بيان (2) : براغ ــ (البيان): براغ مدينة الشعر التي وصفها الشعراء بانها مثل المرأة الجميلة, التي تدهش عيون كل الناظرين اليها .. وهي مدينة كل العصور . وكل الفنون الجميلة, براغ مدينة التقاء الثقافات من مختلف الالوان والاجناس . وربما هي المدينة الوحيدة في اوروبا التي لم تفقد رونقها حتى في فترة القهر الشيوعي, ولكنها كانت حبيسة حزينة على ماحل بها من ظلم وعذاب استهدف جمالها وسحرها الأخاذ. والآن وبعد مرور تسع سنوات على سقوط الشيوعية, عادت براغ الى الحياة بابتسامتها المعهودة منذ قرون وعادت الحياة الى براغ لتدب في كل جنباتها وازقتها وساحاتها وقلاعها على ايقاع التاريخ والفن المعماري الباروكي ووتريات نهر فولتافا. عادت براغ لتستقبل زوارها ومحبيها برحابة صدر وحميمية لا سابق لها, فهي اليوم تبدو كخلية ملكتها نائمة ونحلها يطوف حول الزهور يقطف الرحيق, اهلها يعملون ليل نهار لتعويض مافاتهم خلال الحكم الشيوعي وللحاق بقطار الزمن, وبالفعل حولوا منازلهم الى فنادق صغيرة او أوتيلات وجعلوا من الاقبية والسراديب تحت الابنية الاثرية التي ترجع للقرن الثالث عشر الميلادي مطاعم واندية ليلية ومقاه وحولوا (كاراجات) السيارات الى محال للأزياء الراقية والتحف والفنون والكريستال. وخلال ست سنوات فقط استعاد اهل براغ ملكية القلاع والمباني والمنازل القديمة . والمحال التجارية التي اممها النظام الشيوعي السابق, ولكي يثبتوا بانهم اصحاب (الايادي الذهبية) كما يطلقون على انفسهم فقد جعلوا مدينتهم براغ تزداد جمالا, وبهاء, فقد تحولت المدينة الى الطابع الغربي ذي الايقاع السريع الذي يميل الى الثقافة الاستهلاكية, براغ اليوم مدينة تجمع بين القديم والحديث ويحلو لها ان تتخاطب بكل لغات العالم, لهذا فان الخدمات التي توفرها براغ لزائريها طوال العام تفوق ماتوفره بعض المدن الاوروبية الغربية التي تعيش في ترف الرأسمالية ولم تعرف عن الشيوعية سوى نظرياتها الجوفاء. صوت الموسيقى الموسيقى تصدح في براغ طوال الليل على انغام موزارت والحان شوبان والمسارح لم تتوقف عن العروض الجميلة الا يوما في الاسبوع, ودور الاوبرا تنشر الملصقات في الشوارع المحيطة بساحة القديس فاتسلاف او ميدان ساعة براغ في وسط المدينة للاعلان عن عروض فنية باسعار تقل كثيرا عن وجبة سريعة في مطعم امريكي للاكلات ذائعة الصيت, ودور السينما اكثر من محال السوبر ماركت, والمتاحف تنتشر في كل احياء العاصمة والجليريهات التي تحولت الى مقاه شعبية والفرق الفولكلورية التي تعزف امام قلعة براغ تحت رشرشات المطر الخريفي. هذا معناه ان براغ استعادت هويتها الثقافية بسرعة البرق لتعود الى طبيعتها الاصلية, لا تعرف الملل او الضجر, ورغم هذا يتخوف اهل براغ من هبوب رياح الثقافة الاستهلاكية القادمة من امريكا عبر الاثير والقنوات الفضائية, لا مدينتهم التي حافظت على تراثها التاريخي قد تكون عرضة للتأثيرات الغربية السلبية والتحول نحو الثقافة الهابطة والابتعاد عن القيم الاجتماعية. جسر الفنون جسر الملك شارل التاريخي هو احد اهم المعالم التي لايمل الزائر من زيارتها كلما سنحت له الفرصة, فهذا الجسر التاريخي الذي يربط بين شطري براغ القديمة هو ملتقى عشاق براغ ليلا ونهارا, خليط عجيب من البشر في حركة دائبة فوق الجسر الملقى على هامته اطنان من الرخام والبرونز التي تشكلت من خلالها تماثيل لملوك وامراء ونبلاء وقديسين عبر الازمان الغابرة, خليط من البشر من الشرق والغرب تراهم يتهامشون وهم يتأملون اسرار الجمال الذي خطفته براغ الحالمة من قريناتها, من فوق الجسر التاريخي الذي مضي على بنائه خمسة قرون تتراءى للناظرين مياه نهر فولتافا الفضية تحت امطار الخريف والذهبية وقت غروب الشمس, وتبدو احياء براغ القديمة التي تسبح في مياه النهر ويطلقون عليها (فينيسيا) التشيكية وتحيط بها حدائق الفاكهة والازهار الجميلة. الحضور في جسر الملك شارك لاينفض الا بعد التقاط الصور الفوتوغرافية مع احدى التماثيل المنحوتة على الطراز الباروكي قبل مئات السنين, او بعد الاستماع الى قطعة موسيقية لكارل جوستاف وبيتهوفن وموزارت, ويصر بعض الزوار الاجانب على الاحتفاظ بذكرى اكثر حميمية فوق الجسر, حينما يجلس بجانب السور, امام عيني فنان جاء من الشرق او الغرب ليصور بريشته بقلم الرصاص تلك اللحظات الجميلة بين الانسان والطبيعة الجميلة, وغالبا ما يجلس الفنان تحت مظلة صغيرة وبجانبه كرسي صغير يجلس عليه من يرغب في رسم مصور له, او رسم كاريكاتوري يحمل ذكرى براغ مقابل مبلغ زهيد لا يتعدى الخمسة دولارات, وغالبا ما يكون الرسام زائرا الى براغ مثل الاشخاص الذين يصورهم على الورق. انه تفاعل فني وحضاري تفرضه روعة المكان والزمان, ولذلك لا يشعر المرء كيف ينقضي الوقت بجانب دوحة من الفنانين التلقائية التي تقام صيفا وشتاء فوق الجسر, فهي باختصار لحظات استرخاء وتأمل وانسجام مع الذات ومع الطبيعة ومع كل من احبوا براغ الجميلة.