بيان (2) : كانت قد بدت مختلفة هذا المساء, على الرغم من انها هي التي أيقظته صباحا على اصوات ضحكاتها المجلجلة التي بدت, منذ عرفها قبل اسبوعين, انها, تلك الضحكات, قد انقذته من الكآبة التي بدت وكأنها قد ، عششت في قلبه, لا بل كل كيانه, حتى انه فكر في الانتحار, ربما, للمرة الاولى, لا, للمرة الثانية, وكان يظن ان قطار المرح قد فاته منذ زمن, على غير ما امل من قبل, عندما كان شابا, وها هي ندى, تضع الابتسامة على شفتيها وتوزعها هنا وهناك, حتى كان هذا المساء. لم يكن يظن, وحتى الخامسة مساء, حين اتصلت واصرت على ان يكون لقاؤهما خارج البيت, لا خارج الفراش فقط, بل خارج البيت, في مكان عام, ولم تعطه أي فرصة, حتى, لاختيار المكان, بل حددته هي, وكان مكانا كئيباً في بدروم فندق, في قلب القاهرة المعزول, حيث تلتقي الفتيات المحجبات المرعوبات مع الشبان المضيعين. لم تكن قد تأخرت خلال المواعيد العديدة التي التقاها خلالها دقيقة واحدة, لكنها هذه المرة تأخرت اكثر من دقيقتين ونصف ساعة, ولولا ان الجرسون قد تأخر في احضار القهوة المرة, لما تحمل كل هذا الانتظار الطويل الذي لم يعتده منها من قبل. لكنها حين جاءت أيضاً, وكان هم بالوقوف ليقبلها, كما فعلا في كل المرات السابقة, تعمدت الجلوس بسرعة غير متوقعة واظهرت على وجهها علامات غير مألوفة, حتى ظن انها ربما تكون قادمة لقطع علاقتها به, وهو ما نفته بمجرد ان لمح إليه. قالت: لا. قال: ما الامر إذن؟ قالت: لا شيء. أقصد ان.. ــ هناك سر؟ سأل. قالت: وكيف عرفت؟ قال وهو يشير للجرسون الضئيل الذي لم يحلق لحيته منذ اسبوع على الاقل: واحد ليمون وقهوة سادة. ــ لا لا أريد ليموناً. ــ لا لم اعرف. فقط كنت اخمن. ماذا تريدين اذن؟ ــ أريد قهوة مضبوط. ــ ثم صمتت وعادت الى القول: ــ كيف عرفت انني أريد ليموناً؟ قال: ــ كنت دائماً تطلبين ليموناً في مثل هذه الجلسات؟ قالت: ليس دائماً. هل تذكر. الآن انا لا أريد ليموناً. ثم ها نحن نخرج عن الموضوع. ــ أي موضوع؟ ــ ذلك الذي كنا نتحدث فيه. قال: ــ آه. وقفت وراحت تبحث عن شيء ــ أين حقيبتي؟ سألت. لم يرد. انحت ورفعت الحقيبة من الارض. جلست ووضعتها على الطاولة بينهما. فتحتها وقالت في فرح مفاجىء: ــ ها هو الألبوم. ــ أي ألبوم؟ سأل. قالت: ــ الا تذكر؟ الألبوم الذي حدثتك عنه. وقفت وقد ازدادت مرحا قالت: ــ ألبومي. وقفت واستدارت جالسة بالقرب منه وغرست نهدها في ذراعة. فتحت الألبوم. قالت: انظر. كان هو يحس بنهدها في ذراعه وبدأ يسخن ويستثار ويتطلع الى شفتيها المكتنزتين اللتين كانا اول ما لفت نظره اليها حين رآها للمرة الاولى. ــ انظر. كانت تشير بإصبعها بينما راح هو ينظر الى يدها الطرية التي كانت أيضاً شيئاً مثيراً تمنى, حين رآها للمرة الاوى ان يفتحها ويضع كفها على شفتيه, لكنه لم يتمكن في المرة الاولى, بل في المرة الثانية حين جاءت وكانت هي أيضاً مستثارة وكانت ترتدي فستانا حريريا خفيفاً وفوقه (تي شيرت) خفيف أيضاً. ــ ها أنذا. كانت تشير الى صورة صبية في عينيها شقاوة الدنيا ترتدي فستان كاروهات قصيراً وتعقص شعرها بوردتين. ــ انت؟ ــ نعم انا ندى. ثم اخذت تحرك الصفحات, والبنت الصبية تكبر كلما مضت الصفحات الى الامام, فاذا بالفتاة التي كبرت ترتدي جلباباً طويلاً فوقه حجاب من ذلك النوع الذي ترتديه فتيات كثيرات يحاولن البحث عن غطاء, واذا بنفس الفتاة, بعد صفحتين من الألبوم في لباس البحر على شاطىء الاسكندرية, فنظر اليها, لكنها كانت مشغولة بتقليب الصفحات دون ان تعني نظرته اليها أي شيء, لكنها راحت تقلب الصفحات حتى أغلقت الألبوم ووقفت. ــ هيا بنا قالت. ــ أين أين؟ سأل ــ لا تسأل. قالت وضعت الألبوم في حقيبتها ومشت امامه, وانشغل هو قليلا مع الجرسون لكنه لحق بها بعد ان دفع الحساب وهي واقفة امام باب الفندق ولاحظ انها تتصرف وكأن هذا المكان مكانها الذي ترددت عليه طويلا, لكنه لم يقل أي شيء بهذا المعنى بل استجاب لرغبتها وركب التاكسي الذي اشارت هي اليه وطلبت من السائق ان يأخذهما الى نادي القاهرة, فانطلق بالفعل الى ميدان التحرير الذي لم يكن مزدحما على غير العادة, الامر الذي جعله يسأل: ــ أي يوم هذا؟ لكنها اشارت الى فمها فسكت وتذكر انه يوم الاحد حيث تخف حركة الناس في قلب المدينة لأن اغلب المحلات مغلقة. قال آه. اليوم يوم الأحد. ابتسمت هي فبادلها الابتسام, لا لأن اليوم يوم الأحد, ولا لأن المدينة كانت هادئة, بل لأنه احس ان مرحها قد عاد, وكان قد احس منذ جاءت لكافتيريا الفندق بانها قد اضحت مكتئبة, ولم يكن يكره شيئاً قدر ان تكون الفتاة مكتئبة, خاصة وانها فتاة صغيرة نسي الآن كم يبلغ عمرها لكنه لم يجرؤ على سؤالها, اذ لم يكن من اللائق ان يسألها وهما في التاكسي, الذي من المفترض, على الاقل امام سائق التاكسي انه يعرف اجابته, لكن التاكسي, الذي كان قد مر منذ قليل على كوبري قصر النيل حيث يقبع الاسدان عند مدخله, قد توقف امام باب النادي ونزل هو ثم نزلت هي خلفه واصرت على ان تدفع للسائق اجرة التاكسي واحس هو بالحرج, لكنها كانت قد بدت في صورة الفتاة العصرية التي ترفض ان يدفع لها الرجل, أياً كان, في كل وقت. ــ تعال. قالت وهي تمسك بيده على الطريق داخل النادي, بل انها هي التي دفعت له اجرة الدخول فبدت اكثر عصرية مما كان يتصور وظلت ممسكة بيده حتى وهي تحيي عددا من الرجال والنساء الذين كان بعضهم يجلسون في ظلال الاشجار على الطاولات لا يفعلون شيئاً وبعضهم الآخر يركضون او يقفزون بالكرات هنا وهناك, لكنها ما ان عثرت على طاولة لا يجلس عندها احد, حتى اخذته اليها ووضعت حقيبتها وجلست واخرجت علبة سجائر لم يكن قد رآها من قبل وراحت تدخن, ثم انها طلبت له فنجانا من القهوة السادة وطلبت لنفسها آخر من الشاي وقالت: ــ هل تعرف لم جئت بك الى هنا؟ قال: ــ لا. قالت: لأحكي لك عن سر. قال وهو ينظر الى لافتة تشير الى (الصالة الرياضية) : آه. قالت: ــ لكن قبل ان احكي أريدك ان تعرف شيئاً ربما لم تلحظه في البوم الصور. ــ ما هو قال: ــ أنا أحب الكاراتيه. قال: ــ وأي شيء في هذا, أنا نفسي كنت أتمنى.. قاطعته: ــ تلعب كاراتيه؟ قال: ــ كنت أتمنى. قالت: ــ خلاص. اتفقنا. يمكنني أن أعلمك. قال: ــ كان هذا منذ زمن. قالت: ــ ولم لا يكون الآن؟ قال: ــ الآن مستحيل. لقد كبرت على تعلم أي لعبة لم العبها منذ كنت صغيراً. قالت: ــ وهل تظن أنك عجوز؟ لم يجب لكنها قالت: ــ هل تعرف. كل صديقاتي على علاقات برجال يكبروهن في السن. احس بالحرج لكنها عادت لتقول: ـ صديقتي سلوى. أظن أنني حدثتك عنها؟ لم يجب فعادت هي للقول: ــ تلك التي تهوى قيادة الطائرات. أتذكر؟ تذكر طبعاً وقال: آه. قالت: ــ سلوى هذه التي تقود الطائرات على علاقة برجل في الخامسة والخمسين وهي سعيدة جداً. قال: ــ آه. قالت: ــ كل صديقاتي هكذا. هز رأسه وفكر أوه ربما يكون قد حان الوقت الآن للمغادرة, لكنه لم يجرؤ على فتح الموضوع, لكنه تذكر أنها كانت قد قالت شيئاً عن أنها تود أن تقول له شيئا فقال: ــ لكنك كنت تقولين... قالت: ــ أرجوك لا تغير الموضوع. قال: ــ أي موضوع؟ قالت: ــ موضوع السن. قال: ــ فهمت. قالت: ــ إنني لا أقصد أن أقول إن الفارق بيننا يصل الى هذا الحد. لكنني. تصور. نسيت. ــ ماذا نسيت؟ ــ نسبت ماذا كنت أقول عن هذا. قال: ــ والآن؟ قالت: ــ لا شيء. آه. تذكرت. صديقتي سلوى هذه أيضاً ليست عذراء. قال: ــ وهل هذا شيء مهم؟ قالت: ــ الأولاد هذه الأيام يهتمون جداً بهذا الموضوع. قال: ـ ليس كلهم على ما أظن. قالت: ــ لا. أولاد هذه الأيام كلهم يهتمون به. قال: ــ ربما. ثم انها صمتت ولم تقل شيئا وبدت وكأن الأسى يعاودها, فعاد هو يقول: ــ أظن أنه في جيلي أنا أيضاً, أقصد أنني حين كنت في مثل سنك, كان الأولاد في سني يهتمون بهذه المسألة. استمرت في صمتها لكنه في هذه اللحظة لم يعرف كيف يحرك كل هذا السكون, خاصة وقد بدأ يتبين أنه في مكان ليس مكانه ولا يتعرف عنه شيئاَ وأنه ربما يكون هناك شخص ما يسترق السمع إليهما. قالت: ــ لم تنظر هنا وهناك؟ قال: ــ لا. لا شيء. فقط استطلع المكان. ولأنها لم تقل شيئاً عاد هو يقول مرة أخرى: ــ إنه مكان ظريف. هل تعرفين؟ هزت رأسها. قال: ــ إنني لم أحضر إلى هذا المكان من قبل. هزت رأسها مرة أخرى. لم يقل شيئاً, لكنه سرعان ما أدرك مدى الأسى الذي ربما يكون هو السبب في هذه التجاعيد الرفيعة التي لم تكن ظاهرة لعينيه من قبل, لكنها اضحت واضحة في هذه اللحظة بالذات, خاصة في رقبتها, وتحت عينيها. قال وهو ينظر للشمس الغاربة: ــ أظن أنه حان وقت الرحيل. قالت: ــ إلى أين؟ قال: ـ سأذهب إلى بيتي. قالت: سأنتظر أنا سلمى. قال: ــ وهل سأراك غداً؟ قالت وقد بدا المرح في عينيها مرة أخرى: ــ بالطبع. قال: ــ اتفقنا؟ قالت وهي تنظر في عينيه لتتأكد: ــ آه. اتفقنا. * قاص مصري معروف