بيان (2) : دمشق ـ يوسف البجيرمي: شهدت أسعار العقارات السورية خلال السنوات الخمس الماضية انخفاضا ملحوظاً قدر بنحو 30 ـ 50% من قيمة العقار الأمر الذي يعني ان ارتباط مشكلة السكن بسوق العقارات، يحمل أكثر من جانب ويخضع لمحددات عدة فبعد ان كان سوق العقارات يسير إلى ارتفاع الأسعار في مرحلتي الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات تأثر بالوضع الاقتصادي العام بعد ذلك وسار نحو الركود لمدة ثلاث سنوات تقريبا لتبدأ بعد ذلك أسعار العقارات بالانخفاض التدريجي الذي استمر حتى وقتنا الحاضر. فأسعار السكن النظامي في ريف دمشق لا تقل عن 700 ألف ليرة لمنزل متواضع المساحة (أي ما يعادل 12 ألف دولار) ويصل السعر حتى مليوني ليرة (40 ألف دولار) لمنازل أخرى وتتطابق هذه الأسعار مع أسعار المساكن في المدن الأخرى في حين لا يقل سعر أصغر مسكن في مدينة دمشق عن مليوني ليرة سورية ويصل لعشرات الملايين في بعض المناطق. هذه المعطيات تشير إلى ان سوق العقارات مازال يتأثر بعوامل لم تتغير أو تتبدل رغم الانخفاض التدريجي على أسعار العقارات ورغم توفر عشرات الآلاف من المساكن الشاغرة وأول هذه العوامل ان أسعار المساكن مازالت خالية وهي أشبه بالحلم لشريحة كبيرة من السكان, أما ثاني هذه العوامل فهو طريقة الحصول على المسكن والتي صارت أيضا أشبه بالمعجزة, وثالثها ان القدرة على السكن دون تملك المسكن ولم تزل دون حل بسبب تأخر صدور قانون ايجار ينصف المؤجر والمستأجر ويتيح فرصة السكن أمام شريحة واسعة من السكان. العين بصيرة واليد قصيرة وعند تنضيد هذه العوامل نلاحظ ان أسعار المساكن التي ذكرناها تعتبر خالية بالمقارنة مع دخول المواطنين محدودي الدخل الذين لا يزيد دخل الواحد منهم عن خمسة آلاف ليرة (100 دولار). وهذا ما يعني ان الحصول على مسكن متواضع في مناطق المخالفات يتطلب ادخار دخل المواطن كاملا لمدة عشر سنوات تقريبا, أما بالنسبة لطريقة الحصول على المسكن والتي تتوفر بأكثر من شكل فهذه على تعددها تظل غير متاحة أمام معظم المواطنين محدودي الدخل بسبب عدم توفر ثمن المنزل في حال الشراء المباشر أو عدم توفر الأقساط في حالة الشراء بالتقسيط من تجار العقارات وينطبق هذا الأمر على الاشتراك في الجمعيات السكنية التي أصبحت أقساطها ومتطلباتها وسعر عقاراتها أعلى بنسبة 30% من أسعار المنازل المشابهة المتوفرة لدى تجار العقارات. تراجع التعاونيات ورغم ان مؤتمرات التعاون السكني تعقد باستمرار وتطرح فيها اشكالات الجمعيات السكنية إلا ان ايجاد الحلول والنفقات الكبيرة التي تصرف على هذه الاتحادات ومؤتمراتها تجعلها تحت نطاق المساءلة عن أهميتها وتكاليفها الدائمة والسنوية وتكاليف أبنية هذه الاتحادات. وفي تقارير المكتب التنفيذي للاتحاد للمؤتمر العام للتعاون السكني المنعقد في يوليو الماضي ورد تحت عنوان (واقع التعاون وخاصة في العقد الأخير وحول سلبيات التعاون العامة والخاصة) ان هذا القطاع بدا منكمشاً متراجعاً في عقد التسعينيات وذلك بسبب ارتفاع كلفة المساكن التعاونية ومتمماتها ومستلزماتها وخدماتها حيث يشير التقرير إلى ان هذه المشاكل تقع على مسئولية الحكومة المباشرة وأسلوب معالجتها لقضايا السكن والاسكان مع وجود أسباب ذاتية تتعلق بالقطاع التعاوني نفسه وسوء التصرف الواقع فيه ومن السلبيات المذكورة عناصر التكلفة والدراسات التي توضع من أجلها ودور هذه الدراسات بزيادة عناصر التكلفة بسبب زيادات التعرفة التي تزيدها فروع نقابة المهندسين حتى وصلت إلى مرحلة الارهاق الذي ينعكس على التعاون السكني بشكل كبير. ورغم هذه المعطيات التي أثرت سلبا على قدرة المواطن على تملك المسكن أو استئجاره مدة طويلة أفرزت شكلا يمكن ان نطلق عليه صفة استغلال فئة لأخرى في سوق العقارات كما أوجدت شريحة من المستغلين على حساب الفئتين معا. ففي حالة الرغبة بتملك المسكن تحول هم سماسرة العقارات إلى توريط المواطن بشراء أي مسكن عبر تقديم مجموعة من التسهيلات التي يكتشف المواطن عدم صحتها متأخراً كما ان استئجار المسكن أوجد فئة كبيرة من المستغلين بالتنسيق مع أصحاب المساكن وقد أخضعت هذه الفئة المواطن الراغب في الاستئجار لشتى أنواع الاستغلال وفرض المزيد من الشروط غير الموضوعية عليه في ظل انعدام فرصة توفر المسكن اللائق حتى عبر الايجار السياحي. واليوم وبعد حوالي ست سنوات من ركود سوق العقارات يتضح تماما ان انخفاض سوق العقارات في سوريا يعود لعاملين اثنين فقط هما عدم توفر السيولة النقدية الكافية ولانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطن. وبموازاة ذلك عجز قطاع السكن التعاوني بعد عام 1990 عن الدفع بأي مساهمة ايجابية في استقرار سوق العقارات وعلى العكس من ذلك فإن مشاكل التعاون وتأخره عن تسليم الشقق لأصحابها لأكثر من خمسة عشر عاماً جاءت لتلقي مزيداً من الشك حول جدوى الحصول على السكن عبر هذا القطاع مفسحة المجال لزيادة تأثير تجار وسماسرة العقارات على أسعار العقارات في السوق. عوائق حكومية وبدلاً من ان تساهم الجهات الحكومية في حل مشاكل هذا القطاع كانت تضع العقبات أمامه دائما, وحسب تأكيد الاتحاد العام للتعاون السكني نفسه فإنه لم يتم تخصيص الجمعيات التعاونية السكنية بأية أرض منذ عام 1990 فيما ظلت القروض العقارية ترهق أصحاب الدخل المحدود فضلا عن ازدواج العبء الضريبي وثقل الأعباء المالية والعلاقة مع العديد من الجهات المعنية في وقت يكون الاتحاد العام هو الجهة الأقدر على فهم مشكلات التعاون السكني وحلها, مع التذكير بعجز قانون التعاون السكني رقم 13 وقصوره وحصر دور الاتحادات باستقبال محاضر جلسات للجمعيات فقط. سلاح ذو حدين وقد أوضح مدير التسليف العقاري في حديث خاص لـ (البيان) ان تحريك السوق العقاري في سوريا لاخراجه من جموده سلاح ذو حدين, حيث ستعود المضاربة والمزاحمة من جديد إلى السوق لا سيما أصحاب المال الذين يرتجون الربح السريع الأمر الذي لابد ان يؤدي إلى عودة ارتفاع الأسعار تدريجيا على حساب المواطن الذي يحاول تأمين المسكن والذي سبق وأحبطت آماله عندما كانت الأسعار على شدتها من الارتفاع. كما ان التأخر في حل مشكلة السكن أفرز أكثر من مشكلة اجتماعية لعل أهمها انتشار السكن العشوائي والمخالف بكل نتائجه السلبية على المجتمع وزاد في أثر هذه المشكلة تحول هذا السكن إلى أمر واقع مطلوب تسخير امكانيات كبيرة لتنظيمه وبشروط تكاد تكون مرهقة للجميع. ولا شك ان ازدياد النشاط الاقتصادي وتركزه في مدينة دمشق ليسا العامل الأساسي في تفاهم مشكلة السكن, وإنما غياب السياسات السكنية الواضحة هو الذي جعل السكن يتحول إلى مشكلة تتفاقم كل يوم, فازدياد النشاط الاقتصادي من جهة وتركزه في مناطق محددة كذلك الازدياد الطبيعي في عدد السكان لم ترافقه أية دراسات جدية تتعلق بعدد المساكن وشروطها وطريقة الحصول عليها. بقي ان نذكر ان الخطة الخمسية الثامنة تهدف إلى بناء وحدات سكنية على الشكل التالي: ـ المؤسسة العامة للإسكان لبناء 23100 وحدة سكنية خلال الأعوام 2000 ـ 2005. ـ الاتحاد التعاوني السكني لبناء 102356 وحدة سكنية, فإلى متى سيبقى سوق العقارات السورية راكداً؟!