بيان (2): تعتبر القارة الأفريقية اكبر الحدائق المفتوحة والطبيعية في العالم, وتضم عددا كبيرا ومتنوعا من حيوانات العالم, ولكن القارة السمراء تعرضت في السنوات الأخيرة إلى عدّة أزمات أدت ، إلى فقدان أعداد وأنواع كثيرة من الحيوانات, بل إن العديد من حيوانات أفريقيا انضمت في الآونة الأخيرة إلى سجلات الحيوانات المهددة بالانقراض وأصبحت مرشحة لمغادرة دنيانا نهائيا, وتتحول إلى صور وذكريات في متاحف العالم المختلفة. والسبب الأساسي هو إن الإنسان الأفريقي لم يجد ما يأكله في ظل الحروب والمجاعات وموجات الجفاف إلا الحيوانات البرية بأنواعها المختلفة. تعتبر الحروب الأهلية والإقليمية على رأس الأسباب التي أدت إلى انخفاض وتدهور ثروة أفريقيا الحيوانية, فبالإضافة إلى أن الحروب تدفع القوات المتقاتلة سواء كانت حكومية أو متمردة, لقتل الحيوانات البرية لتأمين الغذاء, نجد إن المعارك الحربية الدائرة في الأحراش ووسط الغابات دفعت الحيوانات للهروب خارج أوطانها , بل أكد بعض العلماء الزائرين لمنطقة البحيرات العظمى والمراقبين لحالة الحياة البرية, إن أصوات المعارك الدائرة في المنطقة أثرت على القدرة الجنسية للعديد من الحيوانات, وان معدل انخفاض أعدادها لن يتوقف إلا بتوقف الحروب. الهروب من الحقل تسببت الحروب الأهلية المشتعلة في أرجاء القارة الأفريقية في هروب الناس من مزارعهم, بعد أن أصبحت هذه المزارع ساحة للعمليات العسكرية, كما أن زرع الألغام الأرضية في المساحات المخصصة لزراعة المحاصيل والخضروات حول المدن والقرى, جعل من المستحيل على العديد من السكان في مناطق النزاعات المسلحة, الخروج وممارسة أنشطتهم الزراعية, واصبح لزاما على هؤلاء الناس البحث عن مصدر آخر للرزق وإلا ماتوا جوعا, والفرص المتاحة لهم في وجود عمل ضئيلة للغاية, وهذه الفرص تنحصر في انضمامهم للميليشيات المسلحة لكي يضمنوا معاشهم أو الخروج للبرية واصطياد ما تقع عليه أيديهم من الحيوانات. ومن المعروف إن معظم الأفريقيين لا يعيشون في المدن الكبيرة, كما أن نحو 70% منهم يعتمدون على الزراعة في معاشهم. وقد ضربت الحروب الأهلية القارة السمراء من كل جوانبها, شرقا كانت الحرب الإريترية الأثيوبية , بالإضافة إلى الحرب الأهلية في الصومال, وغربا ما زالت الأزمة في سيراليون وليبيريا, وانضمت لهم في الفترة الأخيرة ساحل العاج, وفي جنوب القارة دخلت الحرب الانجولية عامها الرابع والثلاثين وما زالت تراوح الأزمة مكانها, أما الوسط وخاصة منطقة البحيرات العظمى فلا توجد دولة بعيدة عن نار الحروب الأهلية , وأكبرها الآن الحرب الأهلية في الكنجو وجنوب السودان, بالإضافة إلى رواندا وبوروندي وأوغندا , وتعتبر منطقة البحيرات العظمى من أغنى مناطق القارة الأفريقية بحياتها البرية ويقصدها السائحون من كل مكان, بقصد التمتع بحيواناتها البرية, وفي بيئتها الطبيعية, وليس في الأقفاص أو الحدائق المقفولة, ويعتبر كثير من المتخصصين في الحياة البرية إن وسط أفريقيا يعتبر بأكمله حديقة حيوان مفتوحة. وبالإضافة للحروب المشتعلة تعرضت القارة السمراء لموجات متكررة من الجفاف, والاضطرابات المناخية, خاصة ظاهرة النينو والتي كان لها اثر كبير في انخفاض إنتاج وسط القارة الزراعي, مما عرض العديد من دول القارة إلى شح في المواد الغذائية وصلت في بعض المناطق إلى مستوى المجاعة, حتى إن كينيا والتي كانت تعرف بوفرة إنتاجها الغذائي أعلنت في الأسابيع القليلة الماضية حاجتها الماسة للعون الغذائي. لحم الافيال وقد اقبل الأفارقة على أكل لحوم كل الحيوانات البرية خاصة في وسط القارة , حتى الحيوانات التي كانت لا تؤكل في السابق, فلحم الزراف يباع الآن في الأسواق في الكنغو وكذلك لحم الفيل, ويعلق بعض سكان منطقة قوما الكنغولية الحدودية ان الناس أقبلت على لحم الأفيال مع عدم جودته , نسبة لسعره المنخفض جدا إذ يبلغ سعر كيلوجرام من لحم الفيل نحو 10 سنتات أمريكية بينما يبلغ سعر لحم الأبقار نحو دولارين, والسبب الأساسي لهذا السعر المنخفض يعود إلى أن الأفيال تصاد لما هو أغلى من اللحم (العاج) ويترك الفيل بعد ذلك ميتا, ويجده بعض المواطنين ويأتون به للسوق. القرود أما القرود, تلك الحيوانات اللاهية دوما فان أكلها لا يعود لأسباب الحروب الأهلية السابق ذكرها, وقد تكون الحرب ضاعفت من الكميات التي يتم صيدها, ولكنها وجبة لذيذة درج سكان وسط أفريقيا على تناولها بانتظام, وقد تكون الأسباب الأمنية التي تمر بها منطقة البحيرات العظمى وأزمة الغذاء والعطالة قد زادت من عدد آكلي هذه الحيوانات اللطيفة, كما تقدّم العديد من المطاعم خاصة في كينيا التي تعتبر اكثر دول المنطقة استقبالا للسائحين الأوروبيين, لحم القرود والأفيال والزراف وغيرها من الحيوانات البرية التي لم يعتاد الناس على أكلها وكل ذلك لجذب الضيوف الأثرياء . والأكثر غرابة إن العديد من المطاعم في أوروبا يقدم لحم القرود خاصة لزوارها الأثرياء من منطقة البحيرات العظمى في محاولة إلى ترغيبهم, كما ان بعض هذه المطاعم الأوروبية يملكها أفارقة درجوا على أكل هذا النوع من الحيوانات. وقد ساعد على تضاعف الكميات التي يتم صيدها في البرية الأفريقية الكميات الكبيرة من الأسلحة المتطورة والتي اصبح وجودها في أيدي المواطنين أمرا غير لافت للنظر, وبعد أن كان الصيد يتم في السابق بالحراب والسهام والسكاكين, اصبح المواطنون العاديون يملكون الكلاشنكوف والأسلحة السريعة الأخرى , وبدلا من صيد حيوان أو اثنين من السرب المتحرك, يقوم السلاح الحديث بقتل السرب كله وفي لحظات قليلة . واكثر الحيوانات المهددة بالانقراض هي الغوريلا الجبلية إذ تبقى منها اقل من ,1000 ويأتي بعدها أنواع القرود الأخرى مثل الشمبانزي والبابون, كما تتعرض الأفيال ووحيد القرن والزراف وحمار الوحش إلى أزمة مشابهة . ولم ينج من هذه الأزمة إلا الطيور التي أنجاها الفضاء الفسيح .