بيان (2): في وسط مدينة بخارى الاسطورية يجلس الزوار في ظل اشجار التوت المعمرة الباقية من القرن السادس عشر يلتهمون الشيش كباب ويتفرجون على الاوزة التي ترفرف جناحيها وهي تحاول ان تلتقط سمكة في بركة الماء, وتجار يبيعون منسوجات حريرية وعلبا سوداء على بسطات مقامة امام المدارس الاسلامية القريبة التي تزين جدرانها الشاهقة بلاطات لازوردية وزرقاء سماوية مرصوفة بانماط هندسية متشابكة. اوزبكستان منصرفة الى ترميم مدينة بخارى التي كانت محطة على (طريق الحرير) القديم والتي تحولت الى مركز للتعليم الاسلامي, ولذلك فإن سكانها لا يزالون يسمون مدينتهم بخارى ـ ي ـ شريف, اي بخارى الشريفة. ويبذل المرممون قصارى جهدهم للحفاظ على حيوية المدينة وتلافي الاخطاء التي حولت الوسط التاريخي لمدينة سمرقند التي تقع على بعد 150 ميلا شرقي بخارى الى قطعة متحفية براقة ولكن عديمة الروح. وقال نسيم حكيموفيتش شريبوف, كبير المهندسين لبخارى من 1970 الى 1997: (في بخارى نحاول الا نكرر ما تم عمله في سمرقند, حيث اصبحت الجوامع والمدارس عارية الان). والمهمة هائلة, اذ يوجد في بخارى التي يبلغ عدد سكانها 200 الف نسمة فيها الألوف من الجوامع والمدارس الاسلامية والاسواق المسقوفة والمواقع التاريخية الاخرى التي اصبحت كلها في حالة متفاوتة من التلف. وكان الاتحاد السوفييتي قد بدأ مشروعا كبيرا لترميم المدينة في العام ,1968 ثم جاءت حكومة اوزبكستان بعد الاستقلال سنة 1991 لتضيف زخما الى المشروع. وفي مقابلة معه قال شريبوف ان هدف سكان بخارى هو ان يروا كيف كانت تبدو بخارى في الماضي. في احدى زوايا مكتب شريبوف القريب من مسجد متداع هناك صورة للمعلم الرئيسي للمدينة, وهو مئذنة جامع كاليان الذي يبلغ ارتفاعه 60 مترا بقمته المسطحة المطلة على المدينة. وقد التقطع الصورة بعد ان اجتاح الجيش السوفييتي بخارى في العام ,1920 وتظهر فيها قمة المئذنة وقد مزقتها قذيفة مدفع واثار القذائف الاخرى على الجوانب. ويستخدم خبراء الترميم في إعادة تأهيل الابنية نفس مواد البناء من طين واجر التي كانت تستعمل في القرون الوسطى, والتي يمكن رؤيتها في مئات من المنازل المأهولة في احياء المدينة القديمة. وقد استعمل الخبراء الاسمنت ايضا لتدعيم البنية المتداعية, ولكن بكميات قليلة, كما يشير شريبوف. وفي بعض الحالات يجري ترقيع البلاطات المبقعة او تستبدل ببلاطات جديدة. ولايزال هناك الكثير من العمل الذي ينبغي انجازه في مدرسة عبدالعزيز خان الاسلامية التي ادرجتها منظمة اليونسكو في لائحة اكثر مواقع تراثية معرضة للخطر في العالم, تملأ قطع البلاط المتشقق او المهترئ الصفوف التي كانت يدرس فيها التلاميذ ذات وقت. وعلى قمة احدى القباب, وداخل الصومعة التي كان المعلمون يجتمعون فيها مع تلاميذهم, وضعت اشارات بالازرق والاحمر على المسطحات التي كانت مزينة بالفسيفساء. وثمة عش كبير لطائر اللقلق على مئذنة المدرسة. في المقابل فإن ابنية سمرقند اصبحت مرممة تماما, انما جاءت خالية من حياة المدن. فقبل عشرات السنين قامت البلدية بتنظيف ساحة رجيستان المركزية الرائعة التي كانت سابقا تضم سوقا مزدهرة لتجارة الحرير والخزف الصيني, وحيث كانت تعرض مغانم الحروب. واذا استثنينا السياح فإن الحياة الوحيدة في المنطقة تتمثل اليوم بسيارات الشحن التي تعبر الاوتوستراد الذي يمر امام ساحة رجيتسان. والمدارس الثلاث التي تحيط بالساحة باتت مغطاة بالبلاط اللامع. والبوابة العالية (30 مترا) لمدرسة شيردار يحرسها تمثالان لأسدين تحت اشعة الشمس. والى جانب هذه المدرسة هناك مدرسة تيلاكار حيث انتهى العمال مؤخرا من اعادة طلاء المزهريات الذهبية والزرقاء الطافحة بالزهور على الجدران. واستعملت ثلاثة كيلوجرامات من رقائق الذهب لترميم الآيات القرآنية التي تملأ الجدران من الداخل. وقال احد الزوار مؤخرا: سمرقند لها طابع متحف اصطناعي, اما بخارى لديها ملمس المدينة. ويقول بعض المهندسين المعماريين ان بخارى تحافظ على روحها الانسانية لأن ابنيتها اقل زخرفة ولذلك لم يبالغ المرممون في بعث الحياة من جديد.