بيان (2): قرب البحر كنا نعيش ولم نغادر عرائشنا خوفا من قلة الارزاق وحينما جاء زايد الخير تبدل كل شيء واصبح لدينا المساكن والمزارع والرزق الوفير. هكذا بدا الشيبه خميس الرميثي مستشار التراث بنادي تراث الامارات يروي شريط حياته وذكرياته الذي يمتد حتى بلوغه شاطىء الثمانين من العمر الطويل وتركنا نقف معه في محطات عديدة من هذه الرحلة الشيقة وكانت محطة البداية لصفحات ذكرياته مع المغاصات او كما يطلقون عليها في عالم الغوص واللؤلؤ مصنع الرجال الاشداء. * كيف صنعت مهنة الغوص رجالا لا يعرفون الياس؟ ويقول: مهنة الغوص وصيد اللؤلؤ من اعرق المهن التي كانت مصدر الرزق للكثير من سكان أبوظبي وامارات الدولة وكانت تذهب للمغاصات سفن كثيرة وفي أبوظبي ودبي كانت اغلب المغاصات فعندما كانت سفن الغوص تخرج من راس الخيمة وام القيوين والفجيرة في طريقها الى مغاصات اللؤلؤ كانت ترسو السفن في ميناء دبي ويشرع البحارة في تجهيز سفنهم بما تحتاجه من الزاد والمؤن وكذلك تزويدها بما يحتاجه البحارة من معدات لوازم كالحبال وكل هذه التجهيزات كانت تحتاج الى عزائم قوية لرجال اشداء لهم القدرة على الصبر والتحمل وعدم الياس والبقاء بالمغاصات شهورا بحثا عن اللؤلؤ والارزاق. مخاطر ومشاق ويسكت هنيهة ثم يمضي قائلا: لقد كانت المخاطر او المشاق تحيط بمن يعمل في مهنة الغوص فقد كانت مرحلة التحضير لرحلة المشاق والمخاطر رحلة الغوص وكان موسم عمل الغواصين يبدا عادة في الوقت الذي تصبح فيه مياه الخليج دافئة ويستمر موسم عملهم لمدة تزيد على اربعة أشهر تقريبا حتى دخول فصل الشتاء وكان تاريخ بدء موسم الغوص يختلف من سنة لاخرى وخاصة اذا دخل شهر رمضان في بداية موسم الغوص او الفصل الحار ففي هذه الحالة يتاخر ذهاب السفن الى عرض البحر حتى انتهاء هذا الشهر الكريم. رحلات الغوص ويضيف كانت الرحلات تمتد من نهاية شهر مايو حتى سبتمبر واثناء هذه الفترة الطويلة التي تقضيها السفن في المغاصات قد تعود بعض سفن الاسطول الى الميناء الذي خرجت منه مرة او مرتين ولفترة قصيرة للتزود ببعض الحاجيات التي قد يحتاج اليها الغواصون اثناء رحلتهم كما ان كثيرا من سفن الغوص كانت تتردد على سواحل جزيرة دلما لاخذ مياه الشرب منها وكان التحضير لرحلات الغوص ذاتها يتطلب ترتيبات على الشاطئ حيث يجري اعداد (المحمل) وهو المركب لرحلة الغوص ويتم دهانها بالصل (زيت الحوت) وغيره من الشحوم والدهانات والزيوت وكذلك يتم اعداد ادوات الغوص وتزويد المركب بانواع مختلفة من الحبال والاوعية اللازمة والمجاديف كما كان يجري تزويد السفينة بالماء والزاد الكافي لغذاء العاملين على المركب اثناء الرحلة وكان ينتهي كل ذلك عندما يصبح المركب جاهزا لرحلة الغوص الطويلة سعيا وراء جلب الارزاق. اختيار الغواصين * ونستوقف شريط ذكريات الوالد خميس الرميثي ونسأله كيف كان يختار النوخذة الغواصين؟ ويقول: عندما يتم الاعلان عن قيام رحلة غوص يتقدم الرجال الذين يرغبون في المشاركة في رحلة الغوص هذه ويوقع معهم النوخذة (بروة) اي عقد ويعطيهم شيئا من المال لشراء احتياجاتهم واحتياجات عائلاتهم بشكل يكفيهم حتى يعود الغواص من رحلة الغوص وكان اهل الغواصين يجهزون لهم ما سوف يحتاجون اليه في رحلتهم الطويلة وعندما تحين ساعة الرحيل يرتفع علم اسود كنا نسميه (النوف) وتخرج الديرة كلها الصغار والكبار لوداع هؤلاء الذاهبين الى المغاصات ويدعون لهم بالسلامة والعودة بالرزق الوفير وعادة ما يتكون طاقم المحمل من عشرين غواصا وعشرين اخرين يكونو جالسين وعدد مماثل لهم من الرجال يطلق عليهم (سيب) اي مساعد الغواص بالاضافة الى (النوخذة) ومساعدة (المقدمي) ومع اذان الفجر يستقيظ جميع على ظهر سفينة الغوص للصلاة ويتناولون التمر والقهوة وبعد طلوع الشمس يبدا الغوص. الغوص في الاعماق * كيف كانت تتم عملية الغوص؟ ويقول: ينزل الغواص من المحمل ويظل على سطح الماء ويضع على انفه فطاما وهو يشبه الملقاط حتى لا يدخل الماء لانفه ويؤذيه وعن خروج الغواص من الماء يرفع الفطام حتى يستطيع التنفس وعند نزول الغواص الى القاع يربط باحدى رجليه حجرا ليسرع به الى القاع فاذا وصل للقاع نزع الحجر من رجله ويقوم السيب بسحب الحجر بواسطة حبل يسمى (الزيبن) ويصحب الغواص معه (الديين) وهو عبارة عن السلة المصنوعة من حبال الكمبار او القطن وبها علقة ويضعها الغواص في عنقه ليجمعوا بها المحار ويكون الغواص مربوطا من وسطه بحبل يسمى الجداء والسيب يمسك به من الماء وعندما تصله الاشارة يقوم بسحب الغواص. التعاون والصبر ويتنهد الشيبة خميس الرميثي تنهيدة طويلة ثم يمضي قائلا: لقد تعلمنا من هذا كله التعاون والصبر وعدم الياس في مواجهة المخاطر فكثيرا ما انقطع نفس الغواص وهو بقاع البحر او في المنتصف فيخرج من البحر غائبا عن الوعي ويضيف: نعم ان الهيرات (المغاصات) التي جلبنا منها اللؤلؤ كانت عميقة ومهمتنا في البحث عن المحار شاقة خاصة ان الغواص فرصة نجاته فقط بحبل زميله السيب وربما يغفل السيب عنه فتحدث مخاطر عديدة للغواص لذلك كان للغواص مكانة مميزة فهو الذي يباشر استخراج اللؤلؤ من قاع البحر وكان والغوص يلقى اهتماما كبيرا وسط اهل الديرة ويشترط في الغواص ان يكون قوي البنية خبيرا بالقاع وما به من اخطار وكيفية تفاديها لذلك كان الغواصون لهذه المكانة يؤدون عملا خطرا جدا فقد كانوا يتعرضون للاسماك والحيوانات البحرية الاخرى المؤذية وكثيرا ما كان يرى الغواصة الجرجور في قاع البحر وعندها يلجا الى حيل كثيرة للهروب من سمك القرش المفترس. الجرجور ويضيف الشيبة خميس الرميثي: كان يطلق على الغواص الماهر لقب (الجرجور) لذلك كان النواخذة يتنافسون ويحاولون جذب هؤلاء الجراجير او الغواصين الماهرين للعمل في مراكبهم ورغم مخاطر هذه المهنة فقد كان اجرها بسيطا لا يتعدى بعض روبيات وكيس رز وسكر وادوات للغوص. * هل كان فريق المحمل يتكون من الغواص والسيب والنوخذة فحسب؟ ويقول: كان فريق الغوص يتكون من النوخذة وهو صاحب الامر والنهي وهو الذي يقسم الارباح على الغواصين وفي بعض الاحيان كان النوخذة هو صاحب السفينة وباحيان اخرى يعمل النوخذة لدى صاحب السفينة اما الغواص فهويقوم باشق الاعمال وهو الغوص تحت الماء معرضا نفسه للاختناق ويعاونه في عمله (السيب) وهو الذي يقوم بجر حبال الغواصين وسحبهم من المياه ويراقبهم اثناء الغوص وهناك (المقدمي) وهو الشخص الذي يتولى امور المعيشة على ظهر السفينة واما (الرضيف) فهو الذي يقوم بمساعدة الغواص وتوجهنا اليه بالسؤال: كيف كانت سفن الغوص تهتدي الى المغاصات؟ ويقول: كنا نصل الى مناطق الغوص (الهيرات) بواسطة اله اسمها (الديرة) وهي بوصلة كبيرة نعرف منها مواقع النجوم وكنا نصل الى المغاصات ومن اهمها دلما حيث كانت السفن تاتي اليها من كل دول الخليج. ادوات الغوص ويوضح الوالد خميس الرميثي بأن عالم الغوص كان لا يعرف الاستيراد لادواته فكان رجال الغوص يستعملون ادوات يدوية مصنوعة بالكامل محليا بالديرة! ويتحدث عن هذه الادوات ويقول: من اهم ادوات الغوص (الفطام) ويثبته الغواص على انفه عندما ينزل الى البحر ليمنع تسرب المياه الى انفه (والخبط) ووصيفته حماية اليدين اثناء جمع المحار و(الديين) وهي سلة من الخيوط القطنية لجمع المحار والزيبن وهوحبل تربط فيه حصاة من الحجر او الرصاص ويجعلها الغواص بقدميه لتسهيل نزوله للقاع وكذلك (الجداء) وهو حبل يربطه الغواص الى وسطه لرفعه عند الانتهاء من عمله وهناك (الشمشول) وهو لباس الغواص لدى نزوله البحر. القعدي وكان في عالم الغوص وظائف عديدة ومن بينها وظيفة القعدي ويحدثنا الوالد خميس الرميثي عن هذه الوظيفة قائلا: الجعدي او القعدي هو الشخص الذي يحل محل النوخذة ونصيبه من حصيلة الغوص مثل نصيب النوخذة والغواص وكان النواخذة يستشيرون الجعدي ويعتبرونه كاتم اسرار وغالبا ما كان النوخذة يتخذ القعدي الخاص به من اشقائه او ابنائه او اقاربه ويحل محل النوخذة اذا غاب ويجب ان يكون عارفا باماكن المغاصات (الهيرات) وسمعته حسنة لدى الغواصين وكلمته مسموعة لديهم وسالنا: وماذا عن التباب والنهام؟ ويقول: هذه وظائف صغيرة بالمحمل فالتباب هم اطفال صغار يقومون بالاعمال البسيطة مثل تقديم القهوة والماء وغسل الاواني والنهام مطرب المحمل الذي يقوم بالقاء الاهازيج للترفيه عن البحارة اثناء رحلة الغوص بناء السفن * هل عملت في مهن اخرى سوى مهنة الغوص والبحث عن اللؤلؤ؟ ويقول: نعم عملت بالقلافة وهي مهنة صناعة السفن وكنا نطلق على صانع السفينة قلافا والقلافة مهنة شاقة للغاية تتطلب مجهودا بدنيا كبيرا وهناك موسم كان يزدحم فيه القلاليف وهو موسم القيظ اي ما بعد الغوص حيث يتم العمل على اصلاح السفن وترميمها وقد صنعنا محامل وسفنا حملت الغواصين والنواخذة الى المغاصات وسواحل الخليج العربي والهند وكنا نصنع سفنا كثيرة مثل البوم والجالبوت والسنبوك والشوعي واتمنى ان يتعلم ابناؤنا بعضا من مبادىء واخلاقيات وفنون هذه المهنة ضمن مادة علمية يتم تحضيرها من قبل الجهات المختصة لتدريس التراث ويتساءل: لماذا نستحي من تطوير مهنة القلافة رغم انني اعلم ان هناك ورشا مازالت تقوم بصناعة سفن الغوص والاسفار القديمة؟ ويضيف: كنا نصنع سفينة تجمع اوزانا كبيرة من البضائع والغيصه والافراد دون ان نحتاج الى الات كبيرة مثل المصانع الحديثة ويتابع الشيبه خميس الرميثي: لقد عملت بمهنة اخرى كالصيد والزراعة واهمس في اذن ابنائي لا تستحوا من مهنة الصيد واقول لهم ان هذه المهن هي مهن ابائكم واجدادكم فعليكم ان تقوموا بتطويرها ولاتديروا ظهوركم لها ويكفي فخرا لجيلنا انه كان يعمل بيديه ولا ينتظر مثل جيل اليوم كل شيء لياتي مصنوعا وجاهزا من الخارج!! لا ديون * ونتوجه الى الشيبه خميس الرميثي بالسؤال التالي: هل كان الفريج ايام زمان يعرف الديون اوما يطلق عليه اليوم بالقروض؟ ويسارع بشكل تلقائي بالاجابة: ابدا ابدا نحن لم نعرف القروض ولا الديون وانما عرفها ابناء اليوم الذين لا يرغبون ان يعيشوا حسب دخولهم وياخذون قروضا كبيرة من البنوك ويعجزون عن سدادها وانصح كل واحد من هؤلاء الذين ياخذون قروضا من البنوك بان يعيشوا كما كان افراد الفريج يعيشون ايام زمان على مقدار ارزاقهم. زواج اليوم والامس * ما رايك بزواج اليوم من حيث التكاليف والتجهيز؟ ويقول: الزواج ايام زمان كان لا يكلف شيئا فكان بالامكان ان نتزوج بروبيات بسيطة ونبني عرائش الزوجية بايدينا ولا تكلف شيئا ورغم التكلفة البسيطة لزواج الامس الا انه كان يقوم على الحب ويعمر العمر كله ويستمر ويصمد في وجه الشدائد والازمات التي قد تتعرض لها الاسرة لغياب الزوج او موته او اصابته في احدى رحلات الغوص واما اليوم فالزواج لدى بعض الشباب مثل شراء السيارة الفاخرة يكلف كثيرا جدا واسمع عن زيجات صرف الزوج عليها كثيرا حتى تتم ولكنها لم تعمر وانفصل الزوجان بعد ايام. مجالس رمضان وتمثل مجالس الفريج في رمضان احدى السمات البارزة لمجتمع عالم الغوص واللؤلؤ وعن هذه المجالس يتحدث الوالد خميس الرميثي ويقول: كان الفريج يعرف بعضنا بعضا ولا يتخلف احد عن حضور المجلس وخاصة رمضان وكنا نتحدث في مجالسنا بكافة امور حياتنا ويسال الجار عن جاره والحاضر عن الغائب ونبحث عن حلول لاحد المشاكل التي قد يتعرض لها ابن من ابناء الفريج والحمد لله مجالسنا كانت دائما عامرة ويسودها الاخاء والتراحم والتعاون فيما بين ابناء الفريج على حل مشاكلهم ورغم قلة الاوزان بالماضي الا انه لم يكن بين ابناء الفريج فقير ولا محتاج. ويصل الشيبه خميس الرميثي الى اخر محطة بذكرياته ويتحدث عن النعمة الكبرى التي منحها الله عز وجل لابناء الامارات وهي تولي صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة مقاليد الحكم ويقول: جاء زايد الخير فكثرت الارزاق ومنح ابناءه المواطنين كل شيء ولم يبخل علينا بالمال ولا بالعلم ووفر لنا المسكن, المعاشات, المزارع, المدارس والعلاج بل منح الشباب منحة الزواج حتى يساعدهم على الاستقرار فنسال الله له العمر الطويل.