بيان (2): تنتشر المئات من الاستحكامات والاكواخ, التي تعود لزمن الحرب والمحاطة بالشجيرات ونباتات اللبلاب المعترشة, في جميع انحاء بريطانيا, ولقد استخدم الكثير منها من قبل جنود الحلفاء. بينما استخدمت الاخرى كمعسكرات مؤقتة للآلاف من اسرى الحرب واللاجئين المشردين بفعل اعظم تحول اجتماعي في التاريخ الاوروبي. وقد تم تحويل بعض تلك المباني الى ورشات عمل وحظائر وسقائف للدواجن ومخازن للحبوب. اما الباقي فهي مهجورة تماما. غير انه وعلى الرغم من مرور 60 عاما على معركة بريطانيا, الا ان المتجول ذا العين المدققة في تلك المنطقة يمكنه ان يجد العديد من اللوحات الجدارية المرسومة بالالوان الزيتية الفنية وزيت الطائرات او اي نوع من انواع الطلاء او الرصاص او الكربون وقع في ايدي الجنود بين عامي 1939 و 1945. ومما يثير الدهشة انه بعد مرور 55 عاما من الاهمال, لاتزال صور الفتيات والطائرات القاذفة والشعارات والرسوم الكرتونية صامدة بكامل حيويتها وقوتها. بعض هذه اللوحات من ابداع فنانين موهوبين, وبعضها الاخر ليس الا اعمالا كاريكاتيرية بسيطة او رسومات غير مكتملة. وهناك قوائم بالمهمات التي نفذتها القوات الجوية وتواقيع نحتت في سقوف المباني بدخان القداحات. اما معظم اللوحات الفنية فقد كانت من ابداع الطيارين الامريكيين, الذين سمحت لهم سلطاتهم حرية اكثر ابداعا. ومع الاخذ بعين الاعتبار نسبة الخسائر العالية للغاية في ارواح الطيارين في فترة الحرب, فإن المرء لا يسعه الا ان يخمن مصير جانب من اولئك الفنانين الذين فتحت لوحاتهم نافذة رائعة على الثقافة والخيال والهموم لدى الشبان الذين كانوا يواجهون الموت كل يوم. مع اقتراب عيد الميلاد في عام ,1940 قام جندي بريطاني يبلغ من العمر 29 عاما يدعى روبرت هوفتون بتزيين جدران الحظيرة التي شغلتها فرقته لاقامة حفلة راقصة. وقد رسم لوحة جدارية قياس 3 قدم X 6 قدم تمثل اجنحة سلاح الجو الملكي بلون ذهبي مقابل خلفية من السماء اللازوردية مع طائرات مقاتلة وقاذفة اخرى في تشكيلات جوية. واضاف الى اللوحة قاذفة المانية تهبط محترقة وطيارها معلق بالمظلة. ويمكن ايضا ان تجد لوحات رسمها اشخاص مشردون ولاجئون واسرى حرب. فقد اشتمل معسكر اسرى الحرب في ايلاند فارم بجنوب ويلز على العشرات من الاعمال الفنية الجدارية. ومنذ اواخر عام ,1944 ضم المعسكر العديد من كبار الضباط الالمان (بعضهم اخضع للمحاكمة في نورمبيرج فيما بعد). وفي ليلة العاشر من مارس ,1945 نجح 67 من اسرى الحرب في شق نفق تحت الارض وهربوا منه قبل ان يعاد القاء القبض عليهم. وعندما تم اكتشاف نفق الهروب, لوحظ وجود لوحة جدارية فوق مدخله المخبأ بذكاء تحوي نساء شبه عاريات. ويبدو ان العامل النفسي كان مؤثرا, فالحراس المشوش انتباههم لم يلاحظوا النفق الا بعد فوات الاوان. واليوم, فإن هذه اللوحة قد تلاشت تقريبا, لكن الاعمال الاخرى لاتزال بحالة جيدة. وعلى الرغم من ان الجانب الاكبر من المعسكر قد تمت ازالته, الا ان المجلس المحلي احتفظ بكوخ الهروب كمتحف,. وقد تمت ازالة العديد من افضل اللوحات من الاكواخ الاخرى وسيتم فيما بعد دمجها في المعرض الخاص بالمتحف. وأحد العوامل الهامة في الحفاظ على العديد من تلك اللوحات تتمثل في عملية تبييض الواجهات الداخلية للمباني (طلاؤها باللون الابيض) قبل انتقال اللاجئين واسرى الحرب اليها. وقد اتاح هذا الامر عن غير قصد الفرصة للوحات الاصلية كي تظل بعيدة عن التخريب والتآكل والطبقات اللاصقة من الطلاء. ويضاف الى ذلك الجهود التي يبذلها منذ عام 1987 بيتر داير في قاعدة بوتشام الامريكية المهجورة الواقعة في مقاطعة كامبريد جشاير. وقد نجح داير في تنظيم عملية ازالة لتسعة اعمال بعضها يصل وزنها الى نصف طن. وبعد وقت قصير من هذا النجاح, شكلت مجموعة العمل جمعية اطلقوا عليها اسم جمعية الحفاظ على فن الجدار الثامن, والتي تعرف اختصارا بـ (ايواكس) وقد كان لهذه الجمعية دورها في ترميم والحفاظ على اعداد كبيرة من اللوحات. وعلى الرغم من قصص النجاح القليلة, الا ان الامر المؤسف هو ان افضل اللوحات قد تم تدميرها في الـ 25 عاما الماضية. واللوم في هذا يقع على ملاك الاراضي التي تقوم عليها تلك المباني والشركات والحكومة ايضا التي لم تبد اي اهتمام بالموضوع, واحد ابرز الامثلة على التخريب البيروقراطي عملية التخريب والدمار التي وقع ضحيتها اربعة من المناظر الطبيعية الجميلة التي رسمها اسرى حرب ايطاليون فيما اصبح يعرف في اواخر الثمانينيات بمكتب انلاند ريفينو.