بيان (2) : لا أدري لماذا لم أطمئن لشكله منذ أن وقف .. أحسست انه يكذب بالرغم أنه لم يكن لدي ما يثبت ذلك كما انني لا أعرفه أبدا, وهي المرة الأولى التي أشاهد فيها وجهه, قام على الفور بمجرد ان انتهى الإمام، من صلاة المغرب في يوم من أيام هذا الأسبوع يستعطف المصلين بمساعدته لإجراء عملية جراحية صعبة لأبيه خاصة انه صغير السن ولا يملك أي مبلغ من المال, ليس هذا فقط بل ان المنزل الذي يسكنون فيه اشتعل فيه حريق أتى على كل ما فيه. مسكين هذا الشاب وعلى رأي بعض الإخوان (ضربتين في الرأس توجع) احترق بيته وأبوه مريض بحاجة إلى عملية, وبلا شك استدر بهذا الكلام عطف عدد لا بأس به من المصلين الذين ابتغوا الأجر في هذه الليالي المباركة خاصة ونحن في العشر الأواخر من رمضان. وبعد يومين بالضبط من هذه الحادثة, قدر لي ان أصلي المغرب في مسجد آخر في منطقة أخرى, وكانت المفاجأة, إذا بالشاب نفسه بشحمه ولحمه (وكندورته) و (عصامته) يقف بعد الصلاة يطلب من المصلين المساعدة لأنه يتيم توفي والده منذ فترة طويلة ولا يوجد لديه معيل ويريد ان يكمل دراسته إلا ان ضيق اليد تمنعه من ذلك!! إذن صدقت أحاسيسي منذ البداية, فما هو إلا متسول كذاب يمتلك الصحة والعافية والشباب لكنه استسهل العمل في مهنة الشحاتة لأنها سهلة ومربحة, والله العالم عن عدد المساجد التي جابها خلال ليالي رمضان, وعدد المبالغ التي جمعها, دون وجه حق من الناس, بأكاذيب عن مرض أبيه ثم وفاته, واحتراق المنزل, وربما أكاذيب أخرى عن والدته واخوانه وأهل فريجهم بأكمله!! إنها القضية القديمة المتجددة في كل سنة, وتحديداً في ليالي رمضان خاصة العشر الأواخر منها, غزو حقيقي لكل المساجد والأسواق والأماكن العامة, أشكال وألوان من الشحاتين والشحاتات من كل الجنسيات يستخدمون أساليب مملة وكريهة, ينسجون القصص الحزينة التي تحتاج إلى مخرج جيد ليترجمها إلى فيلم هندي مليء بالأحزان والأهوال. وعلى الرغم من اقتناع البعض التام بالكذب الواضح الذي يسوقه أولئك المتسولون إلا انهم يساهمون بصورة مباشرة في تشجيعهم على التسول وانتشار هذه الظاهرة من خلال المساعدات التي يقدمونها لهم بحجة الأجر والثواب و (دفع البلاء) لا أحد يعارض مساعدة المحتاج, ولا أحد ضد مبدأ اعطاء الفقير ولكن جميعنا ضد التسول اللاأخلاقي وامتهانه مهنة يومية لأخذ أموال الناس دون وجه حق, من يريد التصدق والمساعدة فأبواب الخير مفتوحة على مصراعيها, وهناك أعداد لا حصر لها من الفقراء والمحتاجين داخل وخارج الدولة ممن تجوز عليهم الصدقة, ويستحقونها فعليا, أما هؤلاء المدعون الكاذبون فإن الحبس والإبعاد هو خير جزاء لهم على كذبهم وافترائهم. وقبل ان نلقي باللوم الكلي على الناس, لابد من توجيه لوم أكبر إلى الجهات المعنية التي لم تستطع حتى يومنا هذا السيطرة والقضاء على هذه الظاهرة المتزايدة بشكل مقزز خلال هذه الأيام , أين هم المفتشون؟ وكيف سمح لهذه الفئات ان تدخل البلاد أصلاً؟ وكيف يمارس واحد مثل صاحبنا الذي قتل أباه في يومين مهام التسول بحرية تامة وفي مختلف المساجد دون ان يصادفه أحد يسأله ويحاسبه؟