بيان (2): كتبت لهيب عبدالخالق: ثلاثون ساعة لم تكن كافية لتحسم خلاف المجتمعين في لاهاي حول ظاهرة الانحباس الحراري الذي يهدد مصير الارض والبشرية وانقسم الكبار في لعبة اقل ما يقال عنها انها لعبة اقرار الموت للبشرية. ولاهاي استضافت اواخر نوفمبر الماضي قمة المناخ أو قمة الارض, وانقسم فيها المؤتمرون إلى تيارين, الاول ضم دول اوروبا والثاني ضم امريكا وتحالفها الذي سمي بدول المظلة. والخلاف الذي نشب بدأ حول تطبيق بروتوكول كيوتو ثم امتد حيث اختلفوا في رغبتهم بتقليص الانبعاث الغازي الذي يسبب هذا الاحتباس إلى الخلاف حول رفض (كيوتو) أو قبوله. ولم تفلح جهود اصدقاء الارض والامم المتحدة ونائب رئيس الوزراء البريطاني بريسكوت في تقريب وجهات النظر أو ردم الفجوة بين المؤتمرين, وبدا للجميع ان امريكا مصرة على ارتكاب خطأ كبير بحق الارض والعالم. فما هو بروتوكول كيوتو وما هو البديل الذي طرح وما هي ردود افعال المشاركين في هذا المؤتمر؟ كان الهدف من عقد المؤتمر في لاهاي عاصمة هولندا هو تنفيذ (بروتوكول) دولي يتعلق بالاحوال المناخية تم التوصل اليه في كيوتو باليابان عام 1997. دعا (البروتوكول) إلى تخفيض ما معدله 5% من الغازات الضارة المنبعثة في الدول النامية باعتبار انها السبب في الاحتباس الحراري وبسبب ذلك تأخر اقرار (بروتوكول كيوتو). والواقع الذي اظهرته هذه القمة ان الولايات المتحدة واوروبا اكثر المتسببين في هذه الانبعاثات الغازية, واختلفوا في آلية تنفيذ بروتوكول كيوتو. والمقصود بالانبعاث الغازي هو تقليص انبعاث غاز ثاني اوكسيد الكربون على مستوى العالم لينخفض بنسبة 2.5 % عن المستويات المسجلة للغازات المعنية في عام ,1990 ويقضي بروتوكول كيوتو بتنفيذ هذا الخفض في غضون الفترة من 2008 إلى 2012. كان الهدف من النقاشات الاتفاق على سبل لتنفيذ الاتفاق خلال ثلاث سنوات, فالاحتباس الحراري تسببه هذه الغازات وقد وقع فعلا وقد كان يخشى من حصوله قبل عقد من الزمان. رئيس اللجنة العلمية الدولية التي تتابع التغيرات المناخية نبه إلى ان درجة الحرارة في بعض المناطق قد ترتفع بمعدل 10 درجات خلال القرن المقبل وسيؤدي ذلك إلى جفاف وقحط ومجاعات واسعة النطاق وقد تحدث فيضانات جارفة في اقاليم اخرى. ويشير إلى ان جميع المؤتمرين يعرفون ان المناخ بدأ يتغير كثيرا وان حرارة الارض بدأت ترتفع فعلا, وان هذه التغييرات اثرت على الغلاف الجوي وخلفت ثغرات مضرة وخطيرة. كثيرون أبدوا تشاؤما من التوصل لطرق علاج, فحتى لو وجدت فسيكون من المستحيل تغيير الامور بشكل سريع, فالتغيرات المناخية مثل ارتفاع حرارة البحار والمحيطات رغم كونها ابطأ من الغلاف الجوي ستستمر لفترة اطول وحتى لو قضي على اسباب ارتفاع حرارة الغلاف الجوي فستستمر درجة حرارة المسطحات المائية في الارتفاع. بعض اللاعبين الكبار طالبوا العالم بالتكيف مع التغييرات المناخية دون الخوض في سبل تخفيض انبعاث هذه الغازات, ويشير تقرير قدمته جامعة ايست انجليا للاتحاد الاوروبي ان اوروبا قد تواجه تغيرات مناخية حادة بحلول عام 2100. انصار البيئة يرون ان هذا التكيف مع التغيرات المناخية لا يستطيع تحمله الا الدول الغنية وهو يراعي مصلحة الانسان ويهمل كل الكائنات الاخرى ويرون ان الاستراتيجية الافضل في مواجهة التغيرات المناخية تتمثل في ترشيد استهلاك الطاقة. حاول ممثل بريطانيا ردم الفجوة بين الدول المشاركة بمؤتمر لاهاي ودار الحديث عن حل وسط في معظم القضايا الرئيسية التي اختلفت بصددها الولايات المتحدة واوروبا والدول النامية, لكن هذه المحاولات باءت بالفشل. ووصلت المحادثات إلى طريق مسدود, وسط اختلافات كبيرة بين الاتحاد الاوروبي وما يسمى بمجموعة دول المظلة التي تقودها الولايات المتحدة. ويرى المحللون انه لا يمكن التصديق على بروتوكول كيوتو الموقع عام 1997 والذي يدعو لتقليص انبعاث الغازات على مستوى العالم بنسبة 2.5% عن مستويات 1990 الا اذا تم الاتفاق على اجراءات التنفيذ. وفي محاولة لرأب الصدع تقدم وزير البيئة الهولندي الذي رأس المؤتمر بوثيقة سميت باسمه (وثيقة برونك) لكن رفضا كبيرا واجهها بما فيها الولايات المتحدة رغم ان الوثيقة كانت لمصلحة الولايات المتحدة اكثر من غيرها. واعتبر المؤتمرون ان وثيقة برونك ترضخ كثيرا لمطالب الولايات المتحدة التي وصفتها بانها (غير متوازنة على نحو غير معقول), ويلبي اقتراح برونك قسما كبيرا من مطالب الامريكيين الذين يريدون اخذ (آبار الكربون) في الاعتبار عند احتساب تخفيض الانبعاث لدى كل دولة, وآبار الكربون) تعني: قدرة الغابات والاراضي الزراعية على امتصاص ثاني اوكسيد الكربون. برونك طالب بالتأكيد على الحد من اللجوء لذلك, لكن اقتراحه يفسح المجال امام احتساب انشطة اضافية ضمن هذه الآبار مثل ادارة الغابات أو الاستغلال الزراعي وهو ما يرفضه الاتحاد الاوروبي بسبب عدم وجود تأكيدات علمية حول مدى فاعلية تلك الآبار. ويعتبر علماء البيئة والخبراء الاوروبيون ان هذا التنازل يضعف بروتوكول كيوتو 1997 الذي حدد لـ38 دولة صناعية كمية خفض انبعاثات الغازات. ويؤكد الاقتراح الهولندي في صيغة مبهمة ان الاجراءات الوطنية يجب ان تشكل المصدر الرئيسي لاهداف خفض الانبعاثات التي حددت في كيوتو بمعدل 2.5% بحلول عام 2010 مقارنة مع 1990. منظمة السلام الاخضر ترى في ذلك مخرجا للتنصل من تعهدات كيوتو من خلال السماح للدول الكبرى التي تملك غابات ومساحات زراعية واسعة بابقاء الحصة المتوجبة عليها ولكن بدون خفض انبعاثاتها فعليا. الولايات المتحدة كانت تفضل مع مجموعتها وابرزها اليابان, ان تنشأ آبار الكربون في الدول النامية لما لها من مساحات واسعة. وامريكا تنتج 25% من الغازات المسببة للانبعاث الحراري في العالم, ووفقا لتقديرات خبراء امريكيين فانه سيتعين على واشنطن ان تقوم بخفض الغازات المسببة للانبعاث الحراري بنسبة 35% عام ,2012 ولن يمكن تحقيق ذلك بدون احتساب الآبار أو ما يسمى بالمغاسل. وكان الخلاف الامريكي الاوروبي يدور في معظمه حول مشروع امريكي يسمح بموجبه للدول الصناعية بأن تحسم كميات من ثاني اوكسيد الكربون التي تمتصها الغابات التي يطلق عليها آبار الكربون أو مغاسل الكربون من اصل الكميات المستهدفة لتخفيض الانبعاثات. ويخشى الاتحاد الاوروبي ان تدعي الدول ان كل الغازات المنبعثة بداخلها قد استوعبتها تلك البالوعة ولذا فهي غير مطالبة بان تجري اي تخفيضات في كميات التلوث التي تنطلق من المداخن وعوادم السيارات والمصادر الاخرى. اما الولايات المتحدة فتقول انه لا تستطيع تحقيق الاهداف دون احتساب ما ينشأ عن آبار الكربون وتؤيدها في ذلك استراليا وكندا واليابان. منظمتا السلام الاخضر واصدقاء الارض رأتا ان هذه المقترحات تعني ظهور بؤر كربون في الدول النامية حيث يقام بها مناطق صناعية داخل اراض زراعية أو غابات تعتبرها البلدان الصناعية (غسالات كربون) دون الاضطرار إلى تخفيض انبعاثات الغازات الضارة بالبيئة داخل الدول الصناعية بدرجة كبيرة. التعبير الوحيد الذي اطلقته هذه المنظمات كان (ان الولايات المتحدة تقترف خطأ تاريخيا) وانه اذا لم يتم التوصل إلى اتفاق فستكون هناك ازمة كبيرة. بالنتيجة اعلن عن فشل المؤتمر في التوصل إلى اتفاق حول اجراءات معالجة ظاهرة الاحتباس الحراري في العالم وتم تأجيل الامر إلى مايو في العام المقبل, الامر الذي عد كارثة اصابت الامم المتحدة بذهول وخيبة امل. المراقبون يقولون ان من الصعب ان يرى المرء كيف يمكن لاجتماع اخر ان يقتنص النجاح الذي افلت بين ايدي المتفاوضين في لاهاي, بل ان مؤتمر لاهاي اسقط اتفاقيات ريو دي جانيرو وبرلين, وكيوتو معا, ولم يبق سوى ان يقرأ الجميع على الارض السلام الذي يبدو انه لن يتحقق.