بيان (2): منذ اعلان انجاز خريطة الجينوم البشري, ونحن نسمع ونقرأ بصورة شبه يومية تقريبا توصل العلماء الى اكتشافات عديدة. ويعني هذا ان الاكتشافات المتتابعة للجينات البشرية ستؤدي خلال السنوات القليلة المقبلة الى حدوث ثورة في طرق تشخيص الامراض ومعالجتها والوقاية منها. وعلى الرغم من ان المشروع لايزال في بداياته الا ان بعض العلماء ابدوا تخوفهم وعدم ارتياحهم في حالة ما اذا تم استخدام مسودة الشيفرة الوراثية للانسان بطرق غير مشروعة, واثيرت عدة تساؤلات من جراء تدخل الانسان في التركيب الذاتي لنفسه, وخلال هذا التحقيق نتعرف على جوانب عديدة من القضية. في البداية.. تقول الدكتورة ليلى اسامة عبدالوارث اخصائية ورئيسة قسم الكيمياء السريرية ومعهد الابحاث بمستشفى المفرق ان مشروع ترجمة شيفرة التركيبات الوراثية للانسان بدأ منذ حوالي 10 سنوات تحت رعاية معهد الصحة الدولي بامريكا, وحقق المشروع الذي تم الانتهاء منه منذ 5 سنوات قبل الموعد المحدد له الكثير من الانجازات المذهلة اهمها هو حصر التركيبات الوراثية للانسان وعددها مئة الف موروثة او جيني مكونة من ثلاثة بلايين شيفرة او متتابعة, (Sequence) وهذه الثلاثة بلايين متتابعة هي التكوين الوراثي لحامض (الديوكسي ريبو نيوكليك) في الانسان (DNA). ولكن كيف قام العلماء بهذا العمل المذهل..؟! تقول الدكتورة ليلى ـ قام العلماء بعزل الكروموزومات الـ 23 المزدوجة من خلايا الانسان ثم قاموا بتحديد الخريطة الجينية المحمولة على كل كروموزوم ثم تحديد المتتابعات لكل جين ولذلك توصلوا الى متتابعات التركيبة الجينية الكاملة للانسان, وقاموا بتكرار هذا العمل عدة مرات للتأكد من دقة وصحة النتائج المكتشفة. أهمية المشروع وتضيف ان لهذا المشروع اهمية كبيرة في مجالات عديدة طبية منها الكشف المبكر عن الامراض الخطيرة كامراض السرطان في وقت مبكر وعلاجها بسهولة كذلك العلاج عن طريق استخدام الجينات ٌُِّْمو مَما للامراض الوراثية عن طريق ادخال الموروثة الصحيحة لتصحيح الخلل, بالاضافة الى اكتشاف العقاقير الفعالة والتي لا تسبب اية مضاعفات او آثارا جانبية حيث سيتم تحضير العقار طبقا للتركيب الجيني للمريض, واستخدام البكتريا في تصنيع بعض الهرمونات التي يحتاجها المريض مثل هرمون الانسولين في حالة مرض السكري بعد معرفة شيفرة الموروثة التي تصنع هذا الهرمون, بالاضافة ايضا الى معرفة اسباب تقدم الخلايا في السن وكيفية توقف هذه العملية او اصلاح ما افسده الدهر كما يقولون!! وحول الاستخدام السيء لاستغلال خريطة الجينوم البشري في الاعمال غير المشروعة تقول الدكتورة ليلى اسامة ان هناك العديد من التحسبات والشعور بعدم الارتياح في حالة اذا ما تم استخدام هذه الاكتشافات بطرق غير مشروعة, والنتائج العكسية قد تكون مخيفة, وطالما حاول الانسان السيطرة على الطبيعة وصادف نتائج لا يحمد عقباها فما يحدث مثلا اذا ما احتكرت دولة عظمى مثل امريكا هذا الاكتشاف المذهل واصبح في قبضتها سلاح رهيب ضد البشرية جمعاء!! وكيف سيتعامل الانسان مع هذا الكشف المذهل.. هل سيستخدم للتفرقة بين البشر بناء على تركيبهم الوراثي مثلا.. وماذا يفعل الانسان اذا علم انه يحمل موروثة مرض عضال سيصيبه بعد سنوات قليلة ولا يوجد علاج! وهل سيحاول الآباء الحصول على اولاد ذوي ذكاء خارق ومواصفات وراثية محددة؟! وما نتيجة ان يتدخل الانسان في التركيب الذاتي لنفسه. ويبدو ان هذا الامر هو الذي دفع كريج فينتر رئيس مجلس ادارة شركة سيلبرا جينو ميلس بولاية ميرلاند الامريكية والتي استطاعت فك 1.3 مليار وحدة متفرعة عن سلسلة (DNA) بمطالبة المجتمع الدولي بضرورة تأسيس برلمان عالمي او مجلس تشريعي دولي يتكون من علماء وفلاسفة وتكون مهنتهم توجيه اقتراح الحلول وسن التشريعات والقوانين المنظمة للدراسات والابحاث الجينية على مستوى العالم, ووضع العقوبات الرادعة لكل من تسول له نفسه العبث في الحياة الجينية للانسان او استغلالها في اغراض تتنافى مع المعايير الاخلاقية والاعراف الانسانية. العقاقير الجينية وتتوقع الدكتورة فاطمة علي عبدالله بادارة الصيدلة وزارة الصحة ان يحدث مشروع الجينوم البشري وفك رموزه خلال الاعوام القليلة المقبلة ثورة هائلة في مجال تطور الادوية والعقاقير الطبية, وتقول ان الادوية الحالية وان كانت قوية ومتطورة فانها تجرى عن طريق التجربة والخطأ والمضاعفات والآثار الجانبية, ولكن المعالجة الجينية سوف تستحدث اساليب جديدة تقوم بتدعيم الجينات الفاشلة بجينات معدلة وصحية. وتضيف.. انه على الرغم من اننا لم نتوصل حتى الان الى وسيلة معينة لتوصيل الجينات الصحية الى الخلايا التي تحتاج اليها حتى الان, الا ان الجهود لم تتوقف, وسوف نسمع خلال الايام المقبلة اكتشافات مذهلة في مجال المعالجات الجينية, وان كنا نتخوف من ان شركات الادوية الكبرى في الغرب تقوم باحتكار الاسرار الجينية, وتجعل من ادويتها علاجا خاصا للاغنياء او من يدفع اكثر, وربما لا تستطيع الدول الفقيرة الحصول عليها كما يحدث الان مع العقاقير المتطورة لمرض الايدز حيث يحصل عليها الاغنياء فقط في الغرب بينما لا تستطيع الشعوب الفقيرة الحصول عليها حيث قضى المرض على اكثر من 20% من سكانها. ويؤكد الدكتور سمير غويبة اخصائي طب الاسرة بأبوظبي ان هذا المشروع رغم ما يحمله من اضافات عظيمة في العلم فيما يخص مستقبل الانسان, الا انه يحمل مخاوف كثيرة جدا ربما تهدد حياة البشرية لو لم يواكب هذا التطور تقدم مواز حول القواعد الاخلاقية لاستخدام هذا النوع من العلم, وهناك صراع محموم بين الشركات الحكومية والخاصة من اجل تداول معلومات جينية شديدة الخصوصية تهدد اسرار الافراد والشعوب, حرب جينية ويؤكد الدكتور سمير غويبة ان القرن العشرين سوف يشهد (حربا جينية). وتتميز هذه الحرب بأن تحاول بعض الدول بانتاج نوع معين من السلالات البشرية وزرعها في شعوب الدولة المعادية يتميز بمواصفات غباء او احداث امراض من التخلف العقلي او الموت المبكر, وهذا يعني القضاء على شعب كامل خلال عقود قليلة!! فدولة صغيرة مثل ايسلندا حيث تتميز بالنقاء الجيني قدمت كل المعلومات المتعلقة باسرار شعبها الجيني لشركة امريكية مقابل بضعة ملايين من الدولارات, وجزء من الارباح لاجراء التجارب الخصوصية لدولة صغيرة. وحول المحاذير الاخرى التي بدأ يحدثها اكتشاف خريطة الجينوم البشري ـ يقول الدكتور سمير ان بعض شركات التأمين في اوروبا بدأت تطلب (التقرير الجيني) للأشخاص عند تجديد او تقديم طلبات التأمين على الحياة وترفض هذه الشركات صرف بوالص التأمين للذين لديهم جينات معينة تتعلق بامراض خطيرة ربما تحدث للشخص بعد خمس اوعشر سنوات, كذلك سوف تقوم شركات التوظيف بانتقاء الاشخاص الذين يتمتعون بمواصفات جينية افضل لتوظيفهم, وسوف يعود هذا بأثر سلبي على الاخرين الذين ليس لديهم هذه المواصفات, وهذا من ناحية, ومن ناحية اخرى فيما لو علمت الشركة من خلال التقرير الجيني ان هذا الشخص او ذاك سوف يصاب بمرض معين خلال فترة معينة, سوف تستغني عنه على الفور. زواج الاقارب ويؤكد البروفيسور احمد سعيد الطيبي استاذ امراض الاطفال والامراض الجينية الوراثية في جامعة تورنتر بكندا ان من اهم العوامل التي تساعد على ظهور الامراض الوراثية في دول الخليج والدول العربية كامراض الدم والثلاسيميا وبعض المتلازمات الوراثية الاخرى هي ارتفاع نسبة زواج الاقارب, وعدم وجود الوعي الطبي بالمشاكل الوراثية بالاضافة الى عدم توافر الاستشارة الوراثية في المراكز الصحية والمستشفيات. ويضيف ان الدول العربية وخصوصا الدول الخليجية وصلت الى مستويات طبية ممتازة في الكثير من جوانب الخدمات الصحية المقدمة للناس, ولكن لايزال هناك نقص في مستوى الخدمات التي تساعد على تجنب ومنع الامراض الوراثية. وحول مفهوم الاستشارة الوراثية يقول.. ان الاستشارة الوراثية هي عبارة عن خطوات تواصل تتعامل مع مشاكل الانسان المتزامنة مع حدوث او خطورة حدوث الاضطراب الوراثي, والوقاية او على الاقل تحسين تأثيرات المرض الوراثي هي الهدف الاساسي, وهناك طرق عديدة تستخدم لتحقيق هذا الهدف بما فيها الفحوصات الوراثية, ومسح الحاملين للمرض والاستشارات في مرحلة ما قبل الزواج, والتشخيص قبل الولادة, ومسح المواليد الجدد ووضع التشخيص المبكر والعلاج. وفي الحقيقة التجاوب مع الاستشارة الوراثية يختلف من شخص لآخر كما يختلف من مجتمع لآخر حسب فهمهم للمعلومات وعلى اصولهم العرقية بالاضافة الى ثقافتهم ومعتقداتهم الدينية, وعلى الرغم من ان معظم الشعوب العربية من المسلمين ويتكلمون نفس اللغة ولهم نفس الثقافة الا ان التعميم على هؤلاء الشعوب جميعا يعتبر صعب جدا وفي كثير من الاحيان يكون خاطئا. وبما ان الكثير من الشعوب العربية يعارضون موانع الحمل والتلقيح الصناعي والاجهاض, فإن تبني نظام الاستشارة الوراثية يكون مقبولا لدى الجميع. ويجب ان ترتكز على عدة اسس منها التثقيف الجماهيري في موضوع الامراض الوراثية والعوامل التي تساهم في زيادتها خاصة زواج الاقارب, والتشخيص المبكر خاصة قبل الولادة بفترة تسمح بانهاء الحمل ضمن فترة زمنية محددة والمسح الجيني او الوراثي والفحوصات الجينية المفيدة قبل الزواج, كذلك الاستشارة الغذائية خلال او مع بدء حدوث الحمل التي تقلل من نسبة حدوث المشاكل متعددة الاسباب, بالاضافة الى الفحص المبكر عن الاعاقات الجسدية او العقلية للتعامل معها بصورة مناسبة, كما ان التسجيل المبرمج على الحاسوب للعيوب والتشوهات الولادية يشكل عاملا هاما جدا في التعرف للعائلات المعرضة لنسبة خطورة حدوث الامراض الوراثية. مشروع الجينوم وحول اخر تطورات مشروع الجينوم البشري يقول الدكتور الطيبي بعد ان تمكنا من الوصول الى وضع خريطة للجينات البشرية, وحصر التركيبات الوراثية للانسان وعددها 100 الف جين او موروث, وكيفية عمل هذه الجينات المكونة من 3 بلايين متتابعة او شفرة لحامض الديوكسي ريبو نيوكليك في الانسان (DNA). لايزال هذا المشروع في بداياته, ومما لا شك فيه ان هذه المعرفة سوف تساعد على وضع السبل التي تؤدي الى ايجاد حلول لكيفية التعامل مع بعض الامراض الوراثية وعلاجها بل ومنع حدوثها ايضا. ويرى الدكتور محمد عبدالله عيد استاذ الامراض والتحاليل الوراثية ان المحتوى الجيني للخريطة الجينية البشرية لم يعرف لها وظيفة في حدود ما تم التوصل له من معرفة لم تتجاوز بعد 10 في المئة, وان الانتهاء الكامل من رسم هذه الخريطة والتي لن تكتمل قبل عام تقريبا سوف يمهد لاكتشافات مبهرة لعلاج الكثير من الامراض المستعصية وكشف اسرار كثيرة في الخلية الانسانية. فضلا عن ان هذا المشروع سيوفر مرجعا هائلا من المعلومات ستساهم في تحديد هوية كل الجينات البشرية وبالتالي كشف مواقع الاف الجينات المرضية في الانسان ومحاولة ايجاد علاج قاطع ونهائي لها. واذا علمنا ان هناك 6 آلاف مرض وراثي تحاصر الانسان في مختلف مراحل عمره ندرك اهمية هذا الامر للخلاص من هذه الامراض..