بيان ( (2) : رغم الحياة السهلة الرغدة التي يعيشها سالم مطر النيادي وهو يناهز الخامسة والثمانين من عمره الا انه لا يزال يعيش في الزمن الجميل الذي عاشه في الماضي بكل تفاصيله حتي انه انشآ لنفسه (عريشة)، مقابل الفيلا التي يسكن فيها اولاده واحفاده وفرشها كما كانت تفرش في الماضي بكل دقائقها وعلى بعد مترين اشعل النار لاعداد الشاي على الفحم تماما كما اعتاد في سنوات عمره الطويل ولم تلهه تكنولوجيا الحياة ولم تأخذه من بساطة ماضيه الذي عاشه ولا يزال يحاول الحفاظ عليه رغم التغييرات التي شهدتها الحياة من حوله.. يشعر انه جذر من جذور الارض التي لا تموت ولا تتغير مهما تغير الطقس الخارجي من حوله. في مسكنه بمنطقة النيادات استقبلنا عم سالم مطر النيادي وابن عمه الذي يقاربه في العمر عم علي بن عبد الله النيادي والذي يتمتع بذاكرة قوية نسبيا عن ابن عمه الطاعن في السن والاثنان من ابناء قبيلة النيادات التي سكنت المنطقة التي سميت باسم قبيلتهم ونسب المكان والارض الى القبيلة التي يزيد عمرها في منطقة النيادات بالعين ما يزيد على ثلاثمائة سنة كما يقول عم سالم الذي يذكر ان جده كان يقطنها وان جده بدوره كان يحكي لهم عن جده وهكذا الى ما قبل ثلاثمائة سنة على الاقل. فترة الشباب يحاول عم سالم ان يتذكر بصعوبة فترة شبابه فيضحك ضحكة خفيفة وهو يؤكد انه كان شابا قويا لا يخاف الوحوش او قطاع الطرق وانه كان يهوى صعود الجبال خاصة جبل حفيت الشاهق والذي كان يحيط بالعين كلها كأنه يحرسها او كأنه شرطي طبيعي وهبته الطبيعة لابناء العين ليصد عنها غارات من يتربص بها او باهلها, ويذكر انه كان من قبيلة لها اسموها بين القبائل التي كانت تجاورهم واشهرها قبيلة المناصير وقبيلة العوامر والشامسي والنعيمي وغيرهم من القبائل التي تفرعت وكبرت وانتشر ابناؤها في كل ارجاء الوطن يقول: اجمالا كان الزمن الماضي صعبا جدا.. لا يمكن ان يحتمله ابناء هذا الزمان ولكنه كان مع ذلك زمانا جميلا طيبا كان كل الناس قد يعيشون كأسرة واحدة, كانت الرحمة بينهم هي القاسم المشترك وكانت العلاقات الانسانية وثيقة جدا بعكس هذه الايام رغم انها ايام سهلة وكل شيء متوفر وليس من الصعب على اي انسان تحقيق ذاته, فالدولة لها اسمها والمواطن له حقوقه الثابتة والمدارس من كل ركن من اركان الوطن في المدينة وفي القرى وفي الصحراء وعلى الجبال واسفلها لقد تغيرت الحياة تماما في بلادنا وحدث فارق كبير بين الماضي والحاضر وكان نقطة التحول في وطننا هو زايد حفظه الله ولا أبالغ ان قلت انه كان نقطة مهمة في بحر السياسة العربية والعالمية وشد اهتمام وانظار العالم في أكثر من مناسبة واكثر من موقف. ويستطرد عم سالم قائلا تزوجت في مطلع حياتي وكان عمري لم يتجاوز العشرين بعد ورزقت بولد لكنه توفى وانفصلت عن زوجتي الاولى ثم بقيت بدون زواج لاكثر من عشرين سنة اخرى لاعول اخواتي واسرتي قبل ان اتزوج وانا في الاربعين من عمري مرة اخرى ورزقني الله بسبعة من الابناء منهم مطر الذي يجلس بجواري واشار الى يساره حيث يجلس ابنه الذي يعمل بالقوات المسلحة ويبلغ من العمر اثنين واربعين عاما واستطرد وهو يهم بحمل حفيده من ابنه مطر والذي لا يتجاوز عمر ثلاثة اعوام ويصر دائما على ان يقدم القهوة العربية لجده بنفسه, قائلا صاحبت والدي وانا طفل صغير بعد ان بلغت السابعة في اسفاره الى دبي والشارقة وهي مسافات طويلة بمقاييس زماننا فكان ادبي يحمل بعيره (السخام) والحطب وينضم لبقية افراد القبيلة لتتكون قافلة من عشرة الى عشرين جملا وتأخذ طريقها عبر دروب الصحراء المجهولة بالنسبة لي كطفل آنذاك وكانت القافلة (تتوخ) في الطريق الذي كنا نقطعه في سبعة ايام ذهابا وسبعة ايام ايابا اكثر من مرة للتزود بالماء والطعام او تناول الطعام واحيانا الاستحمام قرب العيون والآبار التي كانت تصادفنا في الطريق وكانت القافلة تبقى عدة ايام في دبي والشارقة قبل ان تعود وكانت تعود محملة بالدقيق والارز والشعير واللبن والسكر واحيانا بعض الفاكهة وكانت الرحلة دائما محفوفة بالمخاطر حتى بعد ان كبرنا واصبحت اشارك في هذه القوافل وانا شاب كان لابد من التسلح (بالصمعة) قبل الرحيل بسبب كثرة قطاع الطرق وقد حملتها قبل ان ابلغ الرابعة عشرة من عمري فقد كانت اساسية وضرورية لكل فتى ولكل بدوي يعيش في الصحراء لكثرة الوحوش وايضا لكثرة قاطعي الطريق من اللصوص, وكان هذا امراً طبيعياً بسبب قسوة الارض وقلة الرزق وشح المياه. تجارة الحطب ويضيف عندما كبرت عملت مع والدي في قطع الحطب من الجبال وصناعة (السخام) وكان والدي يضعه في حفرة بطريقة معينة ثم يشعل النار في جانب من هذه الحفرة ويتركها وقت طويل حتى تحترق بشكل غير كامل ثم يأخذه من الحفرة في الصباح وبعد ان تكتمل معه حمولة تكفي للذهاب الى دبي يحمل كيسين او ثلاث على ظهر البعير ثم تبدأ الرحلة التي ذكرتها سابقا الى دبي.. وعندما كنا صغارا او في الوقت الذي كنا نختلف فيه عن الرحلة كنا نجلس على قمة الجبل في اليوم السادس لنرى طلائع القافلة اثناء عودتها من الرحلة وعندما تظهر البوادر كنا نهبط قمة الجبل وننطلق الى مضارب القبيلة نزف البشرى.. ويواصل.. سهرة على ضوء نار الفحم كانت السهرة تبدأ بعد المغرب على ضوء نار الفحم والمواقد التي تصنع عليها الشاي وحديث السمر, النساء في ناحية والرجال في ناحية اخرى.. كل مجموعة تروي عن ما شاهدته او ما عاشته في يومها وكان افراد القافلة يعودون بحكاياتهم مع التجار ومع لصوص الطريق لانهم كانوا دائما يسيرون في الليل وحتى اليوم الاخير قبل ان تتوقف رحلات القوافل كانت تسير في الليل نظراً لشدة حراره الشمس نهارا وطول الرحلة وكان كل فرد في القافلة لابد وان يحمل بجانب (صمعته) خنجرا وحزام الرصاص قبل ان يخرج من مضارب القبيلة.. هكذا كان العرف قبل ان تقوم الدولة في السبعينيات وتنتظم الحياة وينشئ زايد الجيش والشرطة والنيابات والمحاكم, لقد غير زايد وجه الحياة تماما على ارضنا فنحن حتى اليوم لا نصدق ان الحياة تغيرت الى ما عليه الآن, اشعر وكأننا في حلم لم يحرمنا الشيخ زايد من شيء لقد حقق لنا ما كان يعد حلما بالنسبة للأولين. مهر زواجي هل تصدق انني في زواجي الاول دفعت مهرا لوالد زوجتي بندقية وذبيحة!! واليوم يدفع الشباب مهراً ومصاريف زواج وذهب وملابس للعروس فضلا عن الفرح ومظاهر العرس الغريبة التي تحدث الآن مبالغ قد تصل الى ربع مليون درهم ويستعيد (عم سالم) ذكرياته عن ماضيه فيقول كنت اتميز بالجرأة وحدث اكثر من مرة ان ذهبت من العين الى دبي على قافلة من 6 مطايا لبيع السخام وشراء القماش ومستلزمات البلدة وبحكم ان بلدتنا في طريق وسط بين العين وابوظبي اذكر ان الشيخ زايد لم يكن ابدا يمر على النيادات دون ان يزورنا, كان لا يترك صغيرة ولا كبيرة وكان يساعد الفقير ويشارك الجميع فرحهم وحزنهم, لقد كان ايضا شابا رائعا. ويمسك ابن عمه علي بالحديث قائلا ايام القنص كان الشيخ زايد يمر علينا دائما فقد كان يحب الصيد في منطقتنا التي كانت مليئة بالحبارى والصقور, وعندما كنت شابا كنت جنديا في قوات ساحل عمان وحاربت ضد الانجليز وكان الانجليز لهم ميزة واحدة في علاقتهم بنا وهي احترام ديانتنا واحترام وقت الصلاة حتى ان القائد كان ينتظرنا ان ننهي الصلاة قبل ان يتحدث معنا ولكنهم كانوا يمنعوننا من الخروج عن دائرة محددة وكانوا يصادرون اية ممتلكات او اشياء يلمحونها معنا وكنت املك رشاشا واجيد استخدامه واكثر من مرة صاحبت الشيخ زايد في رحلاته عبر البر وعبر البحر وعبر الجبال وكان هذا الرجل يحب احترام المواعيد وكثيرا ما كان يغضب بشدة اذا لم يلتزم احدا من اصدقائه او اتباعه بمواعيدهم وكان شجاعا جدا.. لا يهاب الوحوش التي كانت تملأ الجبال والصحاري. ويضحك (عم سالم) وهو يلتقط الحديث مرة اخرى من ابن عمه علي وهو يتذكر حكاية احد اصدقائهم الذي هوى في الطوي مرتين وانقذ ولا يزال يرزق حتى هذه اللحظة وقال انه بعد ان انقذ من طوى (اليازله) قال ان شخصا طعنه والقى به في الطوى ولكنه سبح حتى سمع السابلة صوته وانقذوه.. وبعدها طاح مرة اخرى ولكن من طوى غيرها وايضا انفذه الناس وهكذا كتبت له الحياة مرتين وما زال يحيا حتى يومنا هذا. رمضان زمان وقال ايام رمضان هذه تذكرنا برمضان في الماضي عندما كنا نفرح لقدومه وكنا نشارك جميعا في استطلاع هلاله وذات مرة ركبت جبل حفيت (وحيدت) الهلال وكنت فوق ظهر جمل وهرعت الى القبيلة ابلغها بقدوم رمضان فترسل القبيلة شخصا للقبيلة المجاورة ويبلغها بقدوم رمضان وبالتالي يخرج احدهم ليبلغ القبيلة التي تجاورهم وهكذا حتى تعلم كل القبائل بقدوم الشهر الكريم ويبدأ الصوم.. وكنا نشترك جميعا في افطار واحد يكون من اللحم (والعيش) هما المكون الاساسي له وبعدها يبدأ السمر ثم ننام ونقوم قبل الفجر لتناول السحور وصلاة الفجر ثم البدء في اعمالنا ولكن باختلاف الحياة اختلف الاحتفال برمضان وحتى العيد حيث كانت تفرح الاطفال والصبايا فرحا شديدا وتلبس ملابسها الجديدة ويتعطرن ويغنين طيلة النهار وكان ابي يعطيني كل عيد (ورشو) وهو العملة التي كانت في ذلك الوقت واستخدمها اهل المنطقة قبل مئة سنة وبهذه المناسبة يذكر عم سالم أنه ذات مرة طلب منه احد التجار بدبي توصيل كيس مليء بالنقود الى تاجر آخر بالبريمي واشار عليه البعض بالاستيلاء عليها نظرا لضخامة المبلغ لكنه كما يقول ابي وقال انها امانة والعربي المسلم لا يخون من ائتمنه وعندما اوصلته اعطاني التاجر نصف كيس ارز اجرة لتوصيل المبلغ.