احترت فى تخيل صورتك يا صاحبي. هل أنت ضخم قوى الجسد تضرب بيدك على الأشياء فتنكسر, أو أنك مثل صاحبى الذى عرفته فى زمن الصبا رقيقا لطيفا فإذ به يصبح فى قائمة أول عشرة إرهابيين فى العالم. أنا فى حيرة ياعزيزى محمد. ورغم أننى من جيل ينتمى الى الكلمة لا إلى الصورة الا أننى انشغلت بصورتك. ولما لم أصل إلى نتيجة فلم يصفك أحد حتى الآن, بل لا أعلم إذا كان لك وجود أم لا, قررت أطلب منك صورتك. وخيل إلي أننى بهذا أعدل الأشياء وأضع العربة أمام الحصان. فإذا استجبت وحتى إذا رفضت فأنت فعلا محمد عمر الحرازى الذى يتحدثون عنه, وأنت آنئذ شخص حقيقى ولست وهما من الأوهام. وصدقنى أن هذا يعنى لك الكثير. فمنذ 13 أكتوبر الماضى أى منذ نحو شهرين ونحن نسمع كلاما غامضا عن مفجرى المدمرة الأمريكية (كول). بدأت التناقضات بأنه لا عمل إرهابى والحمد لله. وإن الانفجار حادث بلا سبب فى أجهزة المدمرة. وهذا التفسير أطاح بالكثيرين منهم قائد القوات البحرية اليمنية الذى قال ماقالته الحكومة اليمنية من أن الدلائل تؤكد أن سبب انفجار المدمرة هو بنسبة 99% من أجهزة التموين. ليس فقط هذا ياعزيزى محمد, فقد طارت هنا وهناك الاتهامات الغامضة, ومن بينها أن الذى خطط للعملية كان مصريا. لم يذكروا اسمه. لكننى وجدت نفسي ـ اعتذر عن ذلك ـ احس بالفخر. ليس بالطبع لأننا نسفنا المدمرة, فأنا لا أضع نفسى فى موقف كهذا. وأخشى أن تنتقم القوة الأعظم من الذين فرحوا بنسف المدمرة وهم كما نعرف ملايين. لكننى أحب أن يكون للمصريين دور فى أى شئ مثل هذا ولا أظن أن هذا يسلب شرف الفضل من الآخرين وأنت منهم ياعزيزى محمد لعلك لم تكن تعرف الفوضى التى صاحبت الاتهامات, ولعلك تعرفها أكثر منا, فهم يقولون احيانا ان المتهم هو محمد عمر الحرازى أى أنت ياعزيزى محمد. ولكى أنقل لك صورة عن هذه الفوضى قلت ما قلته الآن, ونعود بعده إلى مطلبى الملح وهو الحصول على صورة لك. أنا لا أريد هذه الصورة لكى أنشرها فى الصحف, وربما كانت سبقا صحفيا تناقلته وكالات الانباء. أعدك الا أفعل هذا, فأنا لا أبحث عن السبق أو الفائدة. أنه يا عزيزى محمد هو الفضول. فلقد قرأت مثلا عنك فى (البيان) عدة مرات, وفى كل مرة كان الأمر يتوقف عند اسمك الكريم وأحيانا يضاف إليه سطر أو سطر ونصف السطر. وهذا مالا يشفى غليل أحد. فأنت عندما نسفت المدمرة الأمريكية على ما يقولون كنا نعانى صلف العدوان الاسرائيلى على أطفال فلسطين. كنا نشاهد التلفزيون ونقرأ الصحف, ونحس بالعجز التام. نستنجد بالجميع. ونجد الجميع مثلنا عاجزين, من القمة العربية الى الجامعة العربية الى المؤتمر الاسلامى الى الأمم المتحدة. واتحدى وأشك أنك توافقنى ياعزيزى محمد لو كانت هناك دراسة جادة أن عدد المواليد بعد تسعة أشهر على العدوان الاسرائيلى هى النسبة نفسها! وفى هذه الحالة التى خجل فيها الإنسان العربى من نفسه, جئت أنت ياعزيزى محمد ونسفت المدمرة الأمريكية كول. وفى البداية لم يصدقوا. ولهم الحق. فنحن أنفسنا لم نصدق. وأخذ الجميع يبحث عن تفسير يدور غالبا حول خلل الأجهزة. ولكن الامر ـ هكذا ظهر ـ لم يكن كذلك وكان هناك من فعلها قالوا ان اسمه محمد عمر الحزازى, وأنا لا أعرف مدى صدقهم, فلقد تخبطوا كثيرا. ولكننى منذ الآن وإلى نهاية عمرى سأحنى رأسى لمحمد عمر الحرازى حتى ولو كان وهما من صنع اخطاء المحققين. فى تلك الليلة التى سمعنا فيها خبر نسف المدمرة, انتشينا ولتسامحنا أمريكا العظمى, فليس الخطأ خطأنا, وليس من أخلاقنا أن نتشفى فى أحد, ولكن أطفالنا فى فلسطين قتلوا برصاص أمريكى. وعقولنا لا تستطيع أن تقتنع بأن من داس على الزناد اسرائيلى. وأن هذا يبرأ الأمريكان. فى تلك الليلة ياعزيزى محمد أظن أن الفحولة عادت مرة أخرى الى الرجال العرب. وفكت النساء شعورهن. وأظنك مسئولا عن زيادة النسل بعد 13 أكتوبر. وبدأت ياعزيزى محمد تصبح موضوعا لأحاديثنا. ولا أقصدك بالذات. فأنا لا أعرف حتى الآن إذا كنت شخصية حقيقية. وحتى إذا كنت شخصية حقيقية فهل أنت الذى قمت بماحدث, وكم دورك فيه. ولكنك أصبحت الرمز. أذكر أثناء حرب التحرير فى الجزائر أن تسربت أحدى قصص التعذيب لنساء جزائريات منهن جميلة بوحريد وكان جمال عبدالناصر ظهير الثورة الجزائرية. والتقط الاعلام الناصرى قصة جميلة بوحريد. فأصبحت الموضوع الرئيسى فى الاذاعة والصحف. وتحولت الى ديوان شعر شارك فيه كبار الشعراء, والى مسرحية كتبها عبدالرحمن الشرقاوى وإلى فيلم مثلته ماجدة. وعندما سألت صديقا جزائريا آنئذ عن جميلة بوحريد أبدى دهشته فهو لا يعرف هذا الاسم. لا أقول ياعزيزى محمد أننا نصنع منك مجرد رمز. لكننا فى الحقيقة نحترم دورك مهما كان. وحملة الاعلام الناصرى عن جميلة بوحريد اسهمت بنسبة ما فى تحرير الجزائر. أعود وأقول أن الفضول يدفعنى لأن أعرف كيف أنت. هل أنت طويل القامة أو قصيرها. وسيم أو مثلنا. ضخم. أو ضئيل. أعرف طبعا أن الصورة لا تكفى. والصورة المنشورة الى جانب هذا الحديث لا تعبر عن كاتبها, وعندما قابلت الأستاذ خالد محمد أحمد لأول مرة تفرس فى وجهى وقال: لكنك لا تشبه صورتك التى ننشرها مع مقالك. وتوقعت من هذا أن يغير الصورة. فلما لم تتغير الصورة خطر على بالى أنه يبحث عن كاتب صورته تشبه الصورة المنشورة. وحتى ذلك الحين أحس أن وجودى فى (البيان) مهدد. لكن هذا ليس موضوعنا. عزيزى محمد أكتب هذه السطور وحولى صور جمال عبدالناصر, وجيفارا وغيرهما من الثوار, وأتمنى أن أضيف الى هذه الصور صورتك. وقبل هذا وبعد هذا أتمنى من أمنا أمريكا أن تغفر لنا خطايانا.