بيان (2): صنعاء ــ عبدالكريم سلام: يرصد اليمن 20% من الموازنة العامة للتعليم الذي يعد ركيزة أساسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية, غير ان اليمن بدأ يعاني من ظاهرة بطالة الخريجين نظراً لعدم قدرة سوق العمل على استيعاب الأعداد المتزايدة منهم. وتتفاقم المشكلة سنة بعد أخرى بسبب سياسات الحكومة المالية التي لا توفر فرص عمل كافية وعجز القطاع الخاص عن استيعاب مخرجات التعليم الجامعي. ويرى الدكتور محمد عبدالواحد الميتمي استاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء والباحث بمركز الدراسات والبحوث اليمني ان مشكلة بطالة الخريجين في اليمن مشكلة خطيرة ومتفاقمة ومنبع هذه البطالة التي تقول بعض التقديرات انها تصل الى 50% وتزداد هذه النسبة بين خريجي الجامعات النظرية, وهذا أمر فيه تناقض شديد وهذا التناقض يكمن في أن البلد ما زال نامياً وما زال بحاجة لكثير من المهارات لأنه لم يستكمل بناه الأساسية بعد, وبالتالي هناك انتشار مريع ومتزايد لهذه الظاهرة, والمشكلة هي في سوق العمل وإذا كان هناك من يقول ان المشكلة هي في أن عرض الخريجين يفوق سوق العمل وهذه النظرة ليست عميقة وبالأصح فهي لا تبحث عن الاسباب الحقيقية للأزمة, صحيح ان هناك توسع في التعليم لكن رغم ذلك لايصل عدد الخريجين إلى حدود ثلاثين أو أربعين ألفا, وهذا رقم إذا قيس بعدد السكان البالغ 18 مليون نسمة ليس كبيراً ومع ذلك فالبطالة حادة وسط الخريجين إذن فالمشكلة الأساسية في طبيعتها هي ان سوق العمل في اليمن سوق خاملة غير نشطة. ويستطرد الدكتور الميتمي بقوله على الرغم من أن الاصلاحات الاقتصادية جاءت لتحرك سوق العمل لكن ذلك لم يتحقق وإذا كانت هذه الإصلاحات نجحت في إحداث قدر من التوازنات المالية حتى الآن لكنها فشلت في تحقيق أهم عناصر التوازن الأساسي وهو توفير فرص عمل للأفراد, وأي اقتصاد في العالم يحكم على مدى نجاحه أو فشله من خلال مدى تأمينه لفرص عمل ووظائف وإذا عجز عن ذلك فمعنى ذلك أن هناك خللا في طبيعة النظام الاقتصادي. ويعتقد الميتمي ان مشكلة الخريجين تكون أكثر خطورة لأن هؤلاء الأفراد صرفوا وقتاً وجهداً ومالا على أمل أن يظفروا بوظيفة أو منصب عمل لكنهم بمجرد أن يتخرجوا يجدوا الأبواب أمامهم موصدة. ويرى الميتمي ان مكمن الخطورة في هذه الظاهرة انها غير محصورة بكونها مشكلة اقتصادية فقط بل هي مشكلة اقتصادية, اجتماعية, سياسية ونفسية, فالبطالة تعني الفقر وعندما يحرم الانسان من وظيفة فهو يحرم من لقمة العيش ويصبح خارج النظام الاجتماعي وتكون النظرة اليه غير سوية, وبالتالي تخلق عنده انعكاسات نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية, وكثيراً ما ترتفع نسبة الجريمة كأحد ارتدادات العيش في هذه الوضعية الهامشية التي يعيشها العاطل ويشكل مشكلة اقتصادية لأهله ولنفسه ومشكلة اجتماعية داخل المجتمع ومشكلة سياسية بالتأكيد لأن هؤلاء أصبحوا قادرين على تفسير واقعهم والآمال التي رسموها لمستقبلهم لم تؤد إلا إلى الاحباط وهذا طبعاً يولد ردود فعل لن تكون ايجابية على الاطلاق تجاه المجتمع. القطاع الخاص ويعلق الدكتور الميتمي على مدى مساهمة القطاع الخاص في امتصاص هذه الظاهرة قائلاً: للأسف الاصلاح الاقتصادي في اليمن وجه جهده لاعطاء القطاع الخاص المبادرة في النشاط الاقتصادي وفي الوقت ذاته سعى إلى أن يكون دور الدولة في أقصى الحدود الممكنة أي مجرد دور اشرافي ولأن دور الدولة تراجع فإن استيعابها للمتخرجين أصبح محدوداً للغاية, وفي كثير من الأحيان مقفل في وجوههم, فصار الأمل معقوداً على القطاع الخاص لكن في حالة اليمن القطاع الخاص نفسه يشكو من أنه عاجز عن القيام بدوره لأن المناخ الذي يعمل فيه هو مناخ غير ملائم والقوة الكابحة لحركة رأس المال وحركة العمل داخل النشاط الاقتصادي ما زالت كبيرة والحقائق تقول انه سيكون لدينا في حدود سنة 2004 حوالي 220 ألف خريج من كافة الجامعات ولن يستطيع سوق العمل اليمني بكافة فعالياته من القطاع الحكومي والقطاع المختلط والقطاع الخاص أن يستوعب منهم سوى ثلاثين ألف خريج يعني ان البقية ستكون عاطلة عن العمل. تدابير للخروج من الأزمة ويرى الدكتور الميتمي ان لا مخرج من هذه الوضعية الا باتخاذ عدد من التدابير والاجراءات منها: * اعادة النظر في مسألة التعليم لأن نظام التعليم الحالي في اليمن لا يوفر للخريجين في اليمن مرونة في التعامل مع سوق العمل سواء على مستوى سوق العمل المحلي او الاقليمي والدولي وبالضرورة في الوقت الراهن البدء بإعادة بنية النظام التعليمي بحيث يتكيف مع سوق العمل اليمني من جهة ومع سوق العمل في المنطقة كلها وبدرجة أساسية منطقة الخليج العربي لأن سوق العمل اليمني ضعيف. * إعادة تأهيل الخريجين لحاجة سوق العمل اليمني واحلال كثيرين منهم في الأعمال الوسيطة التي يعمل بها وافدون, وهي أعمال يمكن لليمنيين القيام بها لكن لعدم وجود تأهيل وتدريب في هذا الجانب يفضل رجل الأعمال العمالة الوافدة لأنها مدربة ومؤهلة وبالتالي لابد من اعادة النظر في عملية التدريب والتأهيل حتى يتلاءم مع حاجة السوق اليمنية والسوق في المنطقة العربية. فمشكلة البطالة ستتفاقم والمشاكل الاجتماعية والسياسية المترتبة عنها ستكون أكثر حدة وربما تظهر وتبرز وتفلت. ولأن القطاع الخاص اليمني هو محدود فإنه الى جانب ذلك يشترط معايير لا تتوفر في المتخرجين من الجامعات وفي هذا الاطار يرى محمد حسن الزبيري من مجلس ادارة الغرفة الصناعية والتجارية في محافظة صنعاء ان مخرجات التعليم في اليمن لا تفي بأغراض التنمية وبمتطلبات القطاع الخاص فليس هناك مشاريع استثمارية كبيرة وتوسعها محدود وتعطي فرص عمل محدودة أقل من عدد الخريجين, وإذا وجدت مشاريع استثمارية فهي تشكو من أن مخرجات التعليم أكاديمية عالية المستوى ونحن نريد فنيين متخصصين, ويضيف الزبيري وعموماً نمو القطاع الخاص يتوقف على مناخ الاستثمار وهو مناخ تعترضه بعض العوائق والمشاكل التي تحول دون نمو الاستثمار وعلى الرغم من أن قانون الاستثمار هو قانون جيد ومشجع, لكن هناك الكثير من العوائق التمويلية وليست بالقدر الكافي هناك ايضا مشاكل ادارية لا داعي للخوض فيها وكل هذا يحد من المشاريع الاستثمارية في القطاعات الصناعية والزراعية وايضا كما هو معلوم المشاكل الامنية اثرت على القطاع السياحي كثيرا وهذه القطاعات يمكن لها ان تستوعب العمالة إلا ان هذه الصعوبات تخنق فرص العمل وطالما ان المشاريع لا تتوسع فحينها ستقل الوظائف ومناصب الشغل, وهذا اذا افترضنا ان مخرجات التعليم تفي بغرض هذه المشاريع لكن للاسف الشديد معظم الخريجين يغلب على تكوينهم التعليم الاكاديمي وليس هناك اهتمام واندفاع للمعاهد الفنية التي تؤهل فنيين ومهنيين وحرفيين وقد حاولت الامم المتحدة والبنك الدولي ان يحثوا وزارة العمل على اقامة المعاهد المهنية وقد روعي ان تكون لهذه المعاهد المهنية صندوقا يتم تمويله عن طريق القطاع الخاص ويرأسه زميل من هذا القطاع وهذا الصندوق هو صندوق التدريب المهني ومفروض ان تتمخض عنه المعاهد العلمية لكن الى الآن لم نسمع الكثير عن مخرجات من هذه المعاهد ونتمنى ان يلد هذا الصمت فيلا وليس فأرا. تردد في التوطين ومعلوم ان القطاع الخاص يبقى محدود القدرة لاستيعاب الكثير من مخرجات التعليم ويوضح المسح الصناعي لعام 1996م ان 95% من اجمالي المنشآت الصناعية اليمنية البالغة نحو 33500 منشأة هي منشآت صغيرة في حين تمثل المنشآت المتوسطة والكبيرة على التوالي 4% و1% فقط زيادة على ان هذه المؤسسات والشركات تتعرض لمنافسة كبيرة من جراء اندماج الاقتصاد اليمني في الاقتصاد العالمي وما سيترتب على العولمة من آثار ستقود الى تلاشي واختفاء هذه المؤسسات نظرا لعدم قدرتها على مواجهات تحديات المنافسة اضافة الى ان هناك ترددا في توطين الاستثمارات لاسباب تتعلق بالقضاء والامن والادارة والبيروقراطية مما يعمق من حجم المشكلة خاصة ان هناك دراسات استطلاعية اعدها البرنامج الانمائي للامم المتحدة ووزارة التخطيط والتنمية اليمنية كشفت عن ان 51% فقط من خريجي 96/97 حصلوا على عمل بعد تخرجهم فيما 41% بدون عمل وبالنسبة لخريجي عام 97 /98 لم يعمل منهم سوى 31% بينما 69% لم يتمكنوا من الحصول على عمل وهذه النسبة في تزايد مستمر في وقت لا تستطيع الدولة توفير سوى 4100 منصب عمل وحسب الاحصائيات الرسمية فإن عدد المتخرجين بلغ خلال العام الدراسي 98/99 حوالي 16500 خريج وخريجة وسيبلغ هذا العدد حوالي 59000 بنهاية العام الدراسي 2003/2004 ما يرفع الرقم الاجمالي الى حوالي 220 الف خريج وخريجة وتلك مؤشرات لاشك انها ستكون مربكة لكثير من الاوضاع على نحو يتطلب الاستعداد لها من الآن وهي استعدادات تحيل الى كثير من التساؤلات عن كنهها وطبيعتها في بلد يراهن على التعليم في بلوغ الاهداف التنموية ويتعذر عليه تأمين فرص عمل للافواج المتلاحقة من الخريجين الذين اصبحوا اليوم يقودون تجمعات احتجاجية يلحظها المرء تارة امام مجلس النواب واخرى امام مقر الحكومة ما يعني ان الغد الآتي يتعين التخطيط له من اليوم, فإن بطالة المتعلمين ستظل القنبلة الموقوتة المحتمل انفجارها في اي لحظة.