بيان (2) : اعترف بأنني شعرت بالقلق (قليلا) قبل ان ابدأ الكتابة عن مسلسل (وجه القمر). ولأنني بالفعل.. ابوح دائما بأعماقي على الورق.. لا انكر ان النص والتمثيل والاخراج والتصوير والديكور.. استفز حبي الشديد لسيدة الشاشة (فاتن حمامة) وانا اراها ترسب في الامتحان, وتسقط في فخ (السيناريو المتواضع جدا) والآداء الباهت.. والاخراج الساذج. وتعجبت كثيرا من الضجة التي سبقت عرض العمل على الشاشات الفضائية, وهي بالفعل ساعدت في ان يحصد المسلسل اكبر رصيد مالي لدراما قدمت في رمضان خلال السنوات الماضية.. ولم ننكر على فنانة لها قدرات (فاتن حمامة) وتاريخها الطويل والمشرف ان تشترط اجرا وقيمته 45 الف جنيه مصري عن الحلقة الواحدة, بما يعني انها تقاضت مليونا ونصف المليون عن اجمالي الحلقات.. وهو رقم لم يصل اليه اي ممثل في تاريخ الدراما التلفزيونية. ومع عرض المسلسل في حلقاته الاولى.. اصبنا جميعا بخيبة امل.. ورغم ما اثير وقتها من انتقادات واتهامات .. الا انني فضلت تأجيل حكمي على العمل حتى ينتهي كاملا وحتى يكون نقدا موضوعيا ولا تعتبره (سيدة الشاشة) اساءة متعمدة. ولأنه ليس هناك اي فنان فوق مستوى النقد.. فمن حقنا التأكيد لـ (فاتن حمامة) ان الفنان مهما علا شأنه.. يظل دائما قابلا للوقوع في الخطأ.. ولا اريد ان ادافع هنا عن حق المشاهد وعقله, بل اذكرها.. بأن العمر الزمني بين (وجه القمر) ومسلسل (ضمير ابله حكمت) قارب على العشر سنوات.. ومن حقها بعد هذه الغيبة ان تبحث عن عمل يعيدها الى الناس ويكرس الصورة التي من خلالها اثرت الحياة الفنية العربية. الجميع بلا شك كانوا يتوقعون مسلسلا ضخما يتناسب مع اسم فاتن حمامة وحجم الدعاية الرهيبة التي سبقت عرضه.. ولكن خاب الظن.. وزادت الانتقادات.. (وليتها ما عادت مع مسلسل بهذا المستوى المتواضع الذي لا يليق بتاريخها الطويل). ولأنه.. ليس هناك فنان استطاع ان يحتفظ بنفس مستوى التألق والنجاح والتوهج عبر جميع اعماله.. فانني اتساءل.. ما الذي كانت تريد مؤلفة المسلسل ان تقوله؟ وهل استطاعت فاتن حمامة ان تجسد شخصية (ابتسام البستاني)؟ وهل نجح المخرج في بلورة ما يريد ان يقدمه العمل؟ من الواضح جدا ان الحقيقة الغائبة والتي ظهرت فجأة بعد فترة اختفاء 25 عاما.. تركت بصماتها على جميع من في المسلسل ماعدا بطلته (ابتسام البستاني) التي اكتست مشاهدها ببرود عجيب وغريب صدرته الى الاخرين فوضح ذلك جليا في ايقاع المسلسل.. وحركة الممثل.. ووضح تماما عجز مؤلفة العمل عن تحريك الاحداث بجمل مثيرة وقوية.. بل ان مشاهد (مصطفى قورة) العائد من الموت.. مع زوجته ابتسام التي يحاول استردادها.. كانت عبارة عن جمل حوارية مكررة.. مثل (انت عايزة ايه يا ابتسام.. انت ساكته ليه يا ابتسام.. انت تغيرتي ليه يا ابتسام). بل ان الحدث الدرامي المثير ـ خلاف عودة الزوج ـ هو موت هذا الزوج لتنتهي احداث المسلسل.. وما عدا ذلك مجرد مشاهد متداخلة.. روابطها هشة وضعيفة.. فهناك قصة المطرب الصاعد على اكتاف زوجة متسلطة يرفض سطوتها وغيرتها.. وقد فشل (وائل نور) في تجسيده لهذا الدور.. وشكل ثنائيا استفزازيا مع زوجته (مادلين طبر) التي تبارت في اظهار مفاتنها الجسدية امام مفاتنها التمثيلية. وهناك قصة السيدة الفقيرة التي تتحول الى قعيدة كرسي متحرك نتيجة حادث تشاهد تفاصيله (ابتسام البستاني) ولا تتردد امام كل الضغوط في الشهادة من اجل الحقيقة.. ولا تكتفي بذلك بل تنشئ محلا لبيع الزهور بمساعدة ابنها.. للوقوف بجانب هذه السيدة لاعاشة ابنائها الثلاثة.. وتبقى هذه القصة في المسلسل.. عارضا ليس له دخل باحداث العمل. ومع الحقائق المتوالية في اكتشاف (ابتسام) لخطيب ابنتها النصاب والذي يتاجر في الآثار المسروقة.. وزوجها كريم الذي بنى ثروته من تجارة السلاح.. وزوجها العائد من الموت والذي فضل الهروب مع عشيقته ولم يفكر في العودة الا عندما داهمه مرض السرطان. وحتى عندما سافرت الى لبنان لتتعرف على (وجه القمر) ـ اقصد ـ (وجه الحقيقة) من صديق الزوجين في مرحلة الشباب.. عادت وهي مقتنعة ان (وجه القمر) اعني (وجه الحقيقة) يراها كل من الزوجين على حسب منظوره ورؤيته. وبقى الجزء الخاص بعمل (ابتسام البستاني) كمذيعة في التلفزيون والذي من المفروض ان يكون اكثر تأثيرا وقوة.. لكنه للاسف بقي ضعيفا في صورته التسجيلية.. خصوصا عندما طرح بعض المشاكل مثل (اطفال الشوارع), (المجاعات), (الانتفاضة في القدس المحتلة). واذا تركنا الشخصيات جانبا.. يعبث بها قلم المؤلفة في (تحبيشة) مشاهد مهلهلة او كادرات المخرج اللاهثة وراء لا شيء.. فاننا لا يمكن ان نتجاوز الوقائع والاحداث في المسلسل والتي حكمها قانون الصدفة وما اكثرها.. ولكن اشدها (فانتازيا).. مشهد لقاء الاب والابنة (صدفة) في مصعد عمارة بعد ربع قرن.. ومشهد مصرع (ابو وليد) اللبناني في احدى مواجهات الانتفاضة الفلسطينية في اللحظة التي كان (مصطفى قورة) يحاول الاتصال به.. فيلقاه (صدفة) مرفوعا على ايدي المشيعين على شاشة التلفزيون. وبين نبرة الهجوم وتزايد الانتقادات تردد ان (فاتن حمامة) نفسها طلبت عدم اذاعة المسلسل بعد ان شاهدت حلقاته الاولى في المونتاج, ولكن طلبها قوبل بالرفض بعد ان قام اتحاد الاذاعة والتلفزيون المصري بتسويق المسلسل والتعاقد عليه قبل اسابيع من شهر رمضان مع عدد كبير من المحطات والفضائيات العربية. بل ان مؤلفة المسلسل (ماجدة خير الله) حاولت ان تتبرأ منه عندما ذكرت ان مخرجه حذف اكثر من 100 مشهد من السيناريو الاصلي الذي كتبته مما اخل بالسياق والتتابع الدرامي.. وقد تقدمت بمذكرة الى المسئول بهذا المعنى.. وطالبت بعدم عرضه لكن احدا لم يستجب لطلبها. والملاحظ ايضا ان مخرج المسلسل (عادل الاعصر) قد بالغ في استخدام (الفلاتر) في المشاهد الخاصة بفاتن حمامة حتى يخفي تجاعيد وجهها واثار الزمن, مما جعل تلك المشاهد تظهر بشكل ضبابي منفصل عن بقية مشاهد المسلسل.. بل يبدو ايضا انه قد افلت منه الزمام وترك بطلة المسلسل بدون توجيه ففقد السيطرة على العمل كاملا). كما ان النجم العائد (احمد رمزي) الذي فقد الكثير من جاذبيته ووسامته.. كان ظهوره بهذا الشكل في المسلسل (فجيعة) للكثيرين من عشاقه.. خاصة مع مشيته الثقيلة وتعثر نطقه للجمل والحروف, وبالفعل قد سحب هذا العمل من تاريخه القديم.. وليته ابقى على صورته الجميلة في عيون مشاهديه. واخيرا لا يمكن لحسن الاداء الذي برع فيه بعض المشاركين في المسلسل وابرزهم الفنان جميل راتب والوجوه الشابة غادة عادل واحمد الفيشاوي ان تخرج الشخصيات الدرامية من (التسطيح) الذي ابتليت به.. لذلك لابد ان تعيد (فاتن حمامة) حساباتها.. وان تقنع بخطأ ما حدث.. فهي احد الرموز الفنية خلال العقدين الماضيين. ومن حق الناس ان تبقي على رموزها ضد الوقوع في فخ الفشل. ويكفي فاتن حمامة عندما سألها الصحفي مفيد فوزي (مين علمك التمثيل) قالت: الذي علمني التمثيل هو الناس). اسـامة عسـل