بيان (2): يستمد هذا الكتاب أهميته من انه يكشف النقاب عن العديد من الحقائق والاسرار والخفايا الغامضة المتعلقة بالعالم السر للتوابل التي يقول ان العرب ظلوا يحتكرون التجارة فيها على امتداد 34 قرنا الى أن قام الاوروبيون بتحطيم هذا الاحتكار عبر مواجهات دموية خاضوها في غمار مشروعهم للسيطرة على العالم بأسره. والمؤلف يتابع تنافس القوى البرتغالية والهولندية والفرنسية والبريطانية ثم اخيرا الامريكية في اطار تكالبها على نهب ثروات التوابل وصدامها مع بعضها البعض ومع المنتجين الحقيقيين من ابناء المنطاق المنتجة. وهو يدعونا الى التيقظ الى ان هذا كله ليس تاريخا فحسب, فاليوم لا يحصل هؤلاء المنتجون العارقون إلا على اقل من القليل لقاء عرقهم وكدهم بينما الارباح تكدسها مجموعات شركات محلية متحالفة مع الشركات العالمية العملاقة التي تعمل تحت ستار العولمة. وتشارلز كورن مؤلف هذا الكتاب عمل بالصحافة وفي العديد من دور النشر, والف كتاب (الجزر البعيدة) بالاشتراك مع آن لاموت ويكرس كل وقته الان للكتابات المتخصصة في موضوع الكتاب والتي تنشر في صحف بارزة اهمها (نيويورك تايمز) و(سان فرانسيسكو كرونايكل). عرف الانسان التوابل منذ زمن بعيد. ويعود أول نص مكتوب في التاريخ يشير اليها لقرابة أربعة آلاف عام ومنذ ذلك الوقت, وحتى ما قبل مئة عام تقريبا, اندلعت مئات الحروب من اجل السيطرة على مناطق انتاجها, ولقي مئات الالوف من البشر حتفهم في سبيل ذلك, وبرزت الى الوجود قوى جديدة, فيما انهارت قوى اخرى, وعرف الانسان ابشع انواع الاستعمار والاستعباد, وأبيدت حضارات قديمة, وجُمعت ثروات طائلة, وقد لعبت التوابل لقرون عديدة الدور نفسه الذي لعبه النفط فيما بعد. وادت الصراعات الى قيام العديد من الحملات الاستكشافية التي مسحت البحار بحثا عن اقصر الطرق وايسرها الى جزر التوابل الواقعة في اقصى الشرق, وقاد ذلك لاكتشاف قارات جديدة. كما كان لها الاثر الاكبر في تطور اوروبا خلال القرون الوسطى, وما عرفته من اختراعات غيرت وجه التاريخ. ولم تكن التوابل, حتى في ذلك الماضي السحيق, مجرد ثمار تستخدم لاضفاء نكهات متنوعة على الاطعمة, بل استخدمت في صناعة العطور, وكان لها دور في العديد من الطقوس الدينية. اما خواصها العلاجية, فقد كانت شائعة حتى ان أبقراط ــ ابو الطب ـ الف كتابا مطولا عن فوائدها الطبية. وكان من نتيجة ذلك ان اصبحت التوابل جزءا اساسيا من مهور الملكات والاميرات, ومن الجزيات التي كانت الدول المنتصرة تفرضها على خصومها المهزومين. والمؤلف, تشارلز كورن, صحافي اصلا, وهو امريكي الجنسية. وقد الهبت جزر التوابل عندما زارها لأول مرة خياله, فغاص في كتب التاريخ القديمة, وقرأ مئات المخطوطات وجمع المعلومات من كل مصدر يمكن تصوره, حتى انتهى من تأليف هذا الكتاب الذي يقع في 337 صفحة. واذا كان بعض النقاد قد اخذوا على المؤلف بعض الهفوات المعدودة هنا وهناك ـ وهو أمر طبيعي في المؤلفات التاريخية ــ فقد اجمع معظمهم على أنه لم يسبق لمؤلف ان جمع كل ما أمكن من الحقائق حول هذا الموضوع في كتاب واحد. وعلى الرغم من اللغة الكلاسيكية الانجليزية التي استخدمها المؤلف, وكثرة الالفاظ الغريبة التي قد تجعل من الصعب قراءته بسرعة على من لا يتقنون هذه اللغة تماما, فإن المؤلف نجح في انتاج عمل حافل بالمتعة والفائدة في آن. التوابل .. ذلك المجهول لا أحد يعرف بالضبط, متى بدأ الانسان باستخدام التوابل, ولا كيف اهتدى الى خواصها العديدة. وصفحات التاريخ المكتوب, الحافلة بالحديث عن التوابل, لم تذكر شيئاً عن ذلك. لكن هالة سحرية مشبعة بالغموض كانت على الدوام تلف تلك الثمار على اختلاف انواعها. بل ان استخدامها كان يختلف ايضا حسب الشعوب والتقاليد. ففي مواطنها الاصيلة, مثلا كان السكان يصنعون من ثمار القرنفل الخضراء نوعا من المربى, وكان غيرهم يأكلونه مخللا, فيما كان الصينيون يستخدمونه منكها للمأكولات ومسكنا ممتازا للألم. وقد شاع استخدام القرنفل والقرفة والفلفل الاسود لحفظ الاطعمة قبل اكتشاف التبريد واستعماله. وكان تقطير بعض انواع التوابل ينتج انواعا من الاريج الذي كان, ومايزال يستخدم عنصراً رئيسياً في صناعة العطور. وكان من الطبيعي ان ترتفع اسعار التوابل الى اقصى ما يمكن تصوره. وفي احيان كثيرة كانت التوابل تستخدم في المقايضة بدلا عن المعادن الثمينة او النقود. وقد كان ممكنا شراء بقرة كبيرة وعشر رؤوس من الغنم بكيلو جرام واحد من الجنزبيل. كما ان الفلفل كان يباع حبة حبة, وتدفع الضرائب والمهور والجزيات بحباته. وقد احتكر التجار العرب تجارة التوابل لأكثر من 34 قرنا من الزمن حيث كانوا يحصلون عليه من البحارة الهنود والصينيين والاندونيسيين القادمين الى موانىء شبه القارة الهندية, وينقلونه ـ مع الحرير والذهب, في قوافل يصل قوام بعضها الى اربعة آلاف جمل, باتجاه الغرب, سالكين ما يعرف تاريخيا باسم طريق الحرير, وكانت بضاعتهم رائجة ومطلوبة في كل مكان تعبره القوافل بدءا بالصين وانتهاء بنينوي وبابل وقرطاجة والاسكندرية وروما. في تلك الايام الغابرة, عندما حملت الملكة بلقيس معها, في زيارتها للملك سليمان, مقادير من التوابل كهدية, نشأ ميناء صور اللبناني, وازدهر بفضل اعتماده على تجارة التوابل. وقد تم في حفريات حديثه اكتشاف حبات قرنفل في مطبخ بيت عادي في شمالي سوريا, يعود تاريخها لحوالي 1700 سنة قبل الميلاد. وفي تلك الايام, كان التجار العرب يشترون التوابل من منتجيها الذين كانوا ينقلونها الى ميناء مالقة. ومن هناك كان التجار يبحرون بحمولتهم الثمينة نحو ميناء البصرة, لينقل برا الى دمشق وحلب, ومنها الى القسطنطينية حيث ينتقل لاوروبا, ويقال ان سعر التوابل كان يتضاعف مئة مرة في كل عملية انتقال من تاجر الى آخر. ومن المعروف عن الاسعار الباهظة للتوابل, ان السفينة الوحيدة الناجية من حملة ماجلان الذي لقي نهايته هو واسطوله على ايدي المواطنين الفلبينيين, عادت بحمولة من التوابل سددت تكاليف الحملة كلها. اما حملة فاسكو دي جاما, فقد بلغت قيمة حمولتها من التوابل ستين ضعف تكاليف الحملة! أسرار جزر التوابل يقع ميناء مالقة (الكلمة محورة من كلمة ملقى العربية) على الطرف الجنوبي الغربي لساحل شبه جزيرة المالايا, وهي تطل على أضيق جزء من المضيق المسمى باسمها والذي يفصلها عن جزيرة سومطرة. وقد بقيت المدينة تتحكم بتجارة التوابل قرونا عديدة, لأنها اسهل الطرق البحرية وأكثرها امانا, في عصر كان للرياح الموسمية ولحركتي المد والجزر اهمية قصوى بالنسبة للملاحة, كان يمر بجوارها. اما جزر التوابل, فهي مجموعة من الجزر الصغيرة التي تقع جنوبي خط الاستواء, غربي غينيا الجديدة وشمالي جزيرة تيمور واستراليا وشرقي بورينو. وتشمل الجزر ارخبيل الباندا (رون, نايلاكا, جونونج آبي, نيرا, تاندابيسار) وجزيرتي سيرام وامبون, فضلا عن عشرات الجزر الصغيرة الاخرى المتناثرة حولها. وعلى الرغم من ان مالقة اليوم لاتعدو كونها منتجعا بحريا يرتاده القليل من السياح الباحثين عن الهدوء والراحة في رحلاتهم بين العاصمة الماليزية كوالالامبور وسنغافورة, فإنها كانت ذات شأن عظيم قبل حوالي 500 عام. وقد بلغت مكانتها حدا ضربت معه بها الامثال, حتى انه كان يقال: (من يحكم مالقة يطبق بيديه على خناق البندقية). والمقصود طبعا مدينة البندقية في ذلك العصر, عندما كانت أكثر مدن اوروبا وممالكها ثراء. ذلك كان حتما ما يدور برأس المستكشف البرتغالي ماجلان, وهو يراقب ميناء مالقة من سفينته الراسية قبالتها, ويفكر بأفضل خطة لاحتلاله. ولم يكن الثراء والسلطة هما الحافزان الوحيدان لديه, فقد كان من الرجال الحاقدين الذين يسعون جهدهم للانتقام من الاسلام والعرب بسبب فتحهم لشبة جزيرة ايبيريا وحكمهم اكثر من ثلاثة قرون. كان ذلك عام 1509 وهو عام نحس لم يقدر فيه لماجلان ان يحقق هدفه. بل اضطر للهرب على سفينة واحدة من سفنه الثلاث, بعد ان فشل هجومه وخلف وراءه معظم رجاله بين قتيل واسير. لكن ماجلان لم يكن من النوع الذي ييأس بسهولة. فقد عاد بعد عامين على رأس اسطول من 15 سفينة واجتاح الميناء بعد معركة دموية, استغل خلالها الصراعات العرقية السائدة بين التجار الصينيين والهنود والماليزيين, والعداوات التي كان كثير منهم يحملونها للسلطان محمود شاه الذي كانت مملكته تشمل معظم جزر تلك المنطقة. بعد ذلك, أوفد ماجلان احد قادته, ويدعى سيراو, على رأس بعثة استكشافية حملته الى جزيرتي تيرنيت وتيدور الواقعتين الى الشمال تماما من جزر التوابل, وعلى خط الاستواء بالضبط. وهناك استغل سيراو الظروف المحلية بذكاء ودهاء شديدين, اتاحا له ان يصبح مستشارا للسلطان المحلي سنوات عدة, وان يلعب دورا بالغ الاهمية في مصير المنطقة على مدى سنوات طويلة. اما ماجلان فقد وجد عند عودته الى لشبونه ان البلاط انقلب عليه, ولم ينجح في محاولاته التي استمرت عدة اعوام في اقناع الملك بارساله في بعثة اخرى. وهكذا توجه الى اشبيليه حيث اثمرت مساعيه مع ملك اسبانيا. والطريف في الامر ان الدولتين كانتا آنذاك تخضعان في تنافسهما لمعاهدة غريبة عجيبة وضعها البابا الكسندر السادس, وهو والد لوكريشيا بورجيا الجميلة التي تحكمت بكرسي البابوية سنوات طويلة مستغلة مفاتنها التي كانت تغدقها على كل من كان يخدم خططها). وهي معاهدة تورديسيلاس التي قسم فيها البابا الكرة الارضية الى قسمين, من القطب الى القطب, وجعل القسم الشرقي منطقة نفوذ للبرتغال والغربي لاسبانيا. ابحر ماجلان على رأس اسطول من خمس سفن كبيرة عام ,1519 ووصل الى جزر الفلبين, وهناك اصطدمت مساعيه لاقامة قاعدة اسبانية بمقاومة المسلمين بزعامة زعيم محلي في جزيرة مكتان اسمه لابولابو, وفي معركة خاطفة على الشاطىء ابيدت قوة ماجلان, الذي فرقته سيوف الثائرين, ولم يعد من تلك الحملة, بعد ثلاث سنوات من انطلاقها, الا سفينة واحدة تحمل 21 من البحارة الناجين. كما ان سيراو لقي مصرعه في ثورة ضد الوجود البرتغالي خلال اسابيع من مقتل ماجلان, لكن جهوده هناك ادت الى فشل الاسبان في اقامة قاعدة لهم في المنطقة حتى عام 1565. فيما حافظ البرتغاليون على سيطرتهم على جزر التوابل بصعوبة. الصراع على جزر التوابل كانت العقود الخمسة الاولى من القرن السادس عشر ممهورة بخاتم المغامرات الاسبانية, التي اعقبت اكتشاف امريكا على يد اويكو ميسبوتشي عام ,1497 ودوران فاسكو دي جاما حول رأس الرجاء الصالح للوصول الى الهند, في السنة نفسها وقد أثارت الاكتشافات الجديدة حماس الكنسية التي اندفعت بقوة, بدءاً من عام ,1540 لارسال البعثات التبشيرية نحو الشرق, فأدخلت الدين بذلك عنصرا جديدا في الصراع هناك. وكان لأحد الرهبان, ويدعى فرانسيس كزافييه, دور كبير في نشر المسيحية في الهند البرتغالية (جوا), واليابان, وجزر التوابل, وقد منح كزافييه بعد وفاته عام 1553 درجة القداسة من الفاتيكان, واعتبر الاب الروحي لجميع المسيحيين الكاثوليك في الهند والشرق عموما. تصور البرتغاليون ان الامر قد استتب لهم نهائيا في المنطقة, فأخذوا يستبدلون بحاكم سيء حاكما اسوأ منه. وادى ذلك لثورات متعاقبة اخرجتهم من جزيرتي تيرنيت وتيدور. وقامت هناك حكومة وطنية يتزعمها سلطان متنور يدعى باب الله, نجح في توسيع نفوذه واعاد الازدهار لمملكته بعد ان نهب البرتغاليون خيراتها امدا طويلا لكن كل ذلك كان مرحليا ومؤقتا, فالصراع الحقيقي على الجزر سيبدأ في واقع الامر في 3 نوفمبر عام ,1579 عندما وصلت سفينة حربية بريطانية يقودها السير فرانسيس دريك, والقت مراسيها قبالة تيرنيت. وعندما علم الاسبان الذين كانوا قد بدأوا بنا, قلعة تحمل اسم مانيلا في الفلبين, ساورهم القلق. فهم خبراء في فهم طبيعة الانجليز وجشعهم الاستعماري, وكان أول ردود فعلهم ان قاموا بتوحيد قواهم مع البرتغاليين لمواجهة كل الاحتمالات. وعلى الرغم من الهزائم التي تكبدها الاسبان في السنوات اللاحقة على يد اسطول يقوده دريك بنفسه في امريكا الجنوبية فانهم تمكنوا عام 1606 من جمع قوة بحرية كبيرة اجتاحوا بواسطتها تيرنيت, واخضعوها لسيطرتهم معتقدين انهم نجحوا في قطع الطريق على الانجليز نهائيا هناك. لكن ظنهم لم يكن في محله, ونصرهم لم يكن مكتوبا له ان يدوم طويلا. فقد اكتشف الانجليز, وبجانبهم القوة الاوروبية الناشئة حديثا ــ الهولنديون ـ ان معاهدة تورد يسيلاس ـ التي تقسم العالم لمنطقتي نفوذ, تشكل إهانه لهما. ولم يكن غضب الفاتيكان يهم لندن ولاهاي بشيء, مهما تتبعان المذهب البروتستانتي, ولا تعترفان بالبابا اصلا. كما ان انتصارات دريك خلصت بريطانيا من آخر عقدة خوف من القوى الاوروبية الاخرى, وكانت بمثابة منصة انطلاق لها للبدء في بناء الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. لقد اثبتت رحلة دريك للملكة اليزابيث الاولى التي كانت تتربع على عرش بريطانيا آنذاك, وعلى الرغم من الصورة غير المهمة التي بدت عليها, امرين, اولهما ان اسبانيا لم تكن لها صلة مباشرة بجزر التوابل, وان وجودها هناك هو وجود صوري, وثانيهما ان البرتغال, بممارساتها القمعية اللامسئولة قد سحبت البساط من تحتها, مما جعل الوضع مثاليا لحلول قوة اخرى محلها, ومن اجدر من بريطانيا في اغتنام مثل هذه الفرصة الذهبية! في تلك السنوات الاولى من القرن السابع عشر, كان المستكشفون الانجليز لايزالون يحاولون البحث في أصقاع كندا والقطب الشمالي عن ممر آخر يقودهم بالنتيجة حول الشرق, لكن جهودهم فشلت تماما, واقترن ذلك بتوحيد مملكتي اسبانيا والبرتغال, هذا الامر الذي دق نواقيس الخطر في لندن,خاصة وان من نتائجه المباشرة الخطر الداهم الذي بدأت بحرية البلدين تشكله على السفن التجارية البريطانية التي كانت تنقل البضائع من موانىء سوريا ولبنان, عند مرورها في مضيق جبل طارق. توجهت جهود بريطانيا نحو البحث عن حلفاء في المنطقة, ولم يكن ذلك صعبا في ضوء العداء المستشري للبرتغاليين. وكانت سلطنة آشه اول من رحب بالتحالف مع القوة الجديدة عام 1602. وبعد ذلك بعام فقط, اقام عدد من البحارة البريطانية اول مستعمرة لبلادهم في التاريخ, وذلك على جزيرة من ارخبيل الباندا لا يتعدى طولها 5 كيلو مترات وعرضها كيلو مترين. لكن البحارة اكتشفوا ان الهولنديين سبقوهم الى المنطقة بثلاث سنوات. وقد شهدت تلك الحقبة تأسيس شركتي الهند الشرقية الهولندية والهند الشرقية البريطانية. وهذه الاخيرة التي لعبت دورا اساسيا في تحريك وتعزيز الاطماع البريطانية في مجمل المنطقة الممتدة من الشرق الاوسط وحتى الفلبين. وكان الوضع بمجمله يحمل بذور التنافس والصراع بين القوتين الجديدتين. في العقود الاولى من القرن السابع عشر, بقي البريطانيون على هامش الوضع, يتعلمون من اخطاء الاسبان والبرتغاليين, ومن بعدهم الهولنديين في التعامل مع سكان المنطقة الاصليين, ويترقبون الفرص المناسبة لاستغلال تلك الاخطاء لمصلحتهم. وكان من اهم ما فعلوه انهم عاملوا السكان بصورة مغايرة تماما, وكانوا يدفعون للعمال فيهم اجورهم عوضا عن تسخيرهم للعمل كعبيد, كما ادخلوا الزعماء المحليين في مجالسهم الاستشارية حيثما حلوا, وعاملوهم باحترام. وكانوا في الوقت نفسه يغذون كراهية السكان للاجانب الآخرين, ويسلحونهم سرا ـ كحلفاء ـ للثورة ضد الغرباء, وعلى الرغم من النفقات الباهظة التي كانوا يتكبدونها في ذلك السبيل, فإنها كانت في واقع الامر استثمارا ناجحا على المدى الطويل. ولعل اوضح دليل على التخطيط والتنظيم البريطاني الدقيقين, رسالة صدرت على شكل تعميم وتحمل توجيهات للبحارة والتجار الانجليز الذين يتوجهون الى المنطقة. تقول الرسالة: عند وصولكم, اظهروا للسكان الدماثة والاحترام, فهم متكبرون, لا يثبتون على رأي. وهم مكارون ويحتقرون النفوس الصغيرة. لكنهم قادرون على تسبيب المشاكل بسهولة ولاتتدخلوا في مجالس مسئوليهم, بل راقبوها من بعيد, فهي علنية مملة وقراراتها مليئة بالتناقض. لكن الرجل الذي كان له الفضل في زرع بذرة النفوذ البريطاني في منطقة جزر التوابل كان ينتظره مصيرا اسود. فبعد سنوات من السجن بتهمة الخيانة, وهي تهمة ملفقة اراد الملك جيمس, ملك بريطانيا بعد اليزابيث بواسطتها استرضاء الاسبان, لقي فرانسيس دريك حتفه على يد الجلاد. وقد بقيت روحه المرحة ترافقه حتى آخر لحظة. فهذا الرجل الذي عرف امجادا لاتضاهى وحمل القابا لاتحصى, وكان كاتبا وشاعرا من طراز رفيع, وقف يتلمس حد سيف الجلاد, ثم قال: (يا له من دواء حاد.. انه فيه شفاء أكيد من جميع الامراض!). كان ذلك عام 1616 الذي شهد بداية صراع مسلح غير معلن بين البريطانيين والهولنديين حول جزر التوابل, وكانت للهولنديين اليد الطولى فيه, لكن الفظائع التي ارتكبوها وقيامهم بذبح ألوف السكان لتوطيد سلطتهم, لم تكن بدون عواقب, اهمها ان السكان اصبحوا مستعدين للتعاون مع الانجليز, وبدون شروط للخلاص من الحكم الهولندي. لكن الجميع كان عليهم ان ينتظروا اكثر من قرن من الزمن لتحقيق ذلك. وكان لابد لحرب بحرية وبرية كبرى بين البلدين, بين عامي 1780 و1784 ان تعلن بداية نهاية عصر هولندا الذهبي في منطقة التوابل, وزاد من ثقل خسارتها لكامل اسطولها في تلك الحرب اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789 وبروز نابليون, مما القى بهولندا في الظل. وهو الموقع الذي مازالت فيه حتى الان. لكن شركة الهند الشرقية البريطانية كانت اكثر ذكاء من نظيرتها الهولندية بكثير. ففيما كانت الاخيرة تحصر نشاطها بالتوابل, كانت الاولى تتوسع في انشطتها لتشمل الهند والصين ومناطق عديدة اخرى. وكانت تحتكر تجارة الشاي والقيشاني الصيني الفخم والمصنوعات اليدوية الهندية. كما كانت تشتري حمولات السفن الهولندية من التوابل قبل دخولها المحيط الهندي, وتدفع فيها اسعارا مغرية, ثم تنقلها هي لتبيعها باسعار مضاعفة. وفي أواخر القرن الثامن عشر, اي مع بدء انحسار نفوذ هولندا, ادت نظرية علمية جديدة لتراجع اهمية جزر التوابل. فقد كان من الامور الشائعة الاعتقاد ان اي نوع من النبات لايمكن ان ينمو الا في الموطن الذي اكتشف فيه اصلا. لكن بعض المزارعين الانجليز غامروا بزراعة فسلات الفلفل في جزيرة سومطره, قرب ميناء بورت آرثر, وعندما نجحت التجربة, زرعوا اشجار جوز الطيب والقرنفل, ثم امتدت العملية بعد نجاحها الباهر الى شبه جزيرة الملايا, ثم الى جزر جرينادا, وهي من جزر الهند الغربية, وما إن حل منتصف القرن التاسع عشر حتى كانت الصادرات من الزراعات الجديدة تعادل وتنافس صادرات جزر التوابل. وقد شهدت عمليات الحصول على الفسلات احداثا طريفة, حيث حاول الهولنديون منعها فقطعوا كل اشجار التوابل من الجزر النائية حيث كانت سفن صغيرة تغير عليها ليلاً آملة في الحصول على بعض الفسلات وانتشرت السفن الحربية الهولندية عند كل الخلجان والمداخل لمنع تسلل المغيرين ولكن لغة المال تغلبت على كل تلك الجهود التي ذهبت أدراج الرياح. أمريكا تدخل الساحة فيما كانت بريطانيا تقبع راضية بمستعمراتها العديدة وهولندا تحاول التمسك بما بقي لها من امجاد وفرنسا تؤسس امبراطوريتها في الهند الصينية, وهي منطقة فقيرة لم يتجاهلها البريطانيون عن عبث كانت أمريكا قد بدأت تدخل ساحة الصراع الدولي بقوة خاصة بعد ان قهرت الامبراطورية البريطانية في حرب الاستقلال وفي عام ,1796 بينما كان البريطانيون يفكرون ويخططون للانتقام من هزيمتهم أمام هولندا قبل قرن ونصف القرن, وصلت سفينة تجارية أمريكية بقيادة جوناثان كارنز منطلقة من ميناء سالم الذي شهد بداية حرب الاستقلال, وكان وصولها بعد ان قطعت ستة وعشرين ألف ميل, ايذانا بعصر جديد. وكان الأمريكيون محدودي الاهتمام بل عديمي الاهتمام بانتشار الأديان آنذاك, ولم يكن يهمهم ان كانت سومطرة ذات أغلبية اسلامية أو مسيحية, كان اهتمامهم الأول ينصب على الربح والتجارة ودخول المعترك الدولي, مهما كانت الوسيلة, وكان عالم شبه القارة الهندية وجنوب شرقي اسيا يمثل بالنسبة إليهم مصدرا مهما للثروة وسوقا أهم لتصريف البضائع, ولم يكن بنيتهم على الاطلاق ان يتركوا الفرصة أية فرصة تفلت من أيديهم, وعندما عاد كارنز بعد عام ونصف يحمل 70 طنا من الفلفل اشتعل التنافس بين وجهاء سالم وتجارها, فبنيت السفن على عجل, وجند البحارة وانطلقت رحلات بالعشرات تبحث عن الثروة, بعد ان حقق كارنز أرباحاً تصل إلى 700%. وكانت الحكومة الاتحادية تشجع ذلك التوجه لأنها كانت تحصل على ضريبة تتراوح بين 20 و 50 ألف دولار عن كل سفينة محملة بالتوابل, وهذا مبلغ ضخم للغاية بمقاييس تلك الأيام, وقد انهمك الأمريكيون في مطلع القرن التاسع عشر في تصحيح كتب الملاحة البريطانية القديمة, بعد ان اكتشفوا في احداها 8000 خطأ ملاحي وكان لدورهم هذا الأثر الأكبر في اختصار مدة الرحلات والاستفادة لأقصى حد من المد والجزر وحركات التيارات البحرية والرياح الموسمية. وقد أدى وصول السفن الأمريكية التجارية إلى دخول نوع من التنظيم على تجارة التوابل فأصبح الزعماء المحليون في سومطرة هم الذين يتولون تسليم المحصول بعد ان يقبضوا الثمن مقدما, وأقام التجار الأمريكيون مستودعات في موانئ آمنة أوكلوا حراستها مقابل أجر للسكان المحليين وكان لذلك أثر عميق في تكوين الطبقة الثرية في أمريكا, فالثروات التي جناها تجار سالم خلال العقود الأولى من القرن التاسع عشر كانت فوق الخيال, وقد أتاحت لكثير منهم فيما بعد دخول معترك السياسة المحلية واصبح كثير منهم أعضاء في مجلس الشيوخ والنواب عن ولايات أخرى, وهكذا لعبوا دوراً مهما في تقرير اتجاه السياسة الأمريكية على مدى يقارب قرنا من الزمن, كما انهم نجحوا في تفادي المنافسة بين المناءين الأهم آنذاك, وهما سالم وبوسطن, فالأول كان ميناء التوابل والثاني ميناء الشاي, ولم يكن أحد يحاول الاعتداء على هذا التقليد أو التهرب منه. في سبتمبر 1830 تعرضت احدى السفن الأمريكية لعملية قرصنة, وقتل خمسة من بحارتها, فقررت الولايات المتحدة ان تنتقم من الفاعلين بعد ان تبين انهم انطلقوا من بلدة كوالا باتو الساحلية السومطرية وهي منطقة قبائل أشه شديدة البأس, أرسلت واشنطن فرقاطة جيدة التسليح لذلك الهدف, ونجحت الفرقاطة في تدمير عدة قلاع واحراق البلدة, وعندما عرض الزعيم المحلي الاستسلام وتسليم منطقته رفض قائد الفرقاطة ذلك, معتبرا ان العملية حققت هدفها, وان هدف الأمريكيين هو المتاجرة بسلام, وقد تكررت مثل تلك الحادثة والعملية حتى ,1870 عندما أدرك الهولنديون متأخرين ان تجارة التوابل قد أفلتت من أيديهم, فأعلنوا الحرب على آشة وارتكبوا مذابح بشعة للغاية, لكنهم خسروا الحرب التي كلفتهم ربع مليون ضحية و 50 مليون جنيه استرليني, وكان البريطانيون قد سبقوهم في الانسحاب من هناك بعد ان أدركوا انهم سيواجهون كارثة حقيقية فيما لو استخدموا السلاح ضد سكان سومطرة. وفي عام 1873 توقفت رحلات السفن الأمريكية لنقل التوابل من سومطرة بعد ان بلغ عددها 967 رحلة خلال سبعين عاما, وعادت تجارة التوابل إلى أيدي أصحابها الأصليين في معظم المنطقة خاصة بعد قيام اندونيسيا. تنتج اندونيسيا اليوم قرابة 80% من مجمل انتاج العالم من جوز الطيب وأكثر من ذلك من بقية أنواع التوابل لكن المزارعين يحصلون على النذر اليسير من إيراداتها, فيما تستولي احتكارات تدعمها الحكومة على الباقي, أما جزر الباندا فإنها لم تستعد أبدا امجاد الماضي, وأصبحت مجرد محطات نائية يزورها القليل من السكان أحيانا ولا تلقى من السلطات اهتماما يذكر وبصورة عامة, لم تعد التوابل تدر على اندونيسيا أكثر من 1% من دخلها القومي بعد ان تعددت الدول التي تزرعها وتنتجها وبعد ان تقلصت استخداماتها اليوم.ي