بيان (2): منذ عشرين عاما أو أكثر وأنا أقرأ يوميا ( لست من أنصار نظرية المؤامرة ولكن.. ) وهكذا أصبحت نظرية المؤامرة سيئة السمعة كما لو كانت امرأة ضبطت للمرة العاشرة مع أحد عشاقها وأصبحنا جميعا نتنصل منها ونخاف أن نتهم بها. وحتى عندما نلمح ظلال مؤامرة نتحفظ مؤكدين أننا ضد نظرية المؤامرة. والاتهام بأنك معجب بنظرية المؤامرة يؤكد أنك تلقي على المتآمرين كل أسباب التخلف التي نعانيها. واعترف أنني من المؤمنين بنظرية المؤامرة عكس كل الذين قرأت لهم خلال عشرين عاما. انتظر ردود فعل عن قادة هذا الكلام , سترتفع حواجب , وتدهش عيون ويبدو الامتعاض . منها هو واحد متخلف من العصر الشمولي يؤمن بنظرية المؤامرة في حين أنك لو عشت الف عام لن تجد أكثر براءة من امريكا, فهي تعاملنا والحمد لله بأمانة وصدق ولا تضع سيناريوهات تغرقنا في الوحل فلا نستطيع الوقوف على أقدامنا. وبريطانيا عندما تركت بلاد العرب تركتها راضية بعد أن أدت مهمتها في المنطقة , وقدمت لها الحضارة على طبق من ذهب . قبل بريطانيا لم نعرف السيارة والطائرة والراديو . حقا قبل احتلال بريطانيا للمنطقة لم تكن هذه الأشياء موجودة ولكن من الذي ادخلها في النهاية؟ اليست بريطانيا! وليس صحيحا أن بريطانيا أرسلت موظفا من الخارجية ليلتقي مع نظير له من الخارجية الفرنسية ليجلسا ويضعا سيناريو للعالم العربي مازال مستمرا من بدايات القرن الى الآن. وكل ما نحن فيه إلى ساعة تاريخه هو نتيجة اتفاق سايكس بيكو السري الذي غدر بالعرب في أحلامهم بالاستقلال والوحدة والخطة أو المؤامرة تمت مع خطر الحرب العالمية الأولى التي كانت بين بريطانيا وفرنسا من جهة وألمانيا من جهة أخرى . وكانت تركيا حليفا لألمانيا مما وضعها في جبهة الاعداء, وأهل الحلفاء أن يتآمروا عليها بنزع المنطقة العربية من الامبراطورية العثمانية. وكان جزء من الخطة أو المؤامرة إنشاء دولة عبرية في فلسطين تشهد العالم العربي وتعزل مصر عن سوريا. وبسبب هذه المؤامرة مازلنا فيما نحن فيه إلى الآن ولأن الاحاديث في السياسة ثقيلة الظل , سأنتقل بك إلى قصة طريفة من التاريخ , ولكنني أجد في نفسي هوى شديدا للرجوع معك إليها . ففي أول القرن السادس عشر بدأ غزو العثمانيين لمصر وهو الأمر الذي غير خارطة المنطقة لعدة قرون . ولم يكن سهلا على السلطان سليم بجيوشه الهائلة أن يدخل مصر , ولكن ساعده على ذلك خيانة بعض المماليك. لم يعد للمماليك . عادة ولاء لأحد أو لشيء فهم يختطفون منذ الطفولة وتدربوا على الفروسية ليكونوا عدة حرب للسلاطين , بدون أسرة ولا أقارب , وبالطبع يعرفون أن الوطن الذي يحاربون من أجله ليس وطنهم. وكان السلطان الغوري حاكم تلك الفترة مختلفا عن غالب المماليك , فدافع عن البلاد وحارب العثمانيين. ولكن بعض المماليك باعوا أنفسهم للسلطان العثماني , وكان منهم خاير بك . وهو من يعنينا الآن . وعندما سقطت مصر واعدم السلطان الغوري , عين السلطان سليم خاير بك نائبا له على مصر أو ملكا على الامراء كما قالوا. وكانت مهمة صعبة , فالناس كرهوا خاير بك واسموه خاين بك . وحاول الرجل ان يقبض على الناس بقوة ولأنه كان ذكيا فلقد لجأ إلى ما يمكن إدراجه تحت نظرية المؤامرة. كان البن قد أخذ يأتي بكثرة من اليمن إلى مصر. توقف الرجل وكأنه عمر بن عبد العزيز وقال : يا للعار اتتسرب الفتن إلى ديننا ونحن لا هون؟ كيف يا خاين بك؟ قال الرجل : البن مخدر والقهوة المأخوذة منه تغيب العقل مثلها في ذلك مثل النبيذ. ولم يكن خاير بك يعرف الويسكي والا كان ضرب المثل به وطلب من رجال الدين اصدار فتوى في الموضوع. وتلكأ رجال الدين ربما لكراهيتهم لخاير بك . وربما لأن بعضهم كان يتعاطى القهوة مثلنا الآن- ولا يجد فيها ما يريب واضطروا أن يطلبوا تجربة علمية ليتأكدوا من تأثير القهوة على الناس. وأتى رجال خاير بك بالقهوة وبشخص جعلوه يشربها وراقبه مجلس العلماء وإذا به بعد قليل تبدو عليه علامات التخدر , ثم يحاول الوقوف يتعثر تعثر السكران , فإذا كلموه تلجلج , وقال ما ينبئ عن غياب عقله. وهكذا ثبت بالتجربـة العلميـة أن القهوة تصنع في الإنسان ما يصنعه النبيذ , وبالتالي فالقهوة حرام, وحدها هو حد الخمر أي ثمانين جلدة. وبدأ رجال خاير بك ينفذون الأمر في جد. لا يدعون رجلا يسير في الطريق إلا ويشمون فمه . فإذا ثبت أنه شرب القهوة جلد ثمانين جلدة في الميدان. أيضا كانوا يكبسون البيوت للتفتيش على البن, ومن كانوا يجدون عنده ولو حبة واحدة يحاسبونه حسابا عسيرا . ومن الطريف أن الناس اخذوا يتحايلون على الأمر السلطاني, فكانوا يخرجون إلى الصحراء خلسة ليصنعوا القهوة ويشربونها. وبالتأكيد تأثر المجتمع بهذا الوضع فرفضت أسر زواج بناتها من شبان لأن هناك من وشى بأنهم يشربون القهوة. وربما وقع رجل في مشكلة فلم يدر ما يفعل فاشترى سرا أوقية من البن , وأخذ يشرب القهوة حتى ذهب عقله ومهما حدث وهو كثير فإن المهم أن خاير بك بفضل هذه الحيلة أمسك البلاد بيد من حديد وكان من الممكن أن يستمر تحريم القهوة لقرن كامل من الزمان, لولا فلان, وفلان هذا لا نعرفه ولا نعرف اسمه, فلقد أسر الى خاير بك بأن البن تجارة رابحة, وأنه لو أباحه لكسب الكثير, وبالطبع كان خاير بك يعرف أن البن ليس مثل الويسكي. ومال خاير بك على العلماء يشككهم في تجربة البن فطلبوا التجربة العلمية . وفعلا أتوا بالبن وبعض الرجال الذين شربوا القهوة , فكانوا مثل الأخرين وافتي العلماء بأن القهوة حلال. وربح خاير بك ثروة كبيرة وزادت قبضته على الناس. ويوم وفاة خاير بك كانت النساء بين مسرورة لأنه غاب عن البلاد وبين حزينة لأنه لم يمت مقتولا أو محسورا ولكن بالتأكيد شرب الناس جميعا في هذا اليوم فناجين القهوة!