بيان (2): دمشق ــ مفيد نجم: ظلال ندية من خضرة الحور, ونوافذ من ياسمين, ونجمة تتألق في السفح هكذا دمشق ظلت في قصائد الشعراء جدائل تطير مع نسائم الصباح وقبابا بيضاء يطير فوقها الحمام ونوافذ تهمس، في عشق لبعضها البعض وحواري تأخذك في الماضي التليد .. لكن هذه المدينة التي خلدها الشعراء في قصائدهم . وخلعوا على ابوابها تعب العشق ودخلوها آمنين بادلتهم حبا بحب ونقشت اسماءهم في ذاكرتها كما نقشوا اسمها في قصائدهم وكانت دمشق المدينة التي عرفت القيمة الجمالية والفكرية لهذا الابداع الاصيل الذي طالما جعله العرب موضع تبجيل خاص كما عرفت الدور الوطني والقومي الكبير الذي لعبه الشعراء في تاريخ النضال الوطني من اجل الحرية والاستقلال ووحدة الامة العربية. لقد كرمت دمشق الشعر والشعراء وكانت المدينة العربية السباقة في تسمية العديد من شوارعها باسماء الشعراء العرب من القدامى والمعاصرين, ولم تكتف بذلك بل اطلقت اسماءهم على بعض الاماكن الثقافية والدينية الجميلة من اجل اغناء ذاكرتنا الحية وتحقيق التواصل الحي والدائم بين رموزنا الشعرية والادبية وبين الناس , بين الماضي والحاضر, وكانت مدينة دمشق حريصة في كل هذا على ان تبقي قلب العروبة النابض بالحياة من خلال تسمية الشوارع والاماكن الاخرى باسماء شعراء عرب ومن مراحل تاريخية مختلفة, وقد كان شهداء الحرية في السادس من مايو الذين اعدمهم الاتراك في دمشق وبيروت في طليعة هؤلاء الشعراء الذين خلدتهم في ذاكرتها تقديرا لما قدموه على مذبح الاستقلال. ويعتبر الشاعر الكبير ابو الطيب المتنبي هو اهم الشعراء العرب الذين سمي احد شوارع دمشق المعروفة باسمه والذي يقع في مركز المدينة بجوار احد اهم مقاهي المثقفين ــ الهافانا ــ قديما وحديثا, وقد خلدت دمشق عددا من الشعراء الذين كانوا ضمن مجموعة شهداء الحرية الذين اعدمهم جمال باشا السفاح. اما من الشعراء العرب الذين اطلقت اسماؤهم على الشوارع الاخرى فهناك الشاعر العربي الفلسطيني ـ ابو سلمى ــ والشاعر التونسي ابو القاسم الشابي, والشاعر القروي ــ رشيد سلمي الخوري ــ والشاعر خليل مردم بك والشاعر خير الدين الزركلي والشاعران الاخيران يعتبران من شعراء الشام المعروفين. الشاعر الوحيد الذي جرى تكريمه في حياته من خلال اطلاق اسمه على احد الشوارع الجميلة الواقعة في اهم احياء دمشق الجميلة, هو الشاعر نزار قباني وقد اختير الشارع الذي تظلله اشجار الحور والياسمين ليحمل اسم هذا الشاعر الذي عرف بحبه لمدينته وتغنيه بجمال ياسمينها وحورها وعظمة تاريخها, وذلك لكي يتناسب هذا الشارع مع القيمة الكبيرة التي ظل يمثلها الشعار, ويكون هناك ثمة ارتباط بين جمال الشارع, وبين جمال الشعر الذي كتبه قباني, وجعله كقلائد مرصعة بالذهب على صدر هذه المدينة التي سكنته حيثما كان وأنى رحل. احتفاء بالفكر ان احتفاء دمشق بالفكر والابداع واضح حيثما تجولت في اماكنها فحديقة ــ الجاحظ ــ التي تعتبر من اجمل حدائق دمشق واقدمها تحمل اسم هذا الكاتب العربي الاسلامي الذي اغنى تراثنا, ودافع عن العروبة واللغة العربية طويلا في وجه الشعوبية وفي مكان آخر جميل ينهض على بوابة حديقة جميلة اخرى وعلى الشارع الموازي لها اسم المفكر الراحل زكي الارسوزي الذي اسس لعصبة العمل القومي وبحث في اللغة العربية حيث يطل من بين اوراق الاشجار الخضراء تمثالان نصفيان الاول للجاحظ والثاني للارسوزي لكي تظل العلاقة بين ذاكرة المكان وذاكرة الانسان حية وغنية على الدوام. والحقيقة ان الاهتمام بالشعر لم يتوقف على تسمية الشوارع والحدائق بل هو موجود حتى في تسمية بعض الاماكن الدينية كجامع الشاعر الصحابي المعروف حسان بن ثابت شاعر الرسول صلى الله عليه وسلم كما تحمل بعض مدرجات جامعة دمشق اسماء عدد من شعراء دمشق الذين خدموا الثقافة واغنوا تاريخ المدينة الثقافي بابداعاتهم كالشاعر شفيق جبري شاعر الشام المعروف, وقد قامت محافظة مدينة دمشق بخطوة هامة تمثلت باضافة لوحة جديدة الى جانب اللوحة القديمة التي تحمل اسم الشارع او الجادة او الحديقة, وتتضمن هذه اللوحة لمحة موجزة عن حياة وتاريخ الشاعر او الاديب او عن سبب التسمية ومعناها واسبابها. وكانت محافظة دمشق قد شكلت لهذه الغاية لجنة مؤلفة من اساتذة الجامعة والباحثين المختصين والآثاريين بغية انجاز هذه المهمة التي جعلتنا نتعرف الى حقيقة هذه التسميات وذلك لكي يتحقق التواصل الدائم والمعرفة الحقيقية بهذه الرموز وهؤلاء الاعلام من الشعراء والكتاب, او بجوانب تاريخنا الهامة. لقد تميزت دمشق بحب الشعراء لها وها هي تتميز بحبها لهم وتأكيدها على الرابطة الروحية والجمالية والفكرية التي تجمعها مع شعراء العرب وقيم الجمال والابداع الاصيل التي مثلها ويمثلها شعرهم على الدوام حتى اضحت ذاكرة المكان الدمشقي هي ذاكرة الابداع الحي الاصيل وذاكرة الوجدان الوطني والقومي والتراث العربي الاسلامي الذي مازالت دمشق تمثل اهم علاماتهم المشرقة في التاريخ.