بيان (2) : صنعاء ـ عبدالكريم سلام: في بحث بعنوان (الاقتصاد السياسي للقات والامن الغذائي) رسم الباحث اليمني الدكتور عبدالرحمن بني غازي صورة المأزق الحرج لظاهرة انتشار زراعة القات في اليمن, واعتبرها ظاهرة معقدة في الاقتصاد والمجتمع اليمني. وقال ان معالجة هذه الظاهرة رهينة بادراك ابعادها وكشف في البحث الذي قدمه خلال ندوة نظمتها كلية التجارة بجامعة صنعاء مؤخرا عن ان تجارة وزراعة القات اضحت في التوسع والانتشار لدرجة ان مجموع تأثير شمول القات في الاقتصاد الوطني تتراوح بين 2.22 ــ 7.49% مليار خلال السنوات من 1990 ــ 1995م وان قطاع القات يشغل مانسبته 16% من اجمالي قوى العمل وان هناك من يعملون فعليا في هذا القطاع نصف مليون شخص وفقا لتقديرات 1997 ويتوزعون على زراعته وتسويقه ونقله وقطفه وحراسته, وان نشاط زراعة القات عمل على اعادة توزيع الموارد بين السكان وحد من تدفق الهجرة من الريف الى المدينة وخلق ديناميكية في الاقتصاد الريفي حتى انه اصبح نشاط القات واحدا من الانشطة الاقتصادية التي تعتبر بديلا عن البطالة السافرة وذهب الباحث في دراسته الى التأكيد على ان القات رغم هذه الظواهر الايجابية لنشاطه الاقتصادي فله اثاره السلبية التي تكمن في التوسع بزراعته اذ بلغت المساحة المزروعة بالقات نحو 80 الف هكتار عام 1990مشكلا بذلك 7.48 % من مساحة الاشجار المثمرة و 58% من مساحة المحاصيل النقدية وان هذه المساحة ارتفعت عام 1995م الى 92 الف هكتار واصبحت تشكل في الوقت الراهن 50% من قيمة الانتاج الزراعي ونحو 15% من الناتج المحلي الاجمالي. وارجع الدكتور بني غازي التوجه لزراعة القات الى الربحية العالية التي يؤمنها للمزارع مقابل زراعة المحاصيل النقدية الاخرى التي صارت مردودية محاصيلها اقل من قيمة التكاليف بل اقل من الاجور كما في حالة زراعة القمح, وان ذلك له اثار سلبية على الامن الغذائي في البلاد لاسيما ان القات استحوذ على60% من مساحة الاراضي الاكثر خصوبة كما استحوذ على نسبة عالية من البنى الاساسية. مثل المياه المتوفرة والعمالة المدربة وشبكات الطرق اضافة الى ان مردوديته العالية ادت الى رفع اجور العمالة في القطاع الزراعي واستقطابها لصالح زراعته وهو ما يعمق من مشكلة تراجع المحاصيل الزراعية الاخرى , مشيرا الى ان معدل الاكتفاء الذاتي من الحبوب قد انخفض بسبب توسع زراعة القات من 80% عام 1975 الى 2.24% عام 1997م وأن المساحة المزروعة بالذرة في محافظة إب التي تعتبر من اخصب المناطق الزراعية في البلاد قد انخفضت بنسبة 50%. اثار سلبية وابرز الباحث ان الآثار السلبية للقات تمتد ايضا الى العديد من منتجات القطاع الصناعي التي لاتعدو ان تكون في (جانب منها) طلبا مشتقا من القات كالمشروبات الغازية والمياه المعدنية والمواد البلاستيكية (النايلون) بالاضافة الى صناعة السجائر اضافة الى ان القات يــؤدي الى اهدار الكثير مـن الـوقـت مـا يشـكـل فاقدا اقتصـاديا كبيرا. ويستطرد الباحث موضحا ان الآثار السلبية للقات اكثر وضوحا في اقتصاديات الغذاء واقتصاديات الاسرة مشيرا الى ان الانفاق على استهلاك القات يمتص نسبة كبيرة من مداخيل الافراد وميزانية الاسرة خاصة الفئات محدودة الدخل ومن ثم يؤثر في بنود الانفاق الاستهلاكي الاخرى وفي القدرة على الاحتفاظ بنمط غذائي متوازن مبرزا في هذا الصدد ان نتائج التقرير العام لمسح ميزانية الاسرة لعام 1998م. اوضح ان الانفاق على التبغ والقات يأتي في المرتبة الاولى بين مجموعة السلع الغذائية في الحضر وفي المرتبة الثانية بعد الانفاق على الحبوب في الريف. وامام هذا المأزق الحرج لاشكالية القات التي تتراوح بين الآثار الايجابية والسلبية يرى الباحث ان السياسات الحكومية حيال هذه الظاهرة تبقى مضطربة وان القرارات التي اتخذتها السلطات المتعاقبة لم تكن قرارات فاعلة ومدروسة بل ادت الى نقيض الهدف منها لانها قرارات لم تستوعب ان قضية القات لم تعد قضية اقتصادية ولا زراعية بل صارت ثقافة لها وظيفة ومدلول وكلما انتشرت تلك الثقافة انتشرت زراعة القات وتوسعت والعكس صحيح. وانه لابد ان يجتث من النفوس قبل اجتثاثه من الارض وان ذلك لا يمكن تحقيقه الا بثورة اصلاحية تقوم على ايجاد البدائل الافضل مثل البديل الاجتماعي, والزراعي, والاقتصادي والبديل الثقافي. معالجات واشار الدكتور عبدالرحمن بني غازي في هذا السياق ان المعالجات التي تم اتخاذها حتى الآن هي معالجات تفتقر الى مقومات التنفيذ موضحا ان القرار الاخير بمنع تعاطي القات اتخذ مسارا غير طبيعي في ترتيب عناصره التي بني عليها فبدلا من ان يتجه الى مراكز القوى القاتية والثقافة والعرف الاجتماعي اتجه الى القات ذاته الذي هو نشاط اقتصادي وليس الى بدائل لهذا النشاط وضرب في هذا الاطار مثلا بمبادرة بعض مزارعي القات في عدد من المناطق اليمنية واستبداله بمحصول البن لكن وزارة الزراعة لم تبادر الى تعويضهم بالغذاء ولا حتى بالغروس من اشجار البن. وخلص الباحث الى التأكيد على ان اي توجه لمعالجة ظاهرة انتشار القات في اليمن يتعين عليه ان يستوعب ان القات صار ظاهرة اقتصادية واجتماعية عميقة الجذور بل مؤسسة راسخة البنيان وانه لايمكن ابطاله او محوه من الوجود الا ببدائل حقيقية اقتصادية واجتماعية وثقافية وليس بغارات اعلامية تطلق دخانا في الهواء.