بيان (2): الخرطوم ـ ابراهيم علي: بدأ تدهور السكك الحديدية السودانية تدريجيا ووصل قمته في منتصف الثمانينيات, وبدأ السودانيون في التحسر على فترة ازدهارها في السبعينيات وذلك لاحتكارها، سوق نقل التجارة الخارجية للسودان بمعدل عال تدرج من 95% إلى 94%, 91% ثم 88% لنقل الصادر و 96%, 95%, 90% و87% لنقل الوارد للسنوات الاربع منذ 1972 ـ 1976 حيث بلغت جملة المنقول ثلاثة ملايين طن في الوقت الذي لم يتعد فيه نصيب وسائل النقل الاخرى 11% لنفس الفترة الزمنية. ومن اسباب التدهور تأثر السكة الحديد بالخلل الذي اصاب الاقتصاد القومي السوداني بانخفاض قيمة الجنيه السوداني مما حال دون تجديد الاسطول الناقل وانعكس سلبا على الموقف المالي للسكة الحديد فاضطرت للاستدانة من النظام المصرفي. في قلب الخرطوم تقع محطة سكة حديد الخرطوم التي شهدت كل تاريخ السكة الحديد منذ انشائها في عام 1897م لاهداف عسكرية بغرض ربط المناطق بعضها ببعض بقوة ساحبة قوامها قطارات البخار لخدمة اهداف المستعمر, كما شهدت ادخال قاطرات الديزل عام 1962 ومع مطلع التسعينيات بدأ تنفيذ برنامج اعادة التأهيل تحت اشراف البنك الدولي وتم تقليص العاملين بحجة تقليل فائض العمالة حيث انخفض من 29 الف عامل 89 ـ 90 إلى 467.14 عاملا في العام 1999. صارت هذه المحطة الشاهد على التاريخ مهجورة اليوم وتحولت قطارات الركاب إلى محطة سكة حديد الخرطوم بحري وهي نفس المحطة التي توقف عندها قطار البخار القادم من وادي حلفا لاهداف عسكرية عام 1897 بسبب عدم وجود كوبري على النيل الازرق وقتها. للوقوف على ما آل اليه الحال في محطة ركاب السكة الحديد بالخرطوم التقت (البيان) عددا من المواطنين والمسئولين وعلى رأسهم المهندس عمر محمد محمد نور المدير العام لهيئة سكك حديد السودان, فماذا قالوا عن محطة الخرطوم؟ حاولت (البيان) ان تجد اثرا للركاب في محطة سكة حديد الخرطوم, ولكن لم يكن هنالك سوى مكتب للحجز لا يتبع للهيئة بل للقطاع الخاص الذي يشهر امواله في خط غرب السودان. وفي محطة الخرطوم بحري الجديدة التقت (البيان) بعدد من المسافرين, حيث اشاد محمد احمد حسين بخطوة الهيئة بنقل محطة الركاب إلى الخرطوم بحري, وقال ان كل الخدمات متاحة ولكن بالاستفسار عن موقع سكنه افاد انه يسكن مع اسرته بالقرب من المحطة الجديدة والتي كانت مقدم خير له ولاسرته خاصة في الظروف الاقتصادية القاهرة, وقال ان المحطة صارت لهم مصدرا لكسب العيش. ولكن محمد يوسف ويعمل سائق سيارة نقل قال لـ (البيان) انه يواظب بصورة دائمة على استقبال قطارات الركاب القادمة للخرطوم خاصة قطار بورتسودان ووادي حلفا كما ان كل المسافرين في احياء الكلاكلة حيث يقطن, يحرصون بان يقلهم إلى محطة الخرطوم بحري حيث ان قيام قطارات الركاب دائما في الصباح الباكر. واضاف انه يضطر ان يجمع الركاب في رحلة واحدة حتى يكون المشوار مجزيا ماديا اذ يعجز المسافر الواحد عن تسديد اجرة العربة بمفرده, لذا يضطر ان يعرج على المسافرين في منازلهم لاخذهم للخرطوم بحري. وتحسر محمد يوسف, على تلك الايام التي كانت القطارات تأتي في موعدها لكنه قال: لا يهمني متى يتحرك القطار من المحطة ولكن المهم متى يأتي القطار بالركاب, واضاف ان القطارات تتأخر عن موعدها كثيرا بل لايام مما يجعله يفكر جديا في ترك هذه المهنة إلى مهنة اخرى. وقال الموظف بالمحطة عثمان احمد عثمان ان السكة الحديد التي ترفع شعار (لا بديل للسكة الحديد الا السكة الحديد) يجب ان ترفع شعار (لا بديل لمحطة الخرطوم الا الخرطوم) واضاف ان موقع محطة ركاب الخرطوم كان موقعا استراتيجيا ولا جدوى من نقله إلى الخرطوم, وان ذلك تم دون دراسة. وابان ان هنالك عدة مواقع تقف عائقا امام حركة السير في العاصمة تتمثل في المقابر وهيئة النقل النهري بالخرطوم بحري, اضافة إلى ان السكة الحديد تقف عائقا امام انتشار وتمدد المدينة الا ان القرارات لم تشمل بقية المواقع, وقال ان اغلاق محطة ركاب سكة حديد الخرطوم خطوة لتحويل مسار السكة الحديد نهائيا حتى تعود إلى الجانب الشرقي من الخرطوم في اركويت وسوبا وذلك في خطوة لطرح المساحات الشاسعة التي تحتلها السكة الحديد بالخرطوم لتتحول إلى غابات من الاسمنت تتمثل في العمارات الشاهقة والفلل الفارهة. واضاف عثمان ان السكة الحديد قد تأثرت كثيرا بسياسة الدولة في الانسحاب من دعم الهيئات والمؤسسات, حيث وقع على عاتق القطاع الخاص واجب القيام بالتشغيل الكامل لاصول السكة الحديد من اجل التحديث والتطوير بالتشغيل الكامل لاصول السكة الحديد, وذلك لتحسين قدرتها التنافسية عن طريق تقليل التكلفة وزيادة الكفاءة مشيرا إلى ان السكة الحديد تعاني مثلما تعاني الدولة من شح الامكانيات التي تقف في سبيل انطلاقها نحو الالفية الثالثة ومرحلة العولمة. قال لنا احد العمال رفض ذكر اسمه, ان ما يجعله يتمسك بالوظيفة هو السكن المجاني ولكنه يعاني كثيرا ولا يستطيع الوفاء بمستلزمات اسرته, واوضح ان محطة الركاب بالخرطوم كانت بركة وخيرا وبذهابها ذهب كل الخير. وفي الميز المخصص بسكن العاملين بالهيئة, والذي يقع داخل محطة الخرطوم التقينا, احد العاملين رفض ذكر اسمه ايضا ولكنه قال, كما ترى نسكن في هذه المحطة المهجورة ويسكن معنا عدد كبير من المتشردين الذين كانت تطاردهم شرطة السكة الحديد حتى صار هنالك اتفاق بينهم غير مكتوب ولكن هؤلاء المتشردين لا نسلم من شرهم, كما ان المحطة غابت عنها الانارة مع غياب الركاب لذا نخشى الخروج للمحطة ليلا ونأوي إلى الفراش مبكرا. واضاف ان المحطة صارت مرتعا لاغنام الاحياء المجاورة إلى جانب الكلاب الضالة, وقال ان هيئة السكة الحديد التي تعتبر من اطول الشبكات الحديدية في افريقيا والوطن العربي حيث تبلغ حوالي 4599 كيلومترا قد تعرضت إلى عدة هزات فقد انخفضت نقليات البضائع لاسباب عدة من بينها الحظر الامريكي والذي شمل حتى قطع الغيار مما ادى لانخفاض عدد المحركات العاملة. وقال ان السكة الحديد لعبت دورا مهما في انعاش الاقتصاد وربط مناطق الانتاج والاستهلاك, وقال ان تدهور السكك الحديدية السودانية بدأ تدريجيا منذ نهاية السبعينيات ووصل قمته منتصف الثمانينيات نتيجة لانعدام قطع الغيار والصيانة الدورية. ورحب احد المفصولين من الهيئة بقرارات رئيس الجمهورية التي تضمنت تكوين لجنة لدراسة احوال المفصولين إلى جانب تشكيل لجنة لاعادة هيكلة السكة الحديد, ولكنه اضاف ان الارقام تشير إلى ان عدد العاملين بالهيئة انخفض من 29 الف عامل عام 1995 إلى 14467 عاملا عام 1999م. اخيرا تحدثنا إلى المهندس عمر محمد محمد نور المدير العام لهيئة السكة الحديد الذي اكد ان محطة الخرطوم ستظل محطة اساسية لكل اعمال السكة الحديد رغم الغاء محطة الركاب حيث يتم في محطة الخرطوم اعداد القطارات في ورش الخرطوم, واضاف ان كل القطارات التي تسير شمالا وجنوبا يتم تجهيزها بالخرطوم إلى جانب صيانة عربات الركاب, وأبان ان محطة الخرطوم هي التجمع الاكبر لصيانة كل قطارات الهيئة خاصة وان وضع محطة الخرطوم وبالعدد الهائل لخطوط السكة الحديد داخل المحطة يساعد كثيرا في ان تقوم المحطة بهذا العمل. كما ان المخازن التي تتبع الهيئة بمحطة الخرطوم مستغلة الان بواسطة العملاء من التجار الذين يتعاملون مع الهيئة في نقل بضائعهم. وقال المهندس نور ان محطة الخرطوم تسير منها قطارات محدودة نسبة لترتيب الاولويات في خطوط السكة الحديد, وقال اننا نعتمد منذ العام 1991 على ايرادنا الذاتي دون اي دعم من الدولة, وان محطة الخرطوم بحري الجديدة تعتبر الان طفرة بالنسبة لمحطات السودان جميعا, وان الهيئة تأمل في ان تكون محطة الخرطوم بحري نواة لانشاء محطات بنفس المستوى خاصة وان الهيئة بخلاف عملها التجاري تقوم بعمل استراتيجي والدليل تسيير قطار السلام والتنمية من المجلد إلى واو. وقال ان الهيئة استطاعت تجاوز كل المعوقات والصعوبات التي واجهت التشغيل والتي تتمثل في الخريف وما يصاحب ذلك من امطار وقطوعات إلى جانب العجز الكبير في المحركات السفرية وذلك نتيجة للحظر الامريكي الذي بدأ منذ العام ,1997 علاوة على الانخفاض الحاد في نسب الترحيل عموما مع قطاع النقل نتيجة لاستحداث رسوم جمركية جديدة وتضارب السياسات الاتحادية والولائية في الرسوم الخاصة بالصادر. واوضح ان عدد الركاب المنقولين خلال العام 1999 بلغ 690.257 راكبا بالمقارنة مع 800.240 راكب خلال العام 1998 بنسبة زيادة بلغت 7%.