بيان (2) : يشعر عالم العصور الجيولوجية القديمة في جامعة شيكاغو بول سيرنيو ان الوقت قد حان لكي يترك حضارة المدن خلف ظهره ويذهب للبحث عن الديناصورات وفي وقت، لاحق سوف يقوم سيرنيو بالتنقيب عن اثار الديناصورات المتحجرة في صحراء التناري بالنيجر وهي منطقة شاسعة من البراري القاحلة والنائية جدا لدرجة ان علماء الجغرافيا يعتبرونها صحراء في داخل صحراء. وتمتد من الحدود الجزائرية الى قلب الصحراء الكبرى. وللوصول الى هناك يعتزم سيرنيو وفريقه شق طريقهم عبر الكثبان الرملية في شاحنات الدفع بأربع عجلات مستخدمين اجهزة التحديد الارضي المتصلة بالاقمار الصناعية ويحملون معهم مواردهم المائية. وهذه الارض صلبة والديناصورات الموجودة فيها متحللة بدرجة كبيرة لكن سيرنيو يأمل بالعثور على مكتشفات غريبة كالديناصورات الثلاثة التي نقب عنها في النيجر في المرة الماضية ويعتقد انه سيحصل عليها في هذه المرة دون متاعب كثيرة. وسيرنيو ليس العالم الوحيد الذي يبحث عن الديناصورات فمن امريكا الجنوبية حتى مدغشقر ينقب صيادو الديناصورات عن هذه المخلوقات العملاقة من العصر الطباشيري وهي الثالثة والاخيرة من عصر الديناصورات قبل ما يتراوح بين 144 الى 65 مليون عام. وتلك المخلوقات مختلفة بدرجة عجيبة عن الديناصورات العادية وهي تعطينا فكرة اوضح عما كان عليه العالم مع قرب انتهاء عصر الديناصورات. وتلك الديناصورات لم تكن من النوع الكلاسيكي بل كانت مخلوقات اقليمية نادرة ومنحصرة في زاوية صغيرة في النصف الشمالي من الكرة الارضية. ويبدو كأن علماء الحيوان في هذه الايام ركزوا على القارة الاسترالية واستنتجوا ان حيوانات الكنجارو والكوالا هي الاشكال السائدة من الحياة البشرية على الارض. واذا قرأنا احد كتب الاطفال عن الديناصورات فاننا سنجد ثلاث وجهات نظر عنها تضاهي الاجزاء الثلاثة الكبرى من عصر الديناصورات. وجاء في البداية العصر الترياسي بديناصوراته البدائية كالبلانتيصورات والدايمترودون ذات الظهر الشراعي والاسنان المرتبة في صفوف وهي اقرب للزواحف الشبيهة بالثدييات منها للديناصورات ثم جاء العصر الجوراسي بوحوشه المألوفة كالصربورات وهي مرتبة من الديناصورات تمتاز بحجمها العملاق ورقبتها الطويلة كالدبلودوكص والاباطوصورص والبلاكبو صورص وآكلة الحشائش ذات الظهر المصفح كالستجوصورص والديناصورات المفترسة التي يبلغ طولها 12 مترا كالالوصورص. واخيرا العصر الطباشيري وهي ذروة حقبة تاريخية ومأوى لأيقونات العصر من الديناصورات امثال ملك التيرانوصورات والديناصورات المقتاتة على الاعشاب والفيلوجيبتر ذي المخالب المنجلية والانكلوصورص ذي الذيل العصوي والهادروصور ذات المنقار الشبيه بمنقار البط. لكن هذه المخلوقات القديمة قد تتنحى قريبا جانبا, فحسب ما يقول الباحثون امثال سيرنيو فان المقياس المعياري للديناصورات في العصر الطباشيري قد تكون محلية كثيرا ومرتكزة بالكامل على الديناصورات المكتشفة في امريكا الشمالية ومنجوليا وبعض مناطق النصف الشمالي من الكرة الارضية خلال السنوات العشر الماضية. وقد قام سيرنيو وبعض الباحثين امثاله عمليا بايجاد ارضية جديدة في ارجاء القارات الجنوبية بحثا عن الديناصورات المفقودة هناك. وبفضل جهودهم اصبح بامكان علماء العصور القديمة عمل تصميمات عن المناطق الاقل استكشافا وكانت بعض استنتاجاتهم مذهلة. ولسبب ما فإن القطب الجنوبي يبدو كأنه ارض العمالقة فافريقيا على سبيل المثال كانت مأوى لحيوانات ضارية اضخم من الديناصور الملك اما الارجنتين فقد كان لديها نوعان او ثلاثة من الكائنات الاضخم من ذلك وكانت فرائسها من الحجم العملاقي بحق وأحد الصوروبودات التي عثر على بقاياها هناك كانت اضخم حيوان بري على اليابسة على الاطلاق. ومن ناحية اخرى كان الجنوب خلفية ثورية منعزلة وفي حين ان الحياة في النصف الشمالي من الكرة الارضية تفجرت الى اعداد هائلة من الاشكال فإن الحياة في القارات الجنوبية تهادت بصورة طبيعية. ويشير الباحثون في متحف العصور القديمة بكندا الى حدوث امر غير طبيعي في الشمال في بداية العصر الطباشيري بينما سارت الامور بصورة تدريجية في النصف الجنوبي من الارض. وكانت الديناصورات هناك اكثر تعقيدا في تركيبها لكنها كانت بصورة اساسية امتدادا للعصر الجوراسي, فالديناصورات التي اكتشفت في النيجر عام 1997 كانت غير طبيعية لدرجة ان العلماء احتاجوا لعامين لتصنيفها. وفي البداية كان هناك ساتشوميموس وهو كائن متوحش له فك شبيه بفك التمساح وظهر كالشراع وجاب انهر غرب افريقيا قبل مئة مليون عام, ثم كان هناك جوباريا وهو كائن بدائي عملاق له رقبة طويلة وكان بمثابة متحجرة حية عندما جاب السنجاب قبل 135 مليون عام وذلك لأن شكله كان اقرب للمخلوقات التي عاشت قبل ذلك بأربعين مليون عام. وآخر هذه الكائنات هو النيجير صورص وهو مقتات عشبي مبهم الشكل له رأس شبيه بالمجراف ومئات الاسنان الغريبة وشعر الباحثون وكأنهم اكتشفوا عالما مفقودا في وسط الصحراء الشاسعة. وفي معظم عصر الديناصورات كانت الارض كتلة واحدة ملتصقة معا في قارة واحدة شاسعة تدعى (بانجيا). وانتشرت الحيوانات التي تطورت في احد اجزاء القارة السوبر بسرعة كبيرة في الاجزاء الاخرى. وعلى سبيل المثال فإن عظام الديناصور المفترس الألو صورص عثر عليها في ارجاء العالم بدءا من الولايات المتحدة وانتهاء بالبرتغال ومن استراليا الى تنزانيا. الانفصال الجوارسي ولكن خلال اواخر العصر الجوارسي بدأ العالم يتغير. وادى الانجراف القاري بحلول مطلع العصر الجوارسي قبل ( 40 مليون عام) الى انقسام القارة العظمى الى قارتين الاولى الى الشمال وتدعى لورسيا (امريكا الشمالية واوروبا الان) والثانية الى الجنوب وتدعى جوندوانا (امريكا الجنوبية وافريقيا, مدغشقر الهند, استراليا, والقطب الجنوبي) واستمر الانجراف طوال العصر الطبشوري فانقسمت لوراسيا الى جزءين بينما انقسمت جوندوانا الى كتل صغيرة, وهذا الانجراف حرم الديناصورات من التجول بحرية في ارجاء العالم. وهذا يعني ان انواعا مختلفة من الحيوانات تطورت بصورة مستقلة في مناطق مختلفة من العالم وأبرزها بين لوراسيا وجوندوانا. ولطالما اعترف علماء العصور القديمة بأن هذه هي الحقيقة ولكن لم يكن لديهم ادلة تدعم اقوالهم. وكان معظم صائدي المتحجرات مقتنعين بتركيز عمليات بحثهم على رواسب العصر الطباشيري الثرية بالمتحجرات في شرق اسيا وغرب امريكا الشمالية في هذه الايام. ولم يهتم الا القليل بالتنقيب في النصف الجنوبي من الكرة الارضية. وفي غضون السنوات العشر الماضية تركزت مناطق اشهر خمسة ديناصورات في هذه الحقبة في دول لوراسيا (الولايات المتحدة ومنغوليا والصين وكندا وبريطانيا. وبدأت مراجعة حيوانات هذه الحقبة في عام 1985 عندما اكتشف العالم الارجنتيني جوز بونابرت نوعين لاحمين وجديدين من الديناصورات بتاجونيا احدهما من العصر الطباشيري وكان عينة رائعة عبارة عن هيكل عظمي كامل ومحفوظ جيدا لدرجة ان جلده ترك اثارا على الصخور المحيطة به ويعود تاريخه الى العصر الطباشيري المتوسط قبل مئة مليون عام. ولم يكن مع ذلك يشبه اي حيوان مكتشف عن تلك الحقبة التاريخية فقد كانت لديه قرون فوق عينيه وهذا يعني انه ثور لاحم ويوحي شكل دماغه انه ديناصور بدائي مفترس بصورة غير مألوفة. ويدعى النوع الآخر ابليصور ولم يكن مكتمل الاجزاء ولكن كان مشابها بصورة واضحة لديناصورات العصر الطباشيري على الرغم من اعتباره نوعا جديدا تماما من الديناصورات. واستنتج العلماء من هذه المكتشفات ان ثمة مجموعة غير معروفة من الضواري التي لديها قدمان كالانسان كانت تجوب الارجنتين في الوقت الذي كان فيه الديناصور الملك مهيمنا على النصف الشمالي من الكرة الارضية. جبابرة الجنوب في غضون ذلك استمرت بتاجونيا بطرح الوحوش المبهمة. ففي عام 1991 اكتشف بونابرت الديناصور وهو صربود عشبي طويل الرقبة ويبلغ طوله نحو 24 مترا. وبعد عامين اكتشف نوعا اخر من الديناصورات وتشير بقاياه المتناثرة ان طوله بلغ 45 مترا ووزنه نحو مئة طن مما اعتبر اضخم حيوان مشى على سطح الارض. واطلق عليه مع فريقه اسم ارجنتينو صورص (نسبة الى الارجنتين). كما عثر العالم دودالفوكوريا الذي يعمل مع بونابرت نوعا رائعا من الديناصورات. ففي عام 1995 اكتشف ديناصورا من النوع اللاحم لفت انتباه العالم الى ديناصورات بتاجونيا. وبدا شبيها بالديناصور ريكس (الملك) لكنه كان اضخم منه حجما واطلق عليه العلماء اسم جيجانتورحورص وبلغ طوله 14 مترا ووزنه 8 اطنان. وكان العالم يظن قبل ذلك ان الديناصور الملك هو اضخم حيوان مفترس على وجه الارض. وبرغم ضخامة حجمه فإن جيجانتو صورص كان لا يضاهي الديناصور الملك في ناحية واحدة وهو حجم دماغه الذي يضاهي نصف حجم دماغ الاخير, وفي مارس الماضي اعلن العلماء اكتشاف ديناصور لاحم اخر اكبر منه حجما برغم انه ينتمي الى فصيلته. وبدت الديناصورات الاخرى المعروفة مخلوقات قزمة بالمقارنة به. وهذه الاكتشافات بأكملها ادت الى استنتاجات غريبة, وهي ان ديناصورات العصر الطباشيري في امريكا الجنوبية كانت اكبر حجما واكثر بدائية وبلاهة من نظيراتها المعاصرة في النصف الشمالي من الكرة الارضية. واكثر الكائنات المقتاتة على العشب وفرة كانت من الصربودات الطويلة الرقبة. وقد انقرضت في معظم انحاء لوراسيا في بداية العصر الطباشيري تقريبا. اما اكثر الديناصورات اللاحمة وفرة فيبدو انها ازدهرت في مناطق منعزلة في القارة الجنوبية واختفت في الشمال. ويقول العلماء ان هذه الديناصورات تمثل الديناصورات البدائية التي توزعت على نطاق واسع في ارجاء الكرة الارضية خلال العصر الجوراسي لكنها عاشت 50 مليون عام آخر في العصر الطباشيري في امريكا الجنوبية قبل ان تنقرض. والعديد من الأنماط المكتشفة في بتاجونيا تكرر وجودها في أماكن أخرى كالهند ومدغشقر وأفريقيا وكان الصربود أكثرها شيوعاً خاصة في القارة السوداء التي كان لديها علاوة على الديناصورات الجبابرة مجموعتين آخريين من الصربورات اكتشفا في النيجر أحدهما يدعى جوباريا, وهو بمثابة المتحجرة العشبية الحية, والثاني النيجرصورص ذو الرأس المخيف الشبيه بالمجرفة. وعلى الرغم من انحداره من ديناصور الدبلودوكس الذي الذي كان يعيش في مجموعات في العصر الجوراسي, إلا ان شكله كان مختلفاً تماماً, فهو أصغر الصربورات حجماً بحسب السجلات المتوفرة ولا يزيد طوله على 15 متراً وفمه مرصع بصفوف عدة من الأسنان التي يصل عددها إلى نحو 600 سن للفرد الواحد. فكا التمساح واستمرت المزيد من الاكتشافات تطفو على السطح, ففي عام 1997 عثر سيرنيو على ديناصور آخر في النيجر له فكّان شبيهان بفكي التمساح وأطلق عليه اسم سوتشوميموس وكان أكثر الضواري في ذلك الوقت شيوعاً وينتمي إلى سلالة من الديناصورات تدعى الترفوصوريد وبلغ طوله 11 متراً وكان له أسنان مصفوفة لنهش الأسماك. وفي عام 1998 عثر عالم آخر على مخلوق مشابه في المغرب, وقبل ذلك بثلاث سنوات عثر العلماء في منطقة كيم كيم بالمغرب أيضا على نوع من الديناصورات سموه عداء الدلتا وامتاز بحركاته الرشيقة وبراعته بصيد فرائسه. أما النور الآخر فسمي بالعظاءة ذات أسنان القرش وكان يمت بصلة قربى لعمالقة الديناصورات في أمريكا الجنوبية وزاد طوله على 14 متراً ووزنه على 8 أطنان وكان يتقافز على رؤوس أصابعه. أصداء لورسيانو ولكن ضمن هذه الأنماط الواسعة من الديناصورات كانت ثمة خيوط شاردة فديناصورات استراليا والقطب الجنوبي بدت أشبه بتلك التي عثر عليها في لوراسيا, ففي عام 1988 على سبيل المثال عثر على سن غامض لديناصور فقاري في رواسب العصر الطباشيري في القطب الجنوبي وكان أشبه بأسنان ديناصورات النصف الشمالي من الكرة الأرضية, كما بدأت حيوانات جوندوانا تظهر في لوراسيا, فديناصور ساتشوليموز مثلا كان له قريب حميم يدعى باريونيكس واكتشف في صخور العصر الطباشيري المبكر على الساحل الجنوبي في انجلترا. كما اكتشفت ديناصورات جبابرة في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية ومنغوليا, واحتار العلماء في تعليل وصول هذه الديناصورات إلى هناك وأحد التفسيرات المرجحة هو وجود معايير برية طبيعية كانت تتشكل من حين لآخر نتيجة للتغيرات في مستوى سطح البحر مما كان يعيد توحيد القارات المنفصلة بين الشمال والجنوب بشكل مؤقت يتيح هجرة الكائنات بصورة متبادلة وأحد الاحتمالات الأخرى تشير إلى ان السجلات الأحفورية لم تكن جيدة بدرجة كافية لإعطاء صورة كاملة عن الكائنات القديمة. ومهما يكن السبب فإن سيرانو وزملاءه من المستكشفين آمنوا بأن متحجرات جوندوانا سوف تستثمر بطرح المزيد من المفاجآت وان ما سيتم اكتشافه سيزيد من تهميش الديناصور الملك والديناصورات ثلاثية القرون (وهي أضخم الديناصورات القرنية التي اكتشفت في لورانسيانا) ويقول العلماء ان ديناصورات النصف الجنوبي من الكرة الأرضية هي السلسلة الرئيسية التي يرتكز عليها تاريخ الديناصورات على الرغم من ان ديناصورات أمريكا الشمالية وأوراسيا هي كائنات متوطنة هناك بصورة غير عادية.