بيان (2): في الدراسات العشرين التي يضمها هذا الكتاب بين دفتيه تحاول مجموعة من أشهر الدارسين المعاصرين لعلم التاريخ طرح مجموعة من الأسئلة المؤرقة في مقدمتها: أين كان يمكن لنا ، أن نكون لو ان التاريخ لم يأخذ سيرته المسجلة؟ لم وكيف ومتى أصبحت مصائرنا نتائج محسومة تستعصي على التغيير؟ والاجابات قد تكون مفاجئة وهي تبدو بالتأكيد مخيفة أحيانا, لكنها ممتعة في كل الأحوال. وكتاب (ماذا لو؟) يبحث في أكثر أحداث العالم أهمية في فترة تمتد على مدى 2700 عام من تاريخ البشرية أحدثها المواجهة بين الشرق والغرب على جانبي جدار برلين عام 1961 وأولها حصار جيش الأشوريين لمدينة القدس. وما بين هذين الحدثين يستخدم المؤرخون أداة التساؤل (ماذا لو؟) العلمية لالقاء مزيد من الضوء على نقاط الانعطافات التاريخية الأكثر أهمية في حياة البشر. والقائم بتحرير هذا الكتاب والمشرف على اعداد مواده هو المؤرخ روبرت كاولي وهو المحرر المؤسس لمجلة (فصلية التاريخ العسكري) التي تصدر في الولايات المتحدة. وقد عاش حياة عملية طويلة في عالم الصحافة والنشر, حيث شغل عدة مناصب رفيعة في صناعة نشر المجلات والكتب في الولايات المتحدة. كثيرا ما يتردد القول بأن الأسئلة التي تحمل تعبير (ماذا لو؟) أمر ما يسمى بين أوساط دارسي التاريخ بـ (الواقع المفترض المعاكس) هي الأسئلة السحرية التي تظل تلح على أذهان المؤرخين. وهذه الأسئلة تتمتع بقيمة علمية أصيلة, تتجاوز ما يرى البعض انه مجرد لعبة افتراضات. ويمكن أن تكون في يد المؤرخين أداة تعزز عمق فهمنا للتاريخ, وتجعله كائنا حيا أمام عيون دارسيه, بل يمكن لها أيضا أن تكشف وبتفصيل مدهش جسامة خطورة احتمالات أي مواجهة شهدتها الحضارات والشعوب في تاريخ وجسامة عواقبها المحتملة أيضا. وهذا هو على وجه الدقة ما يحاول كتاب (ماذا لو؟) الماثل بين أيدينا أن يبرهن عليه بشكل عملي لكل قارئ مهتم بالتاريخ, ويا حبذا ان كان عاشقا له أيضا! ماذا لو تمكن الفرس من هزيمة الاغريق واللحاق بسفنهم في المتوسط قرب مكان معركة سلاميس التاريخية الشهيرة وتدميرها عام 480 قبل الميلاد. وماذا لو تمكن الاسطول الاسباني الشهير, الأرمادا, من أن ينتصر في مواجهته مع الاسطول البريطاني وأن يحتل جيش دوق بارما لندن؟ ليلة الثامن من أغسطس عام 1588 لم يكن الأمر بحاجة إلا أن تواتي الريح أشرعة السفن الاسبانية ليعرف العالم نتيجة معاكسة للنتيجة الفعلية التي تمخضت عنها إحدى أشهر المواجهات في التاريخ شأن ما كان عليه الحال في معركة سلاميس. ماذا لو تمكن الألمان من صد انزال الحلفاء على شاطئ النورماندي في ذلك اليوم الشهير؟ ماذا لو طالت العاصفة الهوجاء المفاجئة التي هبت على أوروبا في الخامس من يونيو 1944 لتستمر في اليوم التالي المحدد موعدا للهجوم؟ ألم يكن ذلك يعني فشل الهجوم واضطرار الولايات المتحدة لاستخدام قنبلة نووية لضمان استسلام ألمانيا كما كانت حال اليابان؟ هذا كله ليس إلا نزرا من كثير من أسئلة (ماذا لو؟) التي يطرحها كتابنا. يقول روبرت كاولي محرر الكتاب ان علم التاريخ ربما يكون أدبيات ما حدث فعلا, لكن ذلك لا يلغي بحال من الأحوال أهمية الواقع المفترض المعاكس. إذ ان (ماذا لو؟) تعودنا على التحقيق في صلب افتراضات يحملها الكثيرون طويلا في أذهانهم. إن (ماذا لو؟) بمقدورها أن تحدد حقا نقاط الانعطاف التي غيرت الحدث والنتيجة, بوسعها تبيان ان حوادث ومجريات صغيرة وقرارات قد تتخذ في فسحة من الزمن لا تتجاوز الثواني يمكن أن تفرز عواقب جسيمة جدا من فئة ما يسمى واقع الصف الأول المفترض المعاكس. يتفكر أحدنا مثلا في الضباب الكثيف المفاجئ الذي هبط على ضفاف نهر ايست والذي سمح للجنرال جورج واشنطن قائد قوات الثورة الأمريكية أن ينسحب هاربا بقواته المضعضعة المهلهلة تحت ضربات الجيش البريطاني المستعمر في خضم معركة لونج آيلاند في صيف 1776. من دون ذلك الضباب كان يمكن لواشنطن ومقاتلوه أن يحاصروا بين مرتفعات بروكلين ليختار بين الفناء بنيران البريطانيين أو الاستسلام غير المشروط لهم. هل كان يمكن لدولة نعرفها اليوم باسم الولايات المتحدة الأمريكية أن تقوم لو ان هذا قد حدث؟ ويمكن هنا أيضا ذكر قرار ملازم من الجيش البريطاني ألا يضغط زناد بندقيته حينما أصبح واشنطن ضمن مرماها في معركة براندواين العام التالي. كان يمكن لذلك أن تكون له النتيجة نفسها أيضا. وقلة من الأحداث كانت معتمدة على أجوبة (ماذا لو؟) كما هي حال الثورة الأمريكية. وعن ذلك يقول كاولي: اننا نتاج مستقبل ربما ما كان يمكن له أن يكون! حتمية أم حرية؟ لكن أسئلة (ماذا لو؟) لها أيضا وظيفة علمية أخرى. إذ بمقدورنا أن نلغي ما سمي (نزعة الادراك المتأخر). فهل كان لهتلر من وسيلة لكسب الحرب العالمية الثانية بعد فشل معركة بريطانيا الجوية التي شنتها طائراته بشراسة على الجزر البريطانية؟ طوال السنوات الخمسين الماضية كان المؤرخون يرون في صيف عام 1940 القمة بالنسبة لمد النجاح الذي حققه هتلر. لكن المؤرخ جون كيجان الذي يضع في مساهمته في هذا الكتاب السؤال السابق تحت مجهر (ماذا لو؟) يشير إلى ان هتلر لو انه قرر عدم غزو روسيا لكان يمكن للتاريخ أن يتغير ويشق مساره على نحو مختلف جدا. ولو انه قرر بعد نجاح غزوه لليونان في ربيع 1941 أن يتابع المسير شرقا ليغزو تركيا أو الشرق الأدنى لكان استطاع السيطرة على موارد النفط التي كان بأمس الحاجة إليها في سنوات الحرب ثم يوجه جيوشه نحو الاتحاد السوفييتي لاحقا, وهو يمتلك فرصا أفضل للنجاح. ويخلص كاولي إلى القول بأن الكثير من النتائج, وعلى عكس ما يخيل للاعتقاد به, ليست نتائج أكثر حتما في التاريخ مما هي عليه في حياتنا الحاضرة التي نحياها. وللقارئ طبعا أن يتفق مع هذا القول أو يختلف. لكن كاولي يستطرد في فكرته هذه ليشير إلى ان المسارات المتباينة للنسيج السفلي في مادة التاريخ ما هي إلا انعكاس للامحدودية خيارات البشر, ان لم تكن أكثر من ذلك. والطريق الذي لم يطرق يظل حاضرا على الخريطة رغم ذلك. (ماذا لو؟) كتاب يتناول الأحداث الكبار في التاريخ العسكري للعالم من منظور جديد: أي كما كان يمكن لنتائجها أن تكون لو ان بعض مجرياتها كانت مختلفة. واصدار هذا الكتاب كان احتفالا بالذكرى العاشرة لاصدار مجلة (فصلية التاريخ العسكري) الأمريكية التي يتولى كاولي رئاسة تحريرها. وفي العدد الذي احتفلت عبره المجلة بعيد ميلادها العاشر وجه محرروها لعدد من أشهر المؤرخين هذا السؤال: ما هي أكثر النتائج التي كان من المحتمل حدوثها أهمية في التاريخ العسكري؟ كانت الاجابات المقدمة من هؤلاء المؤرخين مفاجئة وممتعة وأحيانا مخيفة لكنها كلها قابلة للحدوث عمليا. طبعا كانت الاحتمالات كلها بعيدة كل البعد عن الافتراضات العابثة مثل ماذا لو كانت لدى هانيبان قنبلة نووية, أو لو امتلك نابليون قاذفات (الشبح). وبالتالي كانت قابلية الحدوث هي كلمة السر التي شملت كل الاحتمالات المطروحة. يقول جورج ويل, أحد المؤرخين الذين أسهموا بدراسة في هذا الكتاب: (ان الأثر الرائع لتجربة فصلية التاريخ العسكري هو الادراك العميق للخلافات الشاسعة التي يمكن للصدف أن تصنعها في تاريخ الأمم). يتضمن الكتاب (ماذا لو؟) عشرين فصلا كل منها عبارة عن مقالة لأحد رواد علم التاريخ يتناول فيها حدثا تاريخيا عسكريا مهما شهده العالم ويخضعه للتشريح على طاولة السؤال: ماذا لو؟ والمقالات هذه مبوبة ضمن تسلسل زمني للأحداث التي تتناولها والتي تتراوح على مدى 2700 عام من التاريخ الإنساني. يقول كاولي انه لا شيء قد يكون مناسبا لعرضه ضمن منظور (ماذا لو؟) من التاريخ العسكري حيث المصادفة وتصاريف القدر ونقاط الضعف والقوة البشرية والشخصية يمكن أن تحمل الفرق بأكمله بين واقع وعكسه. الدومينو يمضي قدماً أسئلة كثيرة ومتنوعة من مثل ماذا لو لم يتفش مرض غريب بين جنود الجيش الآشوري الذي حاصر القدس في عام 701 قبل الميلاد؟ ويسترسل كاتب المقالة وليام ماكنيل صاحب هذا السؤال بسؤال تالٍ آخر قد لا يوافقه عليه من ينظر للأديان بعين المؤمن: هل كان سيتأتى للدين اليهودي ثم المسيحي أن يظهرا؟ لكن هناك أسئلة تناقش نتائج توقفت على أنصاف الثواني: ماذا لو لم يعترض أحدهم الفأس الحربي الذي رمى به أحد المقاتلين نحو الاسكندر في إحدى معاركه قبل بلوغه صدر هدفه الذي ما كان له أن يصبح (الأكبر)؟ أو ماذا لو وقع القائد الاسباني كورتيز في الأسر لدى حصار مدينة تينوشتيتلان أو نيومكسيكو كما تعرف اليوم؟ كان من المحتمل جدا حينها للولايات المتحدة أن تتعامل مع دولة أمريكية قوية للسكان الأصليين على حدودها الجنوبية. ماذا لو لم يمت الامبراطور المنغولي عام 1242 بعد اجتياح جيوشه لشرق أوروبا؟ وماذا لو لم يفوت نابليون على نفسه بعض الفرص ولم يهزم في واترلو؟ وغير ذلك. بالنسبة للمؤرخين, كما يجري القول المأثور, تتحرك أحجار الدومينو للخلف. لكن كتاب (ماذا لو؟) يحاول (أن يجعلها تتحرك للأمام في دراسة التاريخ). في الدراسة الخامسة أو الفصل الخامس من كتاب (ماذا لو؟) يبحث المؤرخ باري شتراوس إحدى أهم نقاط الانعطاف في تاريخ البشرية من وجهة نظره ألا وهي معركة (بلاط الشهداء) التي خسرها جيش المسلمين القادم من الاندلس بقيادة عبدالرحمن الغافقي أمام جيش الفرانكيين بقيادة شارل مارتل. وباري شتراوس هو بروفسور محاضر في التاريخ والكلاسيكيات ورئيس برنامج دراسات السلام في جامعة كورنيل. وله مؤلفات تاريخية عدة مثل (آباء وأبناء في أثينا) و(تشريح الرعب: الكوارث العسكرية القديمة ودروسها للاستراتيجيين المعاصرين) و(التجديف ضد التيار). يقول شتراوس ان الأحداث التي أفضت أخيرا إلى معركة بلاط الشهداء كانت أكثر الانجازات العسكرية سرعة في تاريخ البشرية. ففي غضون جيلين فقط من التحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى في عام 632 كانت الجيوش الاسلامية قد فتحت الشرق الأدنى الكاملة وطرقت أبواب عاصمة بيزنطة ذاتها. وفي عام 711 وبعد فتح مصر وشمال افريقيا بأسره عبر الجيش الاسلامي مضيق جبل طارق وهاجم مملكة القوط التي أسسها في اسبانيا أنسال قبائل القوط الذين هزموا جيوش روما في معركة أدريانوبول. وتمكن جيش المسلمين من سحق الجيش القوطي, وقتلوا ملكهم رودريك (أو لوذريق كما يسميه المؤرخون العرب). وفي أقل من عقد فتح المسلمون شبه الجزيرة الايبيرية بكاملها تقريبا ورفعوا رايتهم عليها. ثم في عام 720 عبرت قواتهم جبال البرانس لمهاجمة المنطقة التي كانت تدعى سبتمانيا التي كانت جزءا من بلاد الغال التي يحكمها القوط وهي اليوم في جنوب فرنسا. ويبدأ شتراوس بعد ذلك بسرد الأحداث التي انتهت بالمواجهة الفاصلة في بلاط الشهداء ثم يورد تفاصيل تلك المعركة التي انتهت باستشهاد عبدالرحمن الغافقي وانسحاب جيش المسلمين. وبعد استعراضه لبعض الآراء المعاصرة بين دارسي التاريخ الذين يقولون بأن معركة (بلاط الشهداء) لم يكن لها أن تغير كثيرا في تاريخ أوروبا والعالم لو ان غبارها انجلى عن نصر للمسلمين, وبعد أن يستعرض كل الاحتمالات التي تدور حول نتيجة هذه المعركة يقول شتراوس ان المسلمين لو احتفظوا بسيطرتهم على ثغورهم على طول جبال البرانس لكانوا عاجلا أو آجلا قد استجابوا للمنطق الذي يدعو إلى حمل لواء دعوتهم شمالاً, فهم وعلى الرغم من اخراجهم من سبتمانيا عام 759 وحتى بالحضور القوي لملك الفرانكيين شارلمان حفيد شارل مارتل وقادته وحملاتهم العسكرية في جبال البرانس, ظلوا مستمرين في القيام بعملياتهم ضد جنوب فرنسا حتى عام 915. ولولا هزيمة (بلاط الشهداء) لكان المسلمون قد انتقلوا من نصر إلى نصر بعد تلاشي القوة الفرانكية أمامهم حتى عبروا القناة الانجليزية ورفعوا الهلال بدلا من الصليب في اكسفورد, كما قال المؤرخ الانجليزي ادوارد جيبون. ويحكم بريطانيا أفراد وأئمة بدلا من النبلاء والكهنة ولكانوا هم من سيواجهون غزو الفايكنج للجزر البريطانية في القرن العاشر. ولو قدر لهذا النجاح أن يتم لكانت خلافة إسلامية قد حكمت أوروبا بأكملها, كما سبق لروما أن حكمت القارة. ويطرح شتراوس السؤال التالي: ماذا كان يمكن أن تكون عليه أوروبا غربية مسلمة تمتد من جبل طارق جنوبا وحتى اسكندنافيا شمالا؟ بالتأكيد كان للمسيحية أن تستمر, لكن كجيوب تحظى بحماية الدولة, وتتقلص باستمرار, وليس كدين حاكم. ولا شك في ان أغلبية الاوروبيين كانوا سيتحولون إلى الاسلام ديناً, كما كان شأن معظم أهالي شمال افريقيا والشرق الأوسط. يقول شتراوس ان المسيحية ما كان لها أن تنتشر في أرجاء العالم لو انتصر الجيش المسلم في (بلاط الشهداء). إذ ان الأوروبيين الغربيين الذين عبروا الأطلسي عام 1492 كانوا سيفعلون ذلك تحت راية التوحيد. ولكان الإسلام قد سيطر على الأطلسي بالمطلق مع وجود بحرية اسلامية جبارة في المتوسط تحت الراية الأموية وسيطرة الأساطيل الإسلامية على التجارة في المحيط الهندي حتى ظهور البرتغاليين فيه. وفي الأمريكيتين كان السكان هناك سيتحولون لا إلى أوروبيين كما هو شأنهم الآن وإنما إلى مسلمين. واليوم لم يكن ليوجد سوى دين عالمي واحد, هو الإسلام. فرنسا وألمانيا مسلمتان أما في أوروبا, فكانت النخب الإسلامية في غضون ذلك قد حققت أقصى مستويات التقدم في البلاد التي فتحوها بعد نصر الأمير عبدالرحمن الغافقي في (بلاط الشهداء). فقد بنى المسلمون في اسبانيا أكثر المجتمعات الأوروبية تطورا في القارة الأوروبية منذ الأيام المجيدة لروما. فقد شهد القرن العاشر في الأندلس زراعة وفيرة ومدنا مزدهرة وشعرا وقصورا وفنونا متطورة وأقصى درجات الاستنارة. كانت مدن الأندلس حينها تطغى تماما على نظيراتها الأوروبية الشمالية وتجارها يجوبون أقصى بقاع العالم المعروفة أما فلاسفتها فيتقزم أمامهم نظراؤهم الأوروبيون الآخرون في معرفتهم حتى بالتراث الاغريقي. ويؤكد شتراوس ان أوروبا كانت ستكسب الكثير لو قدر للإسلام أن يغذ المسير في شمال الاندلس. فالمسلمون وحيثما وجدوا سواء في الشرق أو في افريقيا أو في اسبانيا كان لديهم لمستهم الساحرة حقا, فقد شجعوا رفاه المجتمعات, عبر التجارة والزراعة وأقنية الري وبناء المدن العامرة. وهو يشير الى ان انجلترا او فرنسا او ألمانيا مسلمة كانت ستمتلئ ليس بالمساجد ومعسكرات الجند فحسب بل وبالقصور والحمامات والحدائق والنوافير وكان من الممكن ان تكون باريس القرن العاشر لو وصلها المسلمون بعد (بلاط الشهداء) قرطبة ثانية تعج بورش الحرفيين وأسواق التجار التي يمكن للمرء ان يسمع فيها كل لغات العالم القديم ولقدر لها ان تعرف القصور مذهبة السقوف ورخامية الأعمدة والمزينة بكل ألوان الاصبغة المستوردة من الهند, بدلاً مما كانت عليه وهو أنها بلدة صغيرة بائسة. لو كانت آخن مقراً لخليفة مسلم بدلاً من ان تكون عاصمة لشارلمان, لربما كانت قد عرفت النور والمآذن السامقة بدلاً من المساكن الكليلة, والتطور ما كان له ان يقتصر على الجانب المادي ابداً فالعرب وهم سادة التميز في الشعر والفلسفة كانوا سيحولون اوروبا الى معقل فكري, وكانت ادمغة الدارسين شمال جبال البرانس قد تعرفت على أعمال أفلاطون وأرسطو في القرن العاشر بدلاً من ان يتأخر ذلك حتى القرن الثاني عشر ولكان شعراء اوروبا قد بدأوا في نظم قصائد رفيعة تستطيع اسعاد رواد البلاط في بغداد بدلاً من القصائد الغليظة لأمثال بيوولف ولا عجب ان مؤرخاً كبيراً مثل أناتول فرانس أسف على نتيجة معركة (بلاط الشهداء) واصفاً اياها بأنها (تراجع للحضارة في وجه البربرية). يقول شتراوس ان الاسلام مثل الوريث الراعي لتراث امم عظيمة عرفها الشرق القديم والمتوسط في مقابل اوروبا الغربية الفظة وشبه البربرية والتي لم يكن مال مدينة روما تحت سيطرة الجرمان الا الاضمحلال والانتهاء لكن على المدى الطويل كانت اوروبا الغربية اكثر قوة من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية مقارنة بالثقافة الاسلامية. وهنا يطرح شتراوس مفارقة يقول بأن المؤرخين وجدوا صعوبة في تفسيرها وهي لماذا ارتقت اوروبا المسيحية ذات الثقافة الفجة لتصبح قوة عالمية وبدأت ثورتين علمية وصناعية وابتكرت الرأسمالية بالتزامن مع ذلك فيما الاسلام المتحدث بقي جامداً اقتصادياً ووقع بعد ذلك تحت السيطرة الاوروبية وفي محاولته الاجابة عن السؤال يقول شتراوس ان السبب الأهم ربما كان يكمن في التعددية الغربية. لقد كانت اوروبا الغربية مجتمعات بربرية وأثبتت انها عصية على الحكم حيث لم تظهر فيها سلطة مركزية واحدة, فالحكومات الاقطاعية لم تتمكن من السيطرة على الفرسان الأفراد وعلى مدى القرون اصبحت الفردية تتسم بالديمقراطية وتحولت لقيمة اوروبية عالية الشأن. البارونات الاوروبيون لم يتمكنوا من السيطرة على المدن التي استمر تجارها المتلاعبون بالحكومات يسعون وراء الارباح بالشراسة ذاتها التي كان فرسان العصور الوسطى يخوضون بها حروبهم وخلال حقبة الاصلاح في اوروبا اختارت الدول فرادى الاستقلال نحو الكنيسة بعد قرون من الصراع بين الجانبين وهكذا كانت الثقافة التي تبلورت في اوروبا مقارنة بالاسلام ثقافة لا مركزية وعلمانية وفردية دافعها الربح وكانت ثقافة لا تكن الاحترام للمدنية الى الجنوب منها. لهذا لا عجب ان اوروبا هي التي شهدت النهضة والاصلاحات وبروز العلوم المعاصرة والتصنيع ولا عجب ان اوروبا وطوال قرون عديدة حكمت العالم. والمفارقة ايضاً حسب ما يقوله شتراوس هو ان اوروبا ربما ما كان لها ان تفعل ذلك لو لم تعرف عصور الظلام اذ ان وجود خليفة مسلم يحكم اوروبا بأكملها بعد بواتييه ربما كان ضمن الاستقرار والتطور الثقافي لأوروبا, لكن ذلك كان يمكن له ايضاً ان يمنع ظهور الحداثة كما شهدناها كما ان لا خليفة مسلم ولا امبراطوراً رومانياً يحكم اوروبا كان سيسمح بحدوث تلك القلاقل وفقدان النظام الذي ولدت منها النهضة الاوروبية فعلياً وعصور الظلام بالنسبة لاوروبا كما يقول شتراوس كانت الدواء الفظيع الذي كاد يقتل المريض لكنه في النهاية جعله اكثر قوة. لكن ليس هذا فحسب إذ ان اوروبا كانت محظوظة جداً ايضاً اذ ان بلاط الشهداء عام 732 وقبلها انهيار الامبراطورية الرومانية الغربية على يد قبائل الجرمان عام 476 ما كانت لتكون الآن سوى هوامش بسيطة على كتب التاريخ لو أن الامور سارت على غير ما سارت عليه فعلاً عام 1242 ففي ذلك العام انسحب من اوروبا اقوى غزاة شهدتهم القارة في تاريخها كلها على نحو مفاجئ بعد فتوحاتهم التي تلاحقت بسرعة البرق لشرق اوروبا قبل ذلك بعام فقط. اذ لو لم يقرر المغول التراجع عن اوروبا بعد موت امبراطورهم لم يكن في القارة الاوروبية كلها من يستطيع ان يوقف هؤلاء الغزاة ويمنعهم من الوصول حتى شواطئ اوروبا على الأطلسي ومن المشكوك فيه اذا ما كانت حتى امبراطورية رومانية تبعث من جديد قادرة على ذلك ولا حتى اوروبا مسلمة وعربية كانت تستطيع ذلك ايضاً بالنظر لحالة الضعف العربي في تلك الفترة ولا أدل على ذلك من ان بغداد عاصمة الدولة العباسية سقطت بيدهم في العقد التالي عام 1258.