بيان (2) : الراعي الذي ادركه المطر واحتمى مع شياهه بين انقاض وخرائب البيوت الطينية المهجورة, هو الذي عثر على الحائط الطيني الذي صمد بوجه الفيضان الهادر واجتاح الارض الهادئة, فنبش القبور وطافت جثث الموتى وتراقصت هياكل العظام فوق الماء العارم, وسبحت الافاعي والفئران المفزوعة وانتفخت بطون المواشي النافقة وهربت الكلاب لاهثة تبحث عن اصحابها المذعورين... وبعد الجفاف المروع الذي ساد الارض بعد الفيضان...ظل ذلك الحائط صامدا ولم يسقط, سطرت عليه الحروف محفورة من اسفله الى اعلاه... كما رآه الرجال الذين سارعوا الى البلدة المهجورة بعد ان اخبرهم الراعي.. قرأ احدهم السطر الاول.. حاول بعناء التقاط الحروف المحفورة.. لكن العجوز الذي حضر فجأة الى المكان رمق ذلك السطر وسقطت منه دمعة... قال لهم.. سأقرأ وسكت قليلا وبعد النظر طويلا الى الحائط. قراءة اولى, قال العجوز... يوجد نقص في بعض السطور... بعض الكلمات اختفت... ربما اقتلعت عنوة... لكن المخطوطة قسمت الى فصلين.. فصل في ذاكرة التأهب والغياب, الليلة هي الثالثة... لا شيء غير البرد القارص وسماء ملبدة بغيوم سود... ينتابني القلق كل لحظة.. الليل الطويل مخيف وممل... لا استطيع تصور نفسي نائماً والذئاب تحيط بي, الاصوات البعيدة تصلني, نباح وعواء... اغرق في ذعر وخوف.. ترك المكان والهرب نحو البلدة الغافية احتمال لا اقدر عليه.. لقد ارسلوني.. قالوا لي دورك في الحراسة, لا نريده يقتحم البلدة ويسرق الماشية.. اقتله.. اسحقه.. بندقيتي العتيقة تلازمني مادام العواء يقترب والخوف المشحون بالرهبة وانا اقبع في بر موحش لا نهاية له, اطلق العنان لرعشة خفيفة تسري في مفاصلي المرتجفة اصلا.. الليلة الثالثة ستمضي.. الظلمة متأهبة للرحيل... ساعتان.. ثلاث لا ادري لكنها سترحل.. هناك في الخلف تهجع البلدة غافية آمنة مسلمة مفتاحها الي.. ثلاث ليال وانا احرسها لوحدي اتوسد مخاوفي وارقب ما سيحدث.. الكل ينام بعين واحدة مذعورة مرعوبة.. الناس والشياه, من يدري فقد تطالها المخالب الحادة المشحونة بالموت, بعدها تصب البلدة لعناتها علي وقد اتهم بالمشاركة في المجزرة, وربما يصدر الامر بطردي من البلدة او بقتلي اذا كانت الخسائر جسيمة لاني نمت في نوبتي وخنت واجبي.. الليلة الثالثة وانا استسلم لدفء الخيمة الصغيرة اسفل التل.. ارقب بحذر ذلك الآتي ليقتحم ليل القطعان الآمنة.. قلت ستمر ليلة اخرى والبلدة تنهض في الصباح تهرول نحوي.. لا رحمة بي من ليل بارد مميت, بل ليتأكدوا ما من شيء حدث البارحة ليناموا ليلة اخرى هانئين.. سأقول لهم لم اسمع عواء ذئب او زعيق وحش ولا نعيق غراب ولا بوم.. لم ار غير ليل بهيم بارد وصفير ريح مخيفة.. لا اقول بأني خائف فقد تطيح بي هذه الكلمة وتجعلني منبوذا الى الابد.توقف.. كلمتان اقتلعتا من مكانهما وصار حفرة صغيرة في الحائط, سأخبرهم بأني استطيع الحراسة ليلة رابعة وخامسة وسابعة وستنتهي نوبتي وقد سلمت من انهيار يحوم حولي.. اللحظات منفية والساعات لاعداد لها في حساب الحيطة والترقب.. الليل واحد والظلام قرينه, لا ليل بلون ابيض ولا ظلمة بلون آخر.. انا احمي قطعان البلدة من الضواري.. سأطلق الرصاصة من هذه الماسورة الصدئة, وستمزق كل الاجساد المتوحشة المهاجمة وستموت في مشهد دام نادر ويغرق المكان في مستنقع الدم واغوص فيه كي احملها الواحد تلو الآخر الى البلدة.. هراء.. سخف لا تقدر رصاصة واحدة ان تفعل ذلك! يا الهي لا اكاد اسمع من البيوت المتناثرة خلفي سوى صرخات امرأة قتل زوجها في ليلة حراسته الاولى او بالاحرى افترسته الضواري, في الصباح وجدوه عظاما متناثرة والدماء تغطي الاحجار والتراب.. وظلت زوجته تطلق صرخاتها كالمجنونة كلما حل ليل جديد.. عندما اسمعها اضغط على زناد بندقية جدي القديمة واحملق بالتلال المخيفة مضطربا.. بندقية جدي التي ورثتها عن ابي وهو عن جدي الذي اشتراها لقاء عجل سمين, كلما لامست حديدها الصدىء يتبدد قلقي واروح في غفوة سرعان ما افز منها عندما اتذكر انها لم تطلق رصاصة, لم اسمع من ابي يوما انه قال ذلك.. رغم ان جدي لم يفقد حملا واحداً من قطعانه كما اخبرني اهل البلدة.. وقد يكون الوحيد الذي لم يطلق رصاصة على وحش او لص.. ستنقضي الليالي السبع وانعم بنوم رغيد.. ارقب من بعيد ما يحدث عند التلال, سبع ليال هي حراسة كل رجل في هذه البلدة.. الذي يصطاد وحشا او يمسك لصا يسمى بطلا.. هنا امتدت يد العبث واقتلعت ثلاثة اسطر متتالية من الرقيم ــ الحائط ــ ومحت تفاصيلها. فصل في قوانين الريح والصمت الليلة هي الرابعة.. عاصفة تتحرك نحوي.. تطاير تراب التلال, وطارت خيمتي الصغيرة وتشظت بوجهي رمال محمومة وكأنها نبتت كالمسامير.. لم اعد امتلك قوتي.. تحركت نحو ملاذ قريب.. عند اسفل التل المجاور.. العاصفة هجمت على المكان برمته وصارت تلعب به كدمية, رحت اركض.. اركض مذعوراً.. لم يفدني ذلك الملاذ.. لم يحمني.. لقد انهار هو الآخر.. بل تطاير بأكمله.. كان قبل لحظات تلا مهيبا.. لكنه تحول الى نثار من الاتربة.. اركض الى مجاهيل لا اراها.. اسقط.. انهض مترنحا.. اتعثر بالاحجار المتجذرة في الارض الغائصة في لجة الرعب. بندقيتي لصق جسدي, حملتها برقبتي.. لا اقدر على تركها فلا ادري ما تخبئ لي اللحظات القادمة.. اركض والبندقية القديمة تثقل كاهلي.. صفير العاصفة يشل سمعي, يكاد يصم آذاني, لكني تلقفت عواء قريبا, جفلت في مكاني رغم سرعة الريح, وانزويت تحت بعض الاحجار الكبيرة, انحنيت ورحت ارقب الريح والعواء والتراب المتطاير في الفضاء يوجد كسر في بعض السطور, فاختفت الكلمات وسقطت ثلمة من الحائط تقدر بخمسة اسطر, لكن السطر الذي جاء بعدها دونت فيه الكلمات التالية.. الموت يطاردني.. لا استطيع اضرام النار.. البرد والخوف يشلان حركتي.. فالذي يشعل النار يبعد الذئب عنه ولكنه لا يستطيع ابعاده عن البيوت الغافية خلف التلال.. الاسطر التي تلت اقتلعت من اماكنها وتعذر قراءتها.. لكن الرجل العجوز عندما وصل الى احدها التفت للرجال قائلا... كانت عينا الذئب مخيفة.. مرعبة تقذف شررا ينذر بموت اكيد.. الليلة الرابعة (كما موجود في الحائط) قاسية.. لا اثر لي.. اردت تحسس جسدي فلم اجد ما يدل على ذلك.. انا مدفون بالتراب.. دفنت حد الرأس.. رأسي وحده خارج المدفن الترابي.. وشعرت بأني اختنق بحزام بندقيتي المدفونة معي.. قلت اتراني سأصد الضواري عني وانا تحت التراب؟ ستمزق رأسي.. بل ستمعن فيه تمزيقاً, تفترس اللحم وترمي بالجمجمة بعيداً ثم تجر جسدي المدفون وتبدأ بعشائها اللذيذ, وبعد ان تكمل هذا المشهد تنزل الى البيوت لتختار فريستها وتنتهي الليلة لتبدأ ليلة اخرى.. القلق الذي دب في مفاصلي منحني قوة استطعت بها رفع جسدي الواهن.. رفعته بعد ان ازحت كومة التراب.. نهضت ابحث في الظلمة عن احجار وصخور اتكىء عليها من اعيائي لكني جرجرت بندقية جدي وسرت نحو البيوت النائمة. في الليلة الخامسة, الاسطر الاربعة الاولى غير صالحة للقراءة.. انتقل مباشرة الى السطر الذي يليها, ماسورة بندقيتي صوب التلال البعيدة.. عواء يقترب.. اصبعي المرتجف على الزناد.. العواء اكتسح رعشتي.. صار يواجهني.. فجأة الذئب امامي.. حقيقة وليس وهما.. انفصل عني اصبعي وصار صلبا كحجارة.. اغمضت عيني قبل ان اطلق النار, بعد لحظة واحدة فقط لم يعد امامي.. لم تخرج الرصاصة ابدا... وخسرت امنية رؤيته سابحاً صريعا في بحيرة دم اسود وصدى صيحته تحوم في الفضاء البارد.. لقد اختفى وغرقت بحيرتي محدثا نفسي وغادرتني الرعشة وكأن ذلك المنظر ازال عني مخاوفي التي كانت تغزوني قبل ان اراه, لكن الرهبة ووحشة المكان دفعا بوهم مخيف.. ماذا لو هجم علي وافترسني؟ سيمرغ انفي في الوحل.. وبعد موتي سيقضم هبرة من لحمي طرية ويرحل تاركا اجزائي المتبقية للغربان السود حيث يبدأ كبيرهم طقوس النهش, سينقر عيني اولا تمهيدا لاقتلاعهما, وتبدأ المأدبة التي لا يوقفها الا نباح الكلاب المسعورة التي ستكمل ما تبقى.. وبذلك سيتوزع دمي بين الجوارح والضواري.. ربما.. ربما. وقد لا يحدث ذلك بل اموت من الرعب قبل مشهد التقتيل والافتراس.. انا في الليلة الخامسة التي تمضي نحو الانقضاء.. اخرجت كيس التبغ لففت سيكارة واحدة.. اضرمت عود ثقاب, لكني فوجئت.. فوجئت تماما.. التمعت عين متوحشة.. عينه الثانية تقدح شررا.. امسكت البندقية وضغطت بقوة على الزناد.. لم تخرج اية رصاصة.. اطلق عواءه المرعب ووثب علي.. ضغطت ثانية.. لا رصاصة, انا ميت لا محالة.. حاولت مرة اخرى.. واخرى.. ارتطم بي, اوقعني ارضا واحسست بان الصخور الصغيرة قد اخترقت ظهري, انيابه تبحث عن منطقة طرية من جسدي, فجأة دوى صوت الاطلاقة في الفضاء الاخرس.. انقطع العواء وسقط الجسد المتوحش بعيدا عني.. لم يعد فوقي الآن نهضت بخفة قرد, لا اثر له. بحثت عن جثته.. عنه ان كان حيا.. لا شيء غيري في هذا المكان.. اشعلت عودا ورأيت خيطا من الدم.. خيطا طويلا على الارض الترابية.. تابعته, مشيت محاذيا له لكني فقدت اثره ولم اعد اراه.. قال العجوز.. السطور الناقصة في النص يمكن تخيل ما جاء فيها.. سأقرأ اللوح ـ الحائط ـ ثانية وسأضع الكلمات والسطور المفقودة في اماكنها.. صمت تحت وابل دموعه وقال والحيرة نبتت فوق رؤوس الرجال سأحكي لكم ما جرى في الليلتين السادسة والسابعة...