بيان (2): لا يزال تلف الدماغ يصنف بأنه أسوأ محنة يمكن أن تحل بالإنسان سواء حدث نتيجة مرض أو إصابة, حيث أن ذلك يمكن أن يسلب المصاب القدرة على الحركة بشكل صحيح والتفكير والاتصال مع الغي، ر كما كان يفعل. والأسوأ من ذلك ان هذه الحالة ليس لها علاج, وعلى الأقل فإن الدماغ بدا حتى وقت قريب كأحد أجزاء الجسم القليلة التي لا تستطيع ترميم نفسها. ولكن العلماء الذين يسعون حالياً لفهم أكثر أعضاء الجسم تعقيداً اكتشفوا أن الدماغ يمكن إصلاحه في بعض الحالات, وأن من الممكن إقناعه بإشفاء نفسه. ويحقق فريق من الباحثين في مركز كمبردج تقدماً مشجعاً في جهودهم لمعرفة المزيد من العمليات التي تسبب التلف للجهاز العصبي المركزي.. وهو تعبير يستخدم للإشارة إلى الدماغ والحبل الشوكي .. وفي تطوير الاستراتيجيات التي يمكن أن تمكن الأطباء من إيقاف أو حتى إصلاح بعض التلف. ويقول الفريق الذي يتألف من 50 باحثا في مركز كامبردج لترميم الدماغ إن من الممكن في المستقبل معالجة بعض أمراض الدماغ المتحللة والتي تمثل حالياً عبء الإعاقات على الأفراد والمجتمع ككل. ويقول العلماء ان من بين الحالات التي يستهدفها الفريق في أبحاثه الأمراض المدمرة مثل مرض باركنسون, ومرض هنتينجتون ومرض تصلب الأنسجة المتعدد, ومرض الزهايمر (الرعاش) وتلف الدماغ والسكتة الدماغية الناتجة عن إصابة الحبل الشوكي والمناطق الأخرى, حيث يوجد الآن شعاع من الأمل. قال الدكتور روجر باركر, كبير المحاضرين في علم دراسة الأعصاب في وحدة كمبردج للدماغ إن (الأولويات المركزية لمركز ترميم الدماغ هي معالجة الأمراض التي تؤثر على الدماغ وإعداد طريقة خاصة بكيفية إصلاح الدماغ والجهاز العصبي المركزي). هناك حاجة ماسة لهذا البحث, فزيادة متوسط العمر في العالم الغربي تعني أن المزيد والمزيد من الناس يعانون من حالات الدماغ المتدهورة أكثر من أي وقت مضى. ومن المتوقع أن يعاني 15% ممن هم يبلغون من العمر أكثر من 65 عاماً في البلدان الصناعية من أحد الأمراض العصبية التي تسوء شيئاً فشيئاً. ويرتفع هذا العدد إلى نسبة 40% بين من يبلغون من العمر أكثر من ثمانين عاماً. وقد أجرى الكونجرس الأمريكي مؤخراً دراسة قدرت أن هذه الأمراض تكلف الولايات المتحدة 300 بليون دولار في السنة. ولكن تلف الدماغ يمكن أن يحدث للمرء في أي وقت من حياته لعدة أسباب.. فمن الممكن أن يحدث ذلك نتيجة المرض ولكنه يمكن أن يكون أيضا نتيجة لجرح مفاجئ بسبب حادث, وتكون الآثار في كلا الحالين مروعة بالنسبة للضحايا وعائلاتهم لأن التلف كان يعتبر دوماً أمرا نهائياً. وكان ينظر إلى الدماغ منذ مدة طويلة على أنه غير قادر على التكيف أو الإصلاح.. فقد كان التفكير السائد هو أن خلية الدماغ حينما تموت, فإن التلف الناجم لا يمكن إصلاحه. ويحصل التلف الدماغي عندما يفقد الدماغ الخلايا العصبية أو ما يعرف بالنيورون .. بسبب الإصابة أو المرض ويشبه علماء الأعصاب الخلايا العصبية وهي أحد النوعين من الخلايا الموجودة في الجهاز العصبي المركزي بنظام الأسلاك الكهربائي في الدماغ. وأوضح ذلك الدكتور باركر, وهو طبيب أعصاب باحث في مركز كمبردج لإصلاح الدماغ, قائلاً (إنها الخلايا التي تتصل ببعضها وتسيطر على النبضات بين أجزاء الدماغ وأجزاء الجسم الأخرى كالعضلات في الأطراف وذلك للقيام بالحركة). يحدث مرض باركنسون, وهو من أكثر أمراض الدماغ المتدهورة شيوعاً بتحلل نوع معين من الخلايا العصبية, على الرغم من أن السبب غير مفهوم تماماً. والمعروف أن التلف يحدث في الجزء من الدماغ الذي ينتج مادة كيماوية تسمى (دوبامين) والتي تعمل بشكل رئيسي في السيطرة على الحركة. ويميل المصابون إلى التحرك ببطء وبصعوبة ويعانون في كثير من الأحيان من الارتعاش. ولا يزال العلاج الوحيد المتوفر ليومنا هذا لهؤلاء المرضى هو التعويض عن مادة الدوبامين المفقودة, ويمكن لهذا العلاج الدوائي أن يخفف من الأعراض في المراحل الأولى, ولكنه لا يحل المشكلة جذرياً لأن مرض باركنسون هو مرض مستفحل ومتدرج, حيث أن المريض يفاجأ في نهاية المطاف بتقدم المرض الذي لا يمكن إيقافه. ولكن التقنية التي تشمل تعويض خلايا الدماغ التي فقدت بسبب المرض, وذلك بواسطة الزراعة تبشر بإعطاء أمل بتأخير النهاية لدى المصابين بالمرض.. وأوضح الدكتور باركر: (بزراعة الخلايا, نحاول إعادة أعداد جديدة من الخلايا والتي بدورها تعزز مادة دوبامين في حالة مرض باركنسون وبذا يشفى المريض). وتعتبر النتائج مشجعة لحد الآن, وقد جرت تجربة التقنية في العديد من مراكز الأبحاث في العالم ومن ضمنها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا والدول الإسكندنافية مع درجات متفاوتة من النجاح. وكانت أكثر النتائج فاعلية لحد الآن عندما تم أخذ الخلايا من دماغ بشري نام.. كاستخراج الخلايا من جنين مجهض وزرعها في دماغ إنسان بالغ. كانت التجارب التي أجريت في السويد على مرضى باركنسون مشجعة بشكل خاص. قال الدكتور باركر: ''لأننا لا نعلم سبب موت الخلايا, فقد كان ينتابنا القلق بأن الخلايا المزروعة ستواجه نفس المصير الذي واجهته خلايا المريض التي تفرز مادة الدوبامين وبالتحديد الموت(ولكن المرضى في السويد عاشوا عشرة أعوام بعد زراعة الخلايا واستمرت الخلايا الجديدة بإنتاج مادة الدوبامين بينما استمرت بقية خلايا المريض الأصلية التي تفرز الدوبامين بالموت. ويعني ذلك أن الخلايا المزروعة لم تتأثر بالعامل الذي كان يؤدي إلى موت الخلايا الموجودة في دماغ المريض). وتشمل أبحاث الدكتور باركر, في الوقت الذي نتناول فيه مرض باركنسون, اضطراباً آخر وهو مرض هنتينجتون, إن هذا المرض المرعب وغير المفهوم تماماً كمرض دماغ, يحكم على المريض بحياة مشوهة تنحط فيه حالته العقلية والجسدية لا محالة. وخلافاً لمرض باركنسون, فإن مرض هنتينجتون هو مرض وراثي سببه خلل جيني. وهو مرض لا علاج له على الإطلاق, بالرغم من أن بعض أعراضه, وخاصة الكآبة التي تصاحبه, يمكن تخفيفها في المراحل الأولى من المرض. ولاحظ الدكتور باركر أن المرء (إذا أصيب به, فليس هناك من مساعدة متوفرة يمكن تقديمها للمريض أو عائلته). ولكن التجارب السريرية التي بدأها مركز كمبردج بعثت بعض الأمل لضحايا مرض هنتينجتون. ويعتقد أن الجزء الأساسي من الدماغ الذي يموت أثناء هذا المرض هو منطقة الوصل التي تقع في عمق الدماغ والتي يعتقد بأنها تلعب دوراً مهما في حل المشاكل والحركة. قال الدكتور باركر: (حالما يتقدم المرض تبدأ أجزاء أخرى كثيرة من الدماغ بالتلف بالرغم من أن ذلك يبقى غير مفهوم فيما يتعلق بالكيفية أو السبب). ويركز علماء الأعصاب في مركز كمبردج وزملاؤهم الباحثون على فكرة استبدال الخلايا التالفة في منطقة الوصل بالدماغ بخلايا تؤخذ من مصدر خارجي. ويقوم العلماء بهذا تماماً كما يفعل زملاؤهم الذين يطورون تقنيات الزراعة الخاصة بمرضى باركنسون بواسطة استخدام أنسجة مستخرجة من أجنة مجهضة وحقنها في الموقع المستهدف من دماغ المريض الذي يكون تحت تأثير المخدر العام. وتشير التجارب التي أجريت على الحيوانات أن هذه الطريقة تؤدي إلى تحسن ملحوظ على الرغم من أن نتائج التجارب على الإنسان تحتاج إلى عدد من السنين كي يصبح بالإمكان تقييمها. ولكن مجالاً آخر جديداً في أبحاث زراعة خلايا الدماغ, كان مركز كمبردج الرائد فيه, يعطي أملا بتوفير علاج حاسم بشكل أكبر لضحايا ومرضى تلف الدماغ. ومن شأن هذا أن يسمح للدماغ أن يصلح نفسه بنفسه بصورة فعالة. وتشمل الطريقة إنماء خلايا جذرية وهي خلايا غير مكتملة النمو لها قابلية فريدة على النمو إلى أي نوع من الخلايا الخاصة في الدماغ.. في المختبر. وتمثل عملية استخدام خلايا الدماغ المزروعة صناعياً حجر الزاوية في الأبحاث الخاصة بإصلاح الدماغ وذلك حسبما يقوله العلماء. وقد اكتشف الباحثون أن خلايا الدماغ التي تنمو خارج جسم الإنسان يمكن زرعها في الدماغ التالف, وبذلك يمكن مساعدة هذا الدماغ على إصلاح نفسه بصورة فعالة, وقد أظهرت التجارب التي أجريت على الحيوانات أنه من الممكن إنماء خلايا الدماغ البشرية في مزرعة وزراعتها في الأدمغة التالفة للجرذان والفئران المشلولة وتحقيق تحسن ملحوظ في تصرفاتها وحركتها. وقد جربت هذه التقنية جزئياً استجابة إلى المعارضة الأخلاقية لفكرة زراعة خلايا مستخرجة من أجنة بشرية مجهضة. ويمكن إنماء الخلايا الجذرية المستخرجة أيضا من أدمغة أجنة الجرذان والفئران والخنازير, ولكن هناك أيضا قلقاً من الناحية العملية, فبعض النقاد يخشون من إمكانية انتقال العدوى عن طريق الزراعة من مصادر بشرية, على الرغم من أن النسيج المستخرج يفحص بدقة للتأكد من خلوه من مرض الإيدز والفيروسات الأخرى. قال الدكتور باركر: (هناك أيضا مشاكل واقعية). وأضاف أن (الشخص البالغ الذي يعاني من مرض باركنسون يحتاج إلى ما بين ستة إلى اثني عشر جنينا بشريا مجهضا, مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك حوالي 000.120 مريض يعانون من مرض باركنسون في المملكة المتحدة وحدها, مما يتطلب عدداً كبيراً من الأجنة التي نحتاجها. وقال الدكتور باركر إن (كافة الخلايا في الدماغ النامي تأتي من بضع خلايا تسمى خلايا جذرية تتميز بخاصية الانقسام). وأضاف (إذا كان باستطاعتك الحصول على مصدر لهذه الخلايا, يمكن إنماؤها في المختبر ولذا فإنها تستمر في الانقسام, ويمكنك البدء بجنين واحد والانتهاء ببلايين الخلايا التي يمكنك زراعتها في أي عدد من المرضى). ويواجه العلماء في مركز كمبردج حالياً مشكلة رئيسية وهي تحديد كيفية تحويل الخلايا المزروعة حديثاً إلى خلايا عصبية يحتاج إليها دماغ المريض, قال الدكتور باركر: (على سبيل المثال, في حالة مرض باركنسون, لا نعلم كيف نحول الخلايا الجذرية إلى خلايا تفرز مادة الدوبامين). وأضاف أن (ذلك هو سبب توقفنا في الوقت الراهن), وحالما يتم التغلب على هذه المشكلة .. ويبدو أن ذلك سيكون ممكناً, مع الأخذ بعين الاعتبار الخطوط الواسعة التي تم تحقيقها في فهم الدماغ خلال العقد الماضي... فإن هناك آمالاً بأن يتم تطوير التقنيات لمساعدة الضحايا الذين يعانون من أنواع أخرى من تلف الدماغ, على الرغم من أن الطريقة ستكون مختلفة في كل حالة. ففي حالة إصابة الحبل الشوكي, فسيكون التلف نهائيا, بينما أن الحالة في مرض تصلب الأنسجة المتعدد أو مرض الزهايمر مستمرة, ولذا يتوجب علينا في البداية إيقاف تدهور حالة المريض قبل البدء بمرحلة من الإصلاح قال الدكتور باركر: (لكثير من الاستراتيجيات التي نعمل عليها يمكن تطبيقها على حالات أخرى من أمراض الدماغ وخاصة السكتة الدماغية), (في حالة تضرر الحبل الشوكي, لا توجد مشكلة في تدهور الوضع, خلافاً لما هو الحال عليه في مرض باركنسون أو هنتينجتون, ويمكن أن تكون الكثير من عمليات الزراعة مناسبة لإصلاح الضرر في الحبل الشوكي). ويدرس الباحثون في مركز كمبردج لإصلاح الدماغ الألياف العصبية التي يمثل تلفها المشكلة الرئيسية في حالة إصابة الحبل الشوكي. ويقوم العلماء بالتجارب لمعرفة الطرق التي يمكن بواسطتها جعل الألياف العصبية .. التي تربط الخلايا العصبية بينها تسمح بإرسال الإشارات وبذلك تجعل الحركة ممكنة .. تنمو من جديد. ويحاول فريق آخر يدرس مرض تصلب الأنسجة المتعدد .. وهو أكثر الأمراض المسببة للعجز شيوعاً في العالم الغربي, والذي يؤثر على الجهاز العصبي المركزي للبالغين الصغار.. إيجاد طريق لتشجيع إعادة نمو المايلين, وهي المادة التي تعزل الألياف العصبية, مساعدة الخلايا العصبية الاتصال ببعضها البعض. وفي حالة مرض تصلب الأنسجة المتعدد, فإن الإشارات لا تستطيع الانتقال بسبب تعطل عمل مادة المايلين, وذلك بسبب احتمال قيام الجسم بمهاجمة جهازه العصبي لأسباب لاتزال مجهولة .ومن غير المحتمل أن يكون بالإمكان مساعدة كافة ضحايا أمراض وإصابات الدماغ بواسطة الأبحاث الجديدة, ولكن العلماء يقولون الآن إنهم يرون أملا حقيقياً لبعض هؤلاء المرضى. قال الدكتور باركر: (من المحتمل أن يعتمد مدى نجاح العلاج على المدى الذي وصل إليه المرض), وأضاف ان المرء (إذا أصيب بسكتة دماغية ضخمة, فإنني أعتقد أنه من غير المحتمل أن يكون بمقدورنا إعادة كافة الخلايا المفقودة, ولكن كلما فهمنا الدماغ أكثر, فإننا نفهم كيفية إصلاحه بصورة أفضل). ملحق: تدريب الدماغ الاعتقاد القديم بأن الدماغ البشري محكوم عليه بالتحلل دون توقف مع مرور الزمن قد لا يكون صحيحاً, ويظهر بحث جديد أنه حتى أدمغة البالغين يمكن أن تنمي خلايا جديدة مما يوحي بأن ذلك يستحق تكريس المزيد من الوقت والحرص للمغذيات كالسكر والأوكسجين إلى الدماغ والتي يتم بواسطتها طرد الفضلات المؤذية كثاني أكسيد الكربون ومن جهة أخرى بقيت أدمغة الفئران التي تركت تحملق في الجدران دون تغيير.