بيان (2) : * تحت عنوان (ابداعات عربية) (قصص) صدرت عن دار (أزمنة) للنشر ــ عمان: (نهار النرجس) ضمت سبع قصص للكاتب المقيم في هولندا جاسم المطير, وبمقدمة للناقد محمد الجزائري وبلوحة غلاف للفنانة عفيفة لعيبي المقيمة في لندن. بمئة وعشرين صفحة قطعا متوسطا, وبعناوين: نهار النرجس, ليلة في القطار النازل, عيان في الساحة المدورة, صورة فتاة اسمها دليلة, السقوط في الملاذ الأخير, الحفار والرزايا, في أعماق الشر. (جاسم المطير, ليس نهاية مطافه الابداعي, هذه القصص... فقد انتج نصه الابداعي ــ السردي منذ أوائل الخمسينيات, وخبأه في خابية تجاربه مثل نبيذ معتق. كان (السياسي) ازاح (الأدبي) في العمل السري, كفرض. الآن, بعد ان نال (السياسي) مأربه من (الابداعي), انتصر الثاني في خطاب السرد على الأول, وان تلون برذاذه. لقد نال (المطير) ما نال غيره من نار وحزوز في النفس والبدن, مثل رفاق الدرب الطيبين. الآن, يعيد صحوة روحه في الكتابة السردية, ويبقي, في الثنايا والطيات, خميرة تلك التجربة الثرة في الحقل الوطني العام, حتى وهو يكتب ــ أيضا ــ في اقتصاديات النفط أو يحاور. تبدو قصص (غريبة) في واقعيتها, ليست (حداثوية) بمقياس الذين ينظرون لنتاج (الغرب) قياسا ومقايسة, لكنها كذلك, حين نسبر غورها, متعالقة من (الجاحظية) الى (الليالي). وكنصوصنا (السردية) القديمة, منذ الارث الميثولوجي والنصوص الكبرى في ديانات وادي الرافدين, الملاحم والاساطير, الاقوال والامثال والتعازيم, التي دونت من الذاكرة الشفاهية الطقوسية ــ الاحتفالية, على الطين المحفور, أو على الحجر والرخام والمرمر في المسلات والنصب, وليس انتهاء (بالمقامات) و(الليالي) عبر حكايات الساردة العباسية (شهر زاد), بعد قصص (المعلقات) وابطالها الشعراء الذين وجدوا انفسهم في حياة النص, و(قصص الغرام) التي امتلأت بها قصائد العشاق, منذ عشتار سيدة الحب الاولى الى العذريين والصوفيين, حتى المتنبي عاشقاً وبطل نصه, جاسم المطير, لا يشرد ولا يتيه, ولا يخرج على ذلك الارث تكفيرا او ادهاشا او لعبا تجريبياً, بل يمتاح منه, ومن علوم عصره, وسرديات الواقع المعايش, مضافا الى المتخيل. ففي قصصه عامة, يعجن العلمي ــ الفلسفي ــ الفنتازي ــ الغرائبي ــ اللامعقول, بالواقعي, ليخرج بالمخيلة الى فضاء رؤى سردية, وأفضية حكمة, وتحريض وادانة, هي حصيلته وميزة اسلوبه.. بصراحته الجارحة, المرمزة احيانا, وذات البعد الاشراقي, الصوفي, مرات. انه يسمي الاشياء, دون مواربة.. واحيانا: يشير ويشفر. ولأنه (شعبي) ــ ليس بمعنى الفولكلوري التزييني, ولكن بمعنى رسالته كخطاب موجه, لتفعيل الفعل الاجتماعي, وتصعيد حمية شعبية, تصعيد حمية شعبه الذي يحب ويمجد, يكتب بهذا الروح, متماهيا مع تجليات ثقافته ومعارفه, وبنده الفلسفي, ممزوجا بالهم الانساني المشترك لأبناء شعبه, وليس بعيدا عن هموم القلب والوطن والعقل والصراع. بالرغم من الغربة المكانية التي اضطرته ظروفه الصحية ونشدان الحرية, لأن يكون وسط تضاداتها واشكالويتها في آن. لذا فهو يجلو ــ في القص ــ كوامن البشر, ومعادن الاخيار, يدين الظلم والظلام والعسف. ويدعم الخير والطيبة والعدل وحق الانسان في العيش الحر, الآمن, السعيد. وهكذا تماماً... تأتي هذه القصص ايضا... حيث تمنى ان تصدر في نهاية القرن العشرين, لكنها تصدر الآن في طليعة الالفية الثالثة. حاملة ذلك الوجع الذي تراكم منذ خمسينيات قرننا الماضي في العراق, ولا يزال. وهو أمر دفعته اليه ظروف النشر, بعد ان كان (ناشرا) اصبح كاتبا مغتربا يتعامل مع الناشرين على وفق حساباتهم الخاصة. وهذا ايضا, ما جعل روايته الاثيرة: (رسائل حب خليجية) تتأخر في الظهور, رغم انها (مطبوعة)! الكاتب, هنا, محض نفسه وارادته, وخياراته. ودائما يبقى. شرطة الحرية. ولكن الظرف القسري طالما يدفع السفين, احيانا, باتجاه مناف لضفاف آمنة, انها رياح الزمن العاتي, وتقلبات الانواء. المهم, والجوهري, ان الكاتب يظل ربان ابداعه, اينما حل, وكيفما كانت الانواء. وهذا ما يجعل لنصوص جاسم المطير, عذوبة ماء الشط, وملوحته, حين يلتقي البحر في الآن نفسه. انها جراحنا المفتوحة, مرشوشة بالملح! والكاتب, هنا, يضعها مصوغة سردية, تؤلم, لكنها تتنبأ بالتغيير الحتم, وان طال الألم, واستبد الظلم.