيران. وفي تلك الفترة, عرض بيرس بعضا من اختراعاته على مصانع الطائرات التي رفضتها بلباقة.. ويبدو أن ابتعاد المخترع المنعزل آلاف الأميال عن قلب التطورات التكنولوجية في أوروبا أفقده القدرة على إقناع الأوروبيين بأهمية استكشافاته العلمية. وفي العام ,1953 توفي ريتشارد بيرس في أحدى المؤسسات العامة, وحيدا محبطا. وكان الأطباء والممرضات يتعاملون مع قصصه عن الطيران والتحليق في الفضاء باعتباره نوعا من هذيان رجل مريض مختل العقل. ولم يحظ أول مخترع لطائرة بمحرك أثقل من الهواء في نيوزيلندا, وربما في العالم كله, باعتراف بإنجازه العظيم إلا بعد سنوات عديدة من وفاته. ولعله ليس من قبيل المصادفة أن يكون شعار نيوزيلندا الوطني اليوم طائر (الكيوي) .. الطائر الذي لا يطير.