بيان (2) : بيروت ــ شاكر وهبي: فيما تتمسك دول العالم بشاشاتها الكبيرة والصغيرة يحصل العكس في بيروت. فالتلفزيون الرسمي الوحيد في لبنان, وسط الغابة المرئية الصغيرة التي انجبتها الحرب اللبنانية بعد العام 1975 بيومياتها وظروفها ونتائجها المستمرة, يلفظ انفاسه الاخيرة. وفي افضل الاحوال فانه سيلفظ (نصف انفاسه) اذا ماجرى تطبيق قرار مجلس الوزراء ببيع 459 بالمئة من اسهمه الى تلفزيون (ايه. آر. تي). حسب ما افيد خلال زيارة قام بها مؤخرا صاحب هذه المحطة الى بيروت صلاح كامل. وجرى البيع بعقد يمنح الشركة صلاحيات واسعة في (تلفزيون لبنان) الذي يقتصر دوره في ذلك على البت بالديون المتراكمة عليه, اضافة الى تعويضات الموظفين بما يوازي حوالي سبعة ملايين دولار امريكي, حسب معلومات وزير الاعلام السابق انور الخليل. ويسود اعضاء مجلس ادارة تلفزيون لبنان انطباع مفاده ان العرض المقدم والذي وافق عليه مجلس الوزراء هو الأسوأ من بين العروض التي كانت قدمتها جهات عدة لمعالجة الازمة المزمنة للتلفزيون. واضافة الى مآخذهم على ما تسرب عن مضمون العقد, فان اعضاء مجلس الادارة يشعرون بان (طبخة) سرا في ظلام من دون اطلاعهم عليه انما ينطوي على اهانة لهم, لاسيما ان وزير الاعلام كان قد اوحى لهم خلال لقاء جمعة بهم, قبل ايام من ولادة الاتفاق مع راديو وتلفزيون العرب, بان الامور لا تسير على ما يرام خلال المفاوضات. هذا الانزعاج الشديد, دفع احد اعضاء مجلس الادارة بشار القوتلي الى تقديم استقالته, وكان آخرون يلحقون به, لولا تدخل رئيس المجلس ابراهيم الخوري الذي رفض استقالة القوتلي, وطلب التمهل في اتخاذ اي موقف. وقال الخوري: لقد رفضت الاستقالة لاننا نريد ان يبقى مجلس الادارة متماسكا, ولا نريد الهروب الى الامام. ويضيف: المطلوب ان نعالج الامور بعقلانية حتى نتلمس اين تكون مصلحة التلفزيون. وعما اذا كان قد جرى اتصال بين وزير الاعلام الخليل وبينه, يجيب: لم يحصل ذلك, وليس لدينا اي تفسير لما جرى. وما لم يفصح عنه الخوري, قاله مصدر في مجلس الادارة, عندما وصف الاتفاق المتداول بانه اسوأ اتفاق ممكن, متوقعا الا يمر. نقابة الموظفين تعترض من جهتها, تعترض نقابة العمال والموظفين في التلفزيون على الاتفاق, مؤكدة انه مخالف للقانون, وقابل للطعن, وذلك لاسباب ثلاثة اساسية كما يقول احد المسئولين فيها وهي: اولا: ان مبدأ التنازل عن اسهم تعود ملكيتها بالكامل الى الدولة لقطاع خاص ايا يكن هذا القطاع انما هو تنازل بالاساس عما تمثله الدولة في تلفزيون لبنان كحضور وطني ومعنوي ودور يفترض ان يكون خارج بازار المشاريع التجارية بحجة الخسارة المالية, فالانقاذ لا يسعى اليه بمال الغير بعيدا عن الانظار كي لا يفهم ان في الامر صفقة؟ ثانيا: ان ما وافق عليه مجلس الوزراء في جلسته الاخيرة امس انما اكد على توجه الخصخصة من جديد لهذا القطاع بعيدا كل البعد عن الحسابات الدقيقة للربح او الخسارة, وهذه الشركة التي انقذت سابقا من تحكم القطاع الخاص بها واشترت الدولة كامل اسهمه بهدف تحصينها وتمويلها وتمكينها من لعب دورها الاعلامي الوطني, كيف تباح اليوم اسهمها من جديد ومن قبل الدولة التي استردت ملكيتها وتباع الى قطاع خاص غاياته واهدافه تتناقض حتما مع غايات واهداف الدولة, والسؤال المطروح: ماهو الذي يحكم سياسات الدولة؟ الارتجال ام المنهجية؟ وكيف تبدل الحكومات قراراتها وتوجهاتها وسياساتها؟ ثالثا:: ان وزير الاعلام انور الخليل الذي حرص على التفاوض مع الشركة المتنازل لها بعيدا عن الاضواء انما فعل ذلك بغرض تضليل المتابع لملف الشركة فينأى بنفسه بعيدا عن الملاحظات الجوهرية التي يمكن ابتداؤها قبل التفاوض وخلاله وقبل التوقيع على الاتفاق, فكيف يسمح لنفسه وزير الاعلام وهو الذي فشل في توفير الحل الانقاذي الملائم للشركة منذ عين وزيرا للاعلام ان يودع هذا الملف باتفاق من هذا النوع اقل ما يقال فيه انه غامض من حيث نتائجه وغاياته ومن حيث الجهة التي تقف خلفه. ذاكرة مرئية على ضوء ذلك يتساءل المخلصون لباعث الضوء الازرق الاول في المنازل قبل حوالي نصف قرن في لبنان (التلفزيون الرسمي), في وقت لم يكن فيه خاطرا ببال احد تسميات العصر, من (دش) و (فضائيات), وما شابه. وهؤلاء يحفظون ذاكرة بيضاء طيبة للتلفزيون الرسمي الذي تبيعه الدولة رسميا, فقد مرت محطته في ثلاث مراحل اساسية في تاريخه, يمكن اختصارها على النحو التالي: * من عام 1956 الى عام 1974: الترخيص لـ (شركة التلفزيون اللبنانية), ثم لـ (تلفزيون لبنان والمشرق) (عام 1962) ويقول عز الدين ان هذه المرحلة تميزت بتوافق بين السلطة ورجال اعمال على مبادىء رئيسية يرتكز عليها وجود التلفزيون واهدافه, وهي الاخبار والتثقيف والتسلية. * من عام 1974 الى عام 1985: شهدت هذه المرحلة بداية الحرب في لبنان وانعكاساتها السلبية على كل القطاعات, ولاسيما على المحطتين, ولم تنج الاخبار من الانقسامات, بحيث ادى الانقلاب التلفزيوني الشهير الذي نفذه العميد عزيز الحدب في 11 مارس 1976 واستولى من خلاله على استديوهات (شركة التلفزيون اللبنانية) ( في تلة الخياط) الى ان يأخذ تلفزيون لبنان والمشرق في الحازمية جانب رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية. وبعد صعاب واجهتها المحطتان, كان توافق على انشاء شركة مختلطة محتلة اسمها (تلفزيون لبنان) بموجب المرسوم الاشتراعي الرقم 100 الصادر في 7/7/1977 في الجريدة الرسمية, ويضم مجلس ادارتها 12 عضوا منهم ممثلون للقطاع الخاص مناصفة بين (شركة التلفزيون اللبنانية) و (تلفزيون لبنان والمشرق) ولا تقل حصة الدولة فيها عن 50 في المئة من الاسهم وفي 16/5/1977 تم توحيد نشرة الاخبار. كذلك شهدت هذه المرحلة حادثة خطف مدير التلفزيون آنذاك شارل رزق (عام 1980), وغزو اسرائيل بيروت 1982 وانشاء منصب مفوض الحكومة لدى التلفزيون والذي اعتبر انه كارثة ويؤدي الى الضغط قسريا, على قرارات مجلس ادارة التلفزيون. كذلك انفصلت نشرة الاخبار مجددا بين المحطتين على اثر حرب الجبل وانتفاضة 6 فبراير 1984. من عام 1985 الى 1995: شهدت هذه المرحلة ولادة مؤسسات اعلامية مرئية, اولاها المؤسسة اللبنانية للارسال عام 1985 التي باتت منافسة قوية جدا للتلفزيون, واثيرت الحقوق الحصرية للبث التي يملكها تلفزيون لبنان حتى سنة 2012 كذلك عمد عز الدين الى شراء كل اسهم القطاع الخاص في التلفزيوني وباعها الى الرئيس وكانت المفاجأة الكبيرة صدور قانون لتنظيم البث الاذاعي والتلفزيوني الرقم 982 في اكتوبر 1994 الذي شرع للترخيص للمؤسسات الاعلامية والغي الحق الحصري للبث الذي يتمتع به التلفزيون من دون التعويض عليه. وفي فبراير 1994 قرر مجلس الوزراء شراء كل اسهم القطاع الخاص, وكان يملكها الحريري, وبذلك صار التلفزيون ملكا للدولة. وفي هذا الاطار, يسجل عزالدين مآخذ كبيرة على اداء السلطة في الحفاظ على التلفزيون, وعتبا شديدا عليها يقول: عندما كانت الدولة شريكة في التلفزيون, لم تحافظ على حقوقه لانها سمحت لشركات او محطات فئوية غير مرخصة بالبث, واهملت حقوق التلفزيون لو حافظت عليها, لكان عاش ويتدارك عندما وضع المشترع القانون 382/,94 لم يكن لديه تفكير اساسي بدور التلفزيون وسبل عيشه وامكاناته وضرورة تطويره, في مواجهة المنافسة. ومن وراء المشترع؟ يجيب احد مسئولي التلفزيون: ـ المصالح الخاصة, لدى اركان الدولة حتى انهم رخصوا لانفسهم على اساس توزيع طائفي وسياسي. وعندما رخص جاك لانج وكان وزيرا للثقافة في فرنسا, لمحطة تلفزيونية قالوا: اعطي حقوقا للافضل والمشترع لم يفكر بذلك عندما وضع القانون. لم اقرأ جملة فيه تحدد اهداف تلفزيون لبنان وحاجات الجمهور, نعم, ضاعت الاهداف التي انطلق على اساسها التلفزيون اصبحت عملية خاصة تلبي مصالح خاصة ومحسوبيات في خدمة اهداف شخصية .. ان غياب التفكير الاساسي بغايات التلفزيون اكبر خطأ يمكن ارتكابه. ويتدارك لا, ليس سهلا القاء المسئولية على المشترع, ولم اتكلم كي ابرز نفسي, بل لانني كافحت وناضلت 40 عاما في المجال المرئي.