بيان (2): عمان ــ هيام الشرقاوي: تزخر بلادنا العربية بالعديد من المواقع الطبيعية والاثرية التي تأخر الاهتمام بها كثيرا بينما تحتفي بلاد اخرى بمواقع اقل قدرا واهمية وتضفي عليها الكثير والكثير من الاهمية عبر المبالغة في، الرعاية والدعاية في عصر باتت السياحة فيه من اهم موارد الدخل القومي للبلاد. وفي الاردن تعتبر منطقة الازرق التي تقع وسط الصحراء الشمالية الشرقية وتبتعد عن العاصمة عمان حوالي 115 كيلومترا, من اهم المناطق الطبيعية في المملكة. محمية طبيعية ومن المعروف ان الازرق سمي بهذا الاسم نسبة الى اللون الازرق الذي تعكسه المياه في المستنقعات الشاسعة التابعة لها, ويتواجد في الازرق محمية طبيعية كانت قد اخذت مكانا بارزا على الخارطة العالمية, اضافة الى وجود محمية الازرق المائية, حيث تعتبر مياه الازرق من اهم مصادر المياه المتجددة في الاردن. وتحتوي منطقة الازرق على عدد كبير من البحيرات والمستنقعات المائية لدرجة انها تشبه الكثير من مناطق افريقيا (السافانا) حيث قدر اعداد الطيور الهائلة التي يمر منها بحوالي نصف مليون طائر, وكانت مياه في المنطقة الجنوبية من الازرق تتجمع في بركتين رئيسيتين لتشكل مستنقعات مختلفة المساحات تستقبل الطيور المهاجرة من اوروبا الباردة الى افريقيا الحارة. الضخ الجائر الا ان الوضع في منطقة الازرق قد تغير نتيجة عوامل مختلفة من اهمها الضخ الجائر للمياه حيث بدأ الضخ في فترة الثمانينيات حيث كانت الزرقاء وعمان بحاجة الى مياه الشرب والمعروف انه من بين كل اربعة لترات ماء تشربها العاصمة الاردنية يوجد لتر من الازرق, ولا يزال حوالي 500 بئر تعمل بغرض توفير مياه للمزارعين في الازرق حيث تقرر الكمية المستخرجة بحوالي 50 مليون متر مكعب اي حوالي ضعف الكمية التي تغذي الآبار, الامر الذي ادى الى انخفاض منسوب المياه السطحي الى 7 امتار تحت مستوى سطح الارض. ومنذ ذلك الحين عملت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة على محاولة اقناع الحكومة من اجل تخفيض كميات الضخ وانقاذ الواحة, واستطاعت الجمعية فعلا اعلان المنطقة محمية طبيعية عام 1987 وقد سميت بمحمية الازرق نسبة الى واحة الازرق المائية التي تقع فيها المحمية, حيث وقعت الحكومة الاردنية على ادراج الازرق ضمن اتفاقية (رامسار) وهي الاتفاقية العالمية التي تعمل على حماية المنطقة الطبيعية الرطبة والمهمة في العالم. ومع ذلك بقيت منطقة الازرق تعاني لفترة طويلة من عديد من المشاكل غير مسألة الضخ الجائر التي استمرت حتى بعد اعلان الازرق كمحمية, اضافة الى غياب خطة وطنية طويلة الامد لمعالجة هذه المشكلة مما ادى الى تأثر التنوع الحيوي بشكل كبير وخاصة المياه, كما تم استخدام محاصيل ذات استهلاك عالي للمياه. وتقدر مساحة حوض الازرق بـ 12710 كم مربع, 94% منها يقع في الاردن حيث يمتد الحوض من جنوب العرب في سوريا حيث يقع 5% منه في اراضي سوريا, ويمتد جنوبا حتى صحراء (باير) في شرق الاردن واجزاء من الاراضي السعودية بنسبة 51% من مساحة الحوض. اما واحة الازرق فتقع في قلب الحوض وفي اخفض نقطة فيه, وقد كانت هذه الواحة وحتى وقت قريب جدا تتميز بينابيع المياه العذبة والدائمة الجريان, وتعتبر اشهر عيونها هي (العورا والمستدحمه) اضافة الى عيون (السودا والقيسية) , وتجدر الاشارة الى انه يقطن واحة الازرق حوالي 7 آلاف نسمة, حيث عرفت هذه الواحة بانها مكان قديم لاستيطان الانسان وعرفت باسم باب الغزال, حيث يوجد العديد من الآثار الدالة على التواجد القديم للانسان واحدثها قلعة الازرق الشمالي. وفيما يتعلق بالحياة البرية في الازرق فيمكن الاشارة بداية الى ان الازرق في الماضي كان مغطى باشجار وشجيرات مكتظة ونباتات مائية كثيفة تشكل حواجز منيعة يصعب على الانسان اختراقها, الا انه في عام 1057 شب حريق هائل في منطقة الازرق الجنوبي ادى الى حرق عدد كبير من الحيوانات البرية من بينها الخنزير البري. وفي عام 1982 اكتشف بالمنطقة عظاما متحجرة لوحيد القرن والحمار البري والوعل الافريقي والبدن, كما تم اكتشاف بقايا لمصائد بدائية يعود تاريخ بعضها الى تسعة آلاف سنة, حيث كان الانسان قد استعمل هذه المصائد آنذاك لصيد الغزلان والمها العربي والحمر البرية. ويتضح مما سبق ان الانسان في القديم كان يعيش في بيئة غنية بنباتاتها وحيواناتها ومياهها التي كانت تمده بكل مايلزمه من غذاء وكساء وتكشف رسوم الحيوانات والنباتات التي عثر عليها على جدران المباني والذي يرجع الى العصر الاموي مدى تفاعل الانسان القديم مع هذه الطبيعة الغنية . وتظهر نفس الرسوم تقريبا على جدران قصر الحلابات الموجود هناك ايضا, ويبدو الازرق اليوم اذا ماقورن بما كان عليه في الماضي وكأنه هيكل عظمي لجسم اهلكه المرض. ملتقى تجاري وكانت واحة الازرق نقطة التقاء للعديد من الطرق التجارية والقادمة من السعودية والعراقي وسوريا, حيث تعود اهميتها الى عاملين رئيسيين اولهما موقعها الاستراتيجي عند بوابة وادي السرحان الذي كان دوما ومنذ اقدم العصور ممرا حيويا للقوافل التجارية القادمة من سوريا والعراق في طريقها الى الجزيرة العربية, وثانيا توفر المياه العذبة في البرك التي تغذيها الينابيع على مدار السنة. ومن بين المواقع التي تم التنقيب فيها موقع عين الاسد, حيث عثر على ادوات صوانية تؤكد الاستيطان البشري لهذه المنطقة قرب نبع الاسد, كما تم اجراء تنقيبات اثرية في موقع عين السودا وعين القيسية, حيث اكدت المخلفات التي تم الكشف عنها عن وجود العديد من الحيوانات التي انقرضت منذ زمن بعيد, كما كشفت التنقيبات المستمرة عن المواقع التي تعود الى العصر الحجري القديم والوسيط والحديث لتؤكد على عمق هذا الارث الحضاري لمنطقة الازرق. تواصل حضاري واستمر التواصل الحضاري خلال العصور اللاحقة حيث استوطنت الازرق خلال العصر الروماني وكذلك العصر البيزنطي والعصور الاسلامية, حيث زادت اهميتها واصبحت مركزا للقصور الاموية من مثل قصر عمره, وقصر الحلابات وقصر عين السل, وقصر الحرانة, اضافة الى وجود قلعة الازرق التي استمرت حتى فترة العصر الايوبي المملوكي. وفيما يخص قلعة ازرق التي تم تشييدها قديما من اجل حماية المنافذ والطرق المؤدية الى الازرق, الا انه لم يتم الى الآن اجراء حفريات داخل تلك القلعة للتعرف على مراحل بنائها, حيث اثبتت الدراسات ان هذه القلعة تعود الى العصر الايوبي بالنظر الى النقش العربي الذي يعلو المدخل الرئيسي الى القلعة. الا ان اهم ما يلفت النظر في قلعة الازرق من الناحية المعمارية الطريقة التي تم بها تسقيف الغرف والقاعات بواسطة كتل متطاولة من الحجارة البازلتية والتي ترتكز على الجدران الجانبية, ويلاحظ من هذه الطريقة التي كانت شائعة في جنوب سوريا اي في المنطقة التي تنتشر فيها الحجارة البركانية محاولة تضييق المساحة المراد تسقيفها من خلال وضع كتل حجرية فوق بعضها البعض بمحاذاة الجدران الجانبية بحيث تبرز كل كتلة مسافة معينة عن تلك التي في اسفلها. ونظرا الى اهمية تاريخ المنطقة قامت دائرة الآثار العامة الاردنية بالتعاون مع الجمعية الملكية لحماية الطبيعية من خلال سعي الطرفين لابراز الدور الفعال في مشاريعها المختلفة للمحافظة على البيئة والطبيعة, والاستفادة من الامكانيات الفنية, حيث كانت الخطوة الاولى في ترميم جزء من الجدار الاثري الموجود ضمن حدود المحمية حسب المواصفات الهندسية والاثرية, اضافة الى الكشف عن حوض مائي تم تنظيفه واجراء صيانة له وما زال العمل جاريا من اجل ترميم كل ما خرب ودمر في هذه المنطقة للحفاظ على هذا الارث التاريخي. ثروات معدنية ومصادر طاقة ويذكر ان منطقة حوض الازرق تحتوي على ثروات معدنية هائلة بعضها مستغل والبعض الآخر واعد حيث ان المعادن المستغلة هي الصخور البركانية والزيولايت, والملح, ومن المعادن الواعدة البنتونيات والجبص والكاولينايت وغيرها, كما ان هناك احتمالية للعثور على معادن اخرى وكذلك وجود مصادر طاقة. ولقد تم اختيار منطقة حوض الازرق لاجراء الدراسة التكاملية كتجربة يجب ان تحتذى على المستوى الاقليمي والوطني اذا ما نجحت في تخطي كافة الصعوبات وتجنب السلبيات, حيث يهدف هذا المشروع الى اعداد خرائط مرجعية وخرائط استعمالات الاراضي من اجل تحديد انجح السبل لاستغلال المصادر الطبيعية المتاحة في منطقة الحوض, اضافة الى انه يهدف الى تطوير قاعة المعلومات الجيولوجية الاساسية عن هذا الحوض ومعرفة الاوضاع الزراعية والمشكلات البيئية التي يعاني منها. وتمت الموافقة على هذا المشروع كاحد المشاريع الوطنية التي ينفذها المجلس الاعلى للعلوم والتكنولوجيا وذلك بالتعاون مع المؤسسات المعنية بهذا الموضوع, ويتم تنفيذ المشروع حاليا على مراحل متعددة من خلال عدد من الباحثين والخبراء الدارسين في هذا المجال, حيث حددت الفترة الزمنية لهذا المشروع بحوالي خمس سنوات.