بيان (2) : البعض يقول إن ديفيد كوليفن الذي يدرس علم الغابات قد أغرق نفسه في الأوهام والتخيلات, فيما يعتبر آخرون انه يعاني من حالة مرضية. وكان كوليفن يعرف ان شهادته ستظهره بمظهر الغبي, ومع ذلك قدم ، شهادته على كل حال. انه يصر على انه رأى نقار الخشب العاجي المعتبر من أروع الطيور التي عرفها الإنسان ــ والذي يسود الاعتقاد انه قد انقرض منذ عشرات السنين. وقال كوليفن الذي يدرس في جامعة لويزيانا الحكومية: (لقد أجري تحقيق واسع النطاق وأنا مسرور لذلك لأنني أيضاً أشك بمثل هذه الأمور, ولا أنظر بخفة الى مسألة الرؤية, وخاصة إذا كانت رؤية ذي المنقار العاجي. ولو لم أكن واثقاً مما شاهدته ثقة مطلقة لما فتحت فمي). حديث كوليفن, الذي أحيط بالكتمان في البداية أثار ضجة كبيرة في صفوف هواة وعلماء الطيور الذي يحفظون (لوائح حياتية) بأسماء الطيور التي يشاهدونها في أماكن قريبة وبعيدة, وأحيانا في عدة قارات. ويحتل منقار الخشب ذو المنقار العاجي الذي يتميز بخطوط بيضاء رشيقة على ظهره وريشه الأسود ومنقاره الأبيض ــ العاجي ــ والعرف الأحمر والريشة الحمراء المقوسة على رأس الذكر ــ رأس اللائحة عند العديد من هؤلاء الخبراء. يقول ستيف شايفلي, المسئول في دائرة الحياة البرية ومصائد الأسماك في لويزيانا إن هذا المنقار هو الكنز الضائع في ميدان دراسة الطيور, وقد تلقى رسالة بالبريد الالكتروني من أحدهم يقول فيها انه لا يصدق ان كوليفن شاهد نقاراً من هذا النوع ويعتبره متوهماً, ولكن إذا كان العصفور المذكور موجوداً فإنه مستعد لمبادلته مع كل الطيور المدرجة في (لائحة الحياة) عنده. ويضيف شايفلي انه اذا تأكدت مشاهدة كوليفن فإن عشرات الآلاف من الهواة وخبراء الطيور في الولايات المتحدة بل والعالم سيتدفقون على المستنقعات والغابات الكثيفة الخطرة التي تتشكل منها محمية بيرل ريفر للحياة البرية على بعد 30 ميلا شمال نيو أورليانز. ولذلك ربما يستوجب علينا القيام بعمل ما, ربما بشكل وضع امدادات من الحراس هناك للحد من عدد الأشخاص الذي يسمح بدخولهم الى المنطقة في كل مرة. ولقد اقتنع كبار وعلماء الطيور الذين استجوبوا كوليفن بالتفاصيل التي قدمها واعتبروها كافية للموافقة على الانضمام الى عدة رحلات قام بها الى مستنقعات بيرل ريفر لاحقاً. ويقول فيرنون رايت الأستاذ في جامعة لويزيانا ان كوليفن لديه إلمام بأطوار نقار الخشب عاجي المنقار يفوق كثيراً الوصف البسيط الذي يمكن ان يحصل عليه من الصور المنشورة في كتب الطيور, وانني اعرف ديفيد منذ أيام الدراسة وهو صاحب ضمير حقيقي حي ولا يمكن ان يختلق قصة من هذا النوع. وعلى ذلك يضيف فان رمسن استاذ علم الطيور في جامعة لويزيانا: انني اتلقى اخبارا عن مشاهدة نقار الخشب ذي المنقار العاجي كل سنة, وهذا الأخير قد اثار اهتمامي لأن ما رواه كوليفن تضمن كثيراً من التفاصيل التي لا تتضمنها التخيلات. وقد حذرته بأننا سنعامله كما نعامل الذين يدعون مشاهدة الصحون الطائرة أو ذي القدم الكبيرة (انسان البراري). وقد اطلقت عليه كل كلابي الهجومية وخرجنا مقتنعين بما قاله. وقال رمسن ان تأكيد مشاهدة نقار الخشب ذي المنقار العاجي سيصبح حدثاً كبيراً ليس لهواة مراقبة الطيور فحسب بل بين علماء الطبيعة الأمريكيين عامة. وأضاف رمسن: ان تأكيد الاكتشافات يمثل الغابات البدائية الأولية في أمريكا ــ كنوع من تراثنا الضائع من الغابات العذراء في المناطق الجنوبية الشرقية من الولايات المتحدة. ولا يعتبر كوليفن نفسه مراقب طيور, ويقول انه في اليوم الذي يصر انه شاهد فيه ذا المنقار العاجي ــ أول ابريل 1999(ويشدد ان هذه ليست كذبة ابريل) ــ كان يصطاد الديك الرومي البري. وكان يرتدي ثياب الصيد المموهة ويختبىء وراء بعض الشجيرات بانتظار طريدة من الديك الرومي, وفجأة حط زوج من نقار الخشب العاجي على أغصان شجرة سنديان الماء على بعد 25 متراً منه. ويعتقد البعض ان ما شاهده كوليفن هو زوج من نقار الخشب العادي الذي يكثر في المنطقة وهو من نفس حجم النقار ذي المنقار العاجي. والنوعان متشابهان الى درجة ان عدة اخبار عن مشاهدة كاذبة لذي المنقار العاجي ترد من اشخاص كل سنة, وبعد استجوابهم بدقة يتبين بما لا يرقى اليه شك بأن ما شاهدوه هو النقار العادي. كوليفن, الذي حبس انفاسه وجلس دون ان يحرك ساكنا. يشير الى علامات فارقة هي بالنسبة اليه ما يؤكد ان ما شاهده هو نقار الخشب ذي المنقار العاجي. وقال كوليفن ان الأنثى كان لها عرف أسود, كما يفترض بأنثى المنقار العاجي, في حين ان عرف النقار العادي لونه أحمر. و كون ان الذكر والأنثى معاً اعتبر دليلاً آخر, لأن أزواج النقار ذي المنقار العاجي يلازمان بعضهما بعضاً في موسم التناسل بعكس أزواج النقار العادي بصورة عامة. ثم ان هناك المنقار عاجي اللون, والنداء المختلف تماماً عن نداء نقار الخشب العادي. ويقول كوليفن ان النقار الذي شاهده لم يستعمل منقاره ليخترق لحاء الشجرة بضربات سريعة متتالية مثل قرع الطبول ــ كما يفعل النقار العادي ــ بل كان يضرب ضربتين سريعتين في كل مرة, كما هو معروف عن ذي المنقار العاجي. ويضيف: لم يسبق لي ان شاهدت شيئاً من هذا النوع, وقد ترك انطباعاً متميزاً جداً عليّ. ورغم انقضاء أكثر من سنة على ذلك اليوم يقول الذين يصدقون اقوال كوليفن انه ينبغي اجراء استكشاف أوسع نطاقاً بكثير في المحمية الشاسعة قبل ان يصدروا قرارهم حول ما اذا كان يقوله مستبعداً. والبعثات الى المستنقع تعطي أكثر النتائج فعالية في منتصف فصل الشتاء أو مطلع الربيع. أما الصيف فإنه يجلب معه أحوالاً لا تطاق, كارتفاع درجات الحرارة والرطوبة والخضار الكثيف الذي يحول دون رؤية الأخطار التي ينطوي عليها عبور المستنقعات. وعن ذلك يقول ديفيد موث, المسئول في مصلحة الحدائق والمحميات الوطنية في نيو أورليانز: في الصيف تنشغل بعضات البعوض وشبكات العناكب والاحتراس من الأفاعي السامة, ونظاراتك تغبش باستمرار والرحلة هناك ليست تجربة ممتعة دائماً. إن موث هو من بين أولئك الذين يريدون ان يصدقوا ان نقار الخشب ذا المنقار العاجي لا يزال موجوداً ولم ينقرض, إلا أنه يجد صعوبة في التفاؤل لأنه لم يعد ممكناً العثور على الكثير من الأدلة البيئية على وجود الأشياء التي يحتاج إليها هذا العصفور في أماكن عيشه في أمريكا. وعلى سبيل المثال يقتات هذا الطير على الخنافس المعششة في المادة الخشبية المعمرة الميتة حديثاً تحت اللحاء. ولقد أثر قطع الأشجار في المنطقة طيلة القرن الماضي على معظم المساحة التي تتشكل منها المحمية حالياً ولم يترك سوى القليل من البيئة التي تلزم لبقاء الطير, كما يقول موث. ويضيف موث: لا أعتقد ان كوليفن اختلق الرواية, أو ان شيئا قذراً يجري وأوافق على الرأي القائل بأن الخبر الذي جاء به هو الأكثر صدقية منذ وقت طويل. ولكن في حين ان غابة بيرل ريفر هي غابة رائعة وواحدة من العدد القليل من الغابات المائية في الجنوب الشرقي من البلاد, فالحقيقة هي ان تاريخ الغابة غير مشجع كثيراً. ويستطرد موث: مرت أوقات حدث فيها تجريد هائل لمساحات واسعة من الأشجار, ولا يبدو لي ان عمر الغابة ليس كبيراً الى حد الابقاء على نقار الخشب ذي المنقار العاجي. هاوي مراقبة الطيور وعالم الفيزياء في جامعة تولين دان برينجتون شارك في العديد من الرحلات الى غابة بيرل ريفر منذ ان روى كوليفن قصته, إلا انه لم يكن يأمل بالكثير. يقول برينجتون: لدي صديق عنده نظرية, وهي انه فيما كان كوليفن جالساً بالقرب من احدى الأشجار غط في النوم ورأى حلماً عن النقار ذي المنقار العاجي. ولا يخطر ببالي أي شيء أكثر اثارة من العثور على نقار ذي منقار عاجي في جنوب شرقي لويزيانا, ولكن بما أنني اعتبر ان الأمر غير ممكن فأكثر ما أستطيع ان افترضه انه خطأ غير مقصود. أما كوليفن, فيصر على انه لم يساوره شك بنفسه البتة, ولا يتوجب عليه ان يرى الطير مرة اخرى ليتأكد مما شاهده أصلاً. ويضيف: لا أشعر بحاجة الى أن ألقى دعماً لشخصي. ولكن أود ان يرى شخص آخر, سواء أنا أم غيري, الطير مرة اخرى.