بيان (2) : اذا كانت المطربة (احلام) تقول في احدى أغنياتها ان الحب (اكبر مصيبة), فماذا ترى يمكن أن تقول اذن عن الزواج, طالما أن الحب ذاته هو المصيبة؟! يقول أحد الحكماء (يولد الرجال أحراراً.. ولكن بعضهم يتزوجون).., وحتى لا نظلم أحدا فيمكن ان نقول أيضا (تولد النساء (احرارا).. ولكن بعضهن يتزوجن), والذين يقولون عمن تزوج حديثا انه دخل (قفص) الزوجية لم يتجاوزوا الحقيقة كثيرا, ولكننا لا نستطيع تبرئة نواياهم وان ادعوا البراءة, فالقول بأن المقصود بالقفص هو ذلك القفص الذهبي الملون الذي تغرد فيه البلابل والعصافير, قول ظاهره الرحمة وحسن النية, اما باطنه ــ وهو المقصود ــ فلا يعني الا ذلك القفص الحديدي ذا القفل الضخم, والذي لا يفتح الا ليزج فيه المجرمون, او ليخرج منه من قضى مدة العقوبة, او تقرر العفو عنه لحسن سلوكه وتوبته..! عموما.. لم تخطئ (احلام) في قولها ان الحب (اكبر مصيبة), فالمعروف أن الكثير من حالات الحب تضل طريقها الجميل وتجر أصحابها الى (الزواج), ومن هنا استحق الحب ــ بحكم نتائجه ــ ذلك الوصف, باستثناء حالات قليلة يكون فيها المحب (ابن حلال) ونيته طيبة, فينقذه القدر في الوقت المناسب وينفذ بجلده قبل ان (تقع الفاس في الراس), ومن هذا الصنف من الناس كان (قيس) محبوب (ليلى).. و(جميل).. محبوب (بثينة), و(روميو) الذي تدخل القدر في اللحظة الأخيرة لينقذه من زواج محتوم بانتحار (جولييت), صحيح أنه انتحر بعد ذلك, ولكن كما يقولون.. (قضا أخف من قضا)..!! هناك حكمة أخرى لا أدري من هو قائلها, وان كنت اظن أنني أنا صاحبها, الحكمة تقول: (اذا دخل (المأذون) من الباب.. خرج كيوبيد من النافذة)..!, والسؤال الملح الآن هو: هل من الممكن ان يستمر الحب الى ما لا نهاية؟ يعني.. هل يمكن أن يستمر حب قيس لليلى وحب ليلى لقيس إلى الأبد, والاجابة أن ذلك ممكن فعلا طالما ظل ابو ليلى (مزرجناً) ورافضا زواج ابنته المصونة وجوهرته المكنونة من ذلك الشاعر (قليل الادب) الذي فضح علاقته بليلى وجعل رقبة الأب (زي السمسمة) أمام كل ابناء قبيلته ــ ومن يرغب من القبائل ــ وكما هو معروف فقد رفض الأب ثم الخلل العقلي الذي اصاب قيس بسبب هذا الرفض عاملين اساسيين في استمرار الحب وازدهاره, بل وفي شيوع قصة هذا الحب تاريخيا ليصبح مثلا للحب الأبدي, الذي خدمته ظروف لا دخل لقيس ولا لليلى فيها ليصبح أبديا..! وهناك مثال عصري يؤكد ان الحب (مع وقف التنفيذ) هو الحب الخالد.... وهو الحب الملهم... وهو الحب الذي يصل ــ مثل مفاوضات السلام ــ الى طريق مسدود, أي انه يظل حبا (وبس..), فلولا حب (احمد رامي) لأم كلثوم لما استمعنا منه على لسانها إلى أحلى وأصدق أغاني الحب, ولولا ذكاء أم كلثوم وبعد نظرها, وإدراكها أنها لو (قلت عقلها) واستجابت لنداء الحب وتزوجت رامي لما استمرت مسيرة العشق الغنائي طوال عمر أم كلثوم, ولاستمعنا منها بعد الزواج الى منظومة من الاغاني التي تلعن ابو الحب.. و(سيرة الحب), واغان اخرى من عينة: (حب ايه اللي انت جاي تقول عليه)..! التعبير الشائع عن الحب الذي أثمر زواجا انه (حب انتهى بالزواج) تعبير صادق في حرفيته, أي ان بداية الزواج هي نهاية الحب, اما ما يقال من ان الحب يأتي بعد الزواج, فهو كلام تبريري يراد به (تسليك) موضوع الزواج لحاجة من له مصلحة فيه, وليس قبول الطرفين أو احدهما بقضاء الله وقدره ورضوخهما بعد الزواج للامر الواقع يعتبر حبا, وهو لا يختلف كثيرا عن قبول الشعوب المقهورة بحاكم أنجح نفسه في انتخابات أجراها بنفسه بنسبة تتراوح بين (99% و9.99%), محاولا اقناع نفسه والآخرين بأن حب الشعب له سيأتي قطعا بعد ان يرى بنفسه انجازات الحاكم على مدى سنوات حكمه الأبدي..!! وبعد سلسلة من الأغاني التي تقول (الحب جميل).. (الحب لحن جميل.. (ا لحب الحب.. يا جمال الحب). واخيرا (الحب كده), تأتي المطربة أحلام لتؤكد في صراحة فطرية بدوية لاتعرف نفاق المحبين ولا استرزاق مؤلفي الأغاني ان الحب (اكبر مصيبة) وسواء كانت تقصد الحب في حد ذاته.. أو (توابع) الحب الاخرى من خطبة وزواج و.. و.. الخ, وايضا سواء كان وصفها للحب بأنه (مصيبة) تأكيدا لوقائعه ونتائجه.. أم نوعا من (الدلع) وتدليلا للحب قبل ان يكون سبا له.. على طريقة (يتمنعن وهن الراغبات).. والله أعلم..! عموما.. واعترافا بالأمر الواقع.., من منا يرفض مصيبة من هذا النوع لو جاءت لحد عنده؟ بل من منا لا يسعى جاهدا ولاهثا للوقوع فيها..؟!!