بيان (2): بغداد ــ (البيان): افرز الحصار الذي يتعرض له العراق منذ اكثر من عشر سنوات سلبيات في مختلف المجالات بسبب المعاناة التي يعيشها العراقيون, وفي هذا التقرير نستعرض عبر مواقف ومشاهد حية ما اصاب التعليم من انهيار وما لحق به من دمار. ونبدأ بهذه الحكاية: في المساء, وبعد ان ذهب ابناؤها للنوم, جلست الام الى ماكينة الخياطة .. اختارت بعضا من قطع القماش المتينة وبعض انواع الجلد الخفيف, خاطتها بشكل منظم وزركشتها بما يتوفر لديها من (اكسسوارات) خياطة, ثم وضعت لها جيوبا وعلامات تجارية جميلة ... في الصباح وحين استيقظت ابنتها التي انتقلت الى مرحلة المتوسطة من نومها, قدمت لها الحقيبة الجميلة قائلة لها : ــ هذه هدية والدك لك بمناسبة العام الدراسي الجديد, وقد جلبها امس في وقت متأخر فاحتفظت بالمفاجأة حتى الصباح. اندهشت الصبية لجمال الحقيبة وغرابتها, فهي لا تشبه حقائب السوق المتماثلة في تصميمها, اضافة الى انها عملية وخفيفة . شكرت والدها الذي صمت ولم يجد جوابا امام مفاجآت الام, وبعد مغادرة الابنة حجرة والديها شكر الوالد زوجته بامتنان كبير, فقد خلصت ميزانية العام الدراسي من احد الاثقال, وهو يدرك جيدا انها ستخلصه من اثقال اخرى كالملابس والاحذية وما شابه. مثل هذه المرأة المدبرة, هناك نساء عراقيات عديدات تعلمن خلال ظروف الحصار الصعبة ان يشترين من السوق ما يسد النقص الضروري, منهن اميرة حاتم التي تقول: ــ لم تعد الام العراقية ترمي او تهمل اية قطعة من الملابس او القماش, فالابن الكبير يترك ملابسه للاصغر, وهكذا, وتحاول دائما المحافظة على ملابس الخروج او المدرسة بعيدا عن الاستخدام المنزلي اليومي, لكي لا ترهق ميزانية مشتريات العام الدراسي بكل الطلبات. القناعة قبل الحرف وتقول جميلة عبدالواحد: في هذه الظروف, صارت الخياطة مهنة لا غنى عنها بالنسبة للمرأة العراقية التي تعاني من الغلاء, فقد اضطررنا الى شراء الاقمشة الرخيصة الثمن ومعالجة الملابس القديمة وتحويرها لتناسب اطفالنا .. نحن نحرج بالتأكيد حين يطلب منا ابناؤنا ملابس جديدة اسوة ببعض رفاقهم, لكننا نحاول عمل الافضل لكي لا يشعروا بالفرق, اضافة الى اننا نعلمهم القناعة قبل الحرف ليصيروا معنا على مقاومة الحصار الظالم. واكدت نهاد داود معلمة, ذلك بقولها: لو حاولنا جميعا زرع روح القناعة في اولادنا وتعليمهم التوفير والتدبير لما عانينا كثيرا عند قدوم العام الدراسي, فقد يخلق الابناء الابتكارات بأنفسهم, ويفكروا قبلنا كيف يتجاوزون الاشياء الكمالية من اجل هدف اسمى هو اكمال الدراسة, والامر ينطبق بالتحديد على طالبات وطلبة الجامعات الذي يحتاجون الى ملابس اكثر واجمل .. بالنسبة لي قمت بخياطة عباءة والدتي بعد ان قلبت قماشها على الوجه الآخر لتصبح تنورة جميلة وحديثة الطراز لابنتي طالبة الكلية, واحاول تعليمها الخياطة ايضا. أهلا .. بالزي الموحد بعد ان اثقل الحصار كاهل الاسرة العراقية فما عادت قادرة على توفير كل ما يحتاجه ابناؤها الطلبة, صدر قرار بالغاء الزي الموحد قبل سنوات لتسهيل عملية استمرار الطلب بالتعلم دون ارهاقهم بالطلبات ... كان القرار يدعو الى مساعدة الطالب على اجتياز الازمة, ويدعو الطالبات بالذات الى الاستفادة من الزي المدرسي للعام الماضي والملابس المتوفرة لديهن, ولكن حدث ان فهم الطلبة القرار بشكل خاطىء او ارادوا ان يفهموه بشكل خاطىء, فتحولت المدارس والكليات خصوصا الى ساحات ومهرجانات لعرض الازياء ومسابقات الجمال والتباهي بكل ما على الحبل وهو يختلف طبعا من طالب الى آخر .. عن هذا الموضوع حدثتنا السيدة صبرية قاسم مدرسة/ قائلة: ــ مما يؤسف له ان الطلبة وجدوا في القرار الذي صدر قبل سنوات استسهالا لعملية الالتزام بشروط الدوام في المدارس والجامعات, فضربوا بتعليمات الحشمة والبساطة عرض الحائط مع الغاء الزي الموحد, كأن الغاءه يعني ارتداء كل ما يقتنيه الطالب سواء كان مناسبا للدوام ام لا . * على اي شيء كان ينص القرار؟ ـ على ان يرتدي الطالب او الطالبة مابحوزتهم من ملابس, سواء كانت ملونة او بالوان الزي الموحد ليجنبوا اهاليهم شراء ملابس جديدة او ارهاقهم بشراء زي موحد بالنسبة للمقبولين حديثا في الجامعات, واستخدام ما لديهم من ملابس .. لكن الطلبة هللوا للامر, وصار يمكنك رؤية فتاة ترتدي فستانا يشبه فساتين الحفلات مع استخدام ماكياج صارخ وكعب عال .. هل يعبر هذا الشكل عن هيئة الطالبة الجامعية؟ ثم ان الطالبات لم تعد ملابسهن تكفيهن, لضرورة تبديل ملابسهن يوميا باخرى مختلفة, وهكذا حدث العكس فارهقت الطالبات اهاليهن بضرورة شراء ملابس كثيرة واكسسوارات اضافة الى الاحذية والحقائب الملائمة, وتخيلوا كم عانت العوائل المتوسطة الحال لمساعدة ابنائها على اكمال دراستهم! * لكن, ليس بالضرورة ان تقلد الفتاة التي لا تملك ملابس كثيرة زميلاتها والمهم ان تكون بسيطة وانيقة؟ ــ هناك عدد قليل من الفتيات القنوعات, اما النسبة الاكبر فهي الفتيات اللواتي تجبرهن الغيرة والاحساس بالنقص الى سلوك مختلف السبل ليجارين زميلاتهن في ارتداء الجديد والعديد من الملابس, طالما ان اهاليهن غير قادرين على توفير ذلك. * وايدت الكلام سهاد جليل طالبة جامعية بقولها: يبدو ان المسئولين شعروا بالضرر الكبير الذي يتسبب فيه الغاء الزي الموحد, رغم ان النية من القرار كانت طيبة, لذا فان من المقرر اعادة الزي الموحد هذا العام, لتعود الى المدارس والجامعات ملامحها الموحدة وتقاليدها المتميزة .. حيث ستنتهي موجة الالوان الصارخة والتصاميم الغريبة المنافسة للبساطة والحشمة من الجامعات, ويحل محلها اللونان الابيض والرمادي للقميص والبنطال او التنورة مع سترة داكنة الزرقة شتاء .. وحتى لو ارهق شراؤه الطالب في بداية العام الدراسي فتكراره يوميا سيجنبه شراء غيره, ولن يرهق نفسه بشراء عدة قطع مختلفة الاشكال والالوان ليبدو مختلفا كل يوم, خاصة بالنسبة للطالبات .. هذا هو الهدف من ارتداء الزي الموحد ـ في رأيي ــ وهو شيء سيعيد للطالب والطالبة هدوئهما النفسي بعيدا عن تأجيج روح المنافسة والغيرة فيركزوا جهودهما على الدرس والنشاطات المفيدة . لاجل كل هذا اقول .. اهلا بالزي الموحد لانه سيلغي الفرق بين الفقراء والاغنياء, ويقضي على مهرجانات الازياء المتواصلة يوميا بنجاح منقطع النظير! دروس خصوصية ادى غياب الآباء واشرافهم المباشر على ابنائهم بسبب ظروف الحروب والمعيشة الصعبة الى اختلاف استيعاب الطلبة للمواد الدراسية, يضاف الى هذا رداءة التدريس في اغلب المدارس, لمقارنة المدرسين بين مايقدمونه من جهد وما يستلمونه من راتب, وهكذا تحول الطالب العراقي الى ضحية تسحقها عجلة الظروف القاهرة وشحة الضمائر الحية .. واكثر ما عانى منه اولئك الطلبة ازدهار ظاهرة التدريس الخصوصي التي كانت نادرة, ان لم تكن غائبة تماما في السابق. * عن هذه الحالة تحدثت الطالبة اوراد فاضل الخامس العلمي قائلة: تحاول المدرسات استدراج الطالبات الى فخ الدروس الخصوصية من خلال سوء تدريسهن لنا, مع التنويه بحاجتنا الى دروس خصوصية, ولان المدرسة فيها طلبة مقتدرون ماديا, فقد شجع ذلك المدرسين على سلوك سبيل الدروس الخصوصية لدعم الراتب الضئيل, دون مراعاة ما يلم بالطالب من ضرر. انا مثلا من عائلة بسيطة, وحين الاحظ تحسن مستوى زميلاتي بسبب تدريس المدرسات لهن في بيوتهن وحصولهن على اعلى الدرجات اتميز غيظا, خاصة بعد ان اسرت لي احدى زميلاتي بقولها ان المدرسة تعطيها الاسئلة التي ترد في الامتحانات لتسهل عملية نجاحها بتفوق, ولكي يظل رأسها مرفوعا امام اسرة الطالبة, وتواصل التعامل معها طول العام الدراسي. * وقال الطالب سعد فاروق السادس الادبي: اعاني من بعض المشاكل في مادة الانجليزي فقط, لذا حاولت اقناع والدي الموظف في احدى الوزارات بالتعامل مع مدرس خصوصي واخترت مدرسا من مدرسة اخرى اشتهر بجودة تدريسه للغة الانجليزية عندما عرض والدي عليه الموضوع طلب 300 الف دينار مقابل حصولي على درجة جيدة جدا في الامتحان الوزاري , هذا عدا حلاوة النجاح طبعا, التي لم ينس الاشارة لها, كيلا ننساها بدورنا لو حصلت على الدرجة الموعودة .. صدم والدي فلم يتوقع هذا الرقم, لكن المدرس ضحك ببرود قائلا: ـ لقد تفهمت وضعكم كونك موظفا فعملت لكم تخفيضات, وعلى كل حال, انتم احرار في اتخاذ قراركم .. بعد ان شاهدت والدي في حالة يرثى لها من الاحساس بالمرارة والعجز عن تدبير المبلغ, طلبت منه ان ينسي الموضوع نهائيا وسأجهد نفسي في دراسة الانجليزي وسأنضم الى احدى دورات التقوية التي تقيمها الوزارة غالبا لقاء مبلغ رمزي, واستعين بالطلبة الجيدين من زملائي, بدلا من اذلال والدي الذي كان سيدفع المبلغ لو توفر لديه, ولكن (العين بصيرة واليد قصيرة) .. قررت ان اعتمد على نفسي واتوكل على الله, وسانجح في الامتحانات الوزارية ان شاء الله. * توجهنا بعد ذلك الى مدير ثانوية (الوحدة) للبنين لنعرض عليه الحالتين قال عباس ثجيل: حاولت وزارة التربية بشتى الطرق القضاء على ظاهرة التدريس الخصوصي, لكن بعض الطلبة يشجعون الاساتذة بدفعهم كل مايطلبون من مبالغ, والاساتذة يقصرون في تدريسهم ليحثوا الطلبة على طلب دروس خصوصية .. وبسبب المشاكل الكبيرة التي ترتبت على ظاهرة التدريس الخصوصي, من هبوط المستوى الدراسي وتسرب الاسئلة الامتحانية من قبل بعض الاساتذة للطلبة, فقد اصدرت الوزارة تعليمات مشددة تقضي بمنع المدرس من ممارسة مهنته خارج المدرسة, ومعاقبته بالغرامة والسجن اذا تكررت ممارسته للتدريس الخصوصي, لكننا مع ذلك لم نتمكن من خنق هذه الظاهرة نهائيا, فالكل يعمل في الخفاء, ومن لايملك قرشا لابد ان يعتمد على نفسه, وليس على مدرسيه الذين لم يعودوا يبذلون جهدا حقيقيا في التدريس داخل المدرسة . .المسألة تعتمد قبل كل شيء على ضمير المدرس ووعي الطالب واهله بتجنبهم تشجيع المدرسين على استغلالهم. مطالب عديدة هذه ظاهرة اخرى اورثها الحصار لتطعن التعليم في ظهره وتجعله يتلوى الما, فبعد ان اكتشفنا ان المدرسين باعوا ضمائرهم مرغمين ليتمكنوا من اعالة اسرهم التي لا يكفيها راتب لا يعادل حصة واحدة يبذل فيها المدرس الكثير من جهده واعصابه ويتعب حباله الصوتية ليساعد الطلبة على حصاد ثمرة هذا الجهد وهي النجاح. * الظاهرة الاخرى هي المطالب العديدة الغريبة والعجيبة التي يطلبها المدرسون من الطلبة مقابل منحهم الدرجات الجيدة. حدثتنا عن هذه الظاهرة سناء عبد راضي موظفة, قائلة: اعتدنا, ومن بداية كل العام الدراسي على توقع مختلف الطلبات من ابنائنا, بتوصية من معلماتهم ومدرسيهم, فالمعلمات يطلبن اغذية, اوان, هدايا, وخاصة في المناسبات, ويسألن قبل كل شيء عن مهنة والد الطالب ليجري استغلاله (ابشع استغلال) اذا كان تاجرا او حتى بائعا لبضاعة يمكن ان تفيد المعلمات, اما الطلبة فغالبا ما يبحث معلموهم عمن يعمل والده باصلاح السيارات او دوائر الدولة المهمة لقضاء معاملاتهم والحصول على مواد احتياطية لسياراتهم واصلاحها , وهكذا .. تخيلوا ان ابنتي طلبت مني في احد الاعياد شراء (كيلو طحين ابيض) للمعلمة التي طلبت من كل طالبة ذلك, او يرسبن في الامتحان, والسبب كما نعلم جميعا هو جمع ما يعادل خمسين كيلو طحين الذي يزدهر بيعه مع قدوم الاعياد والمناسبات لعمل المعجنات بسعر جيد يوفر للمعلمة مبلغا تسد به بعض احتياجاتها. اما الطالبة الجامعية نهال نعمة فتقول: ليت الطلبات تقتصر على المواد والبضائع, بل تجاوزت ذلك الى طلب مبالغ مالية من الطلبة وغير ذلك .. حصل هذا كثيرا, وللاسف, وفي مختلف الكليات, ومن يدخل اية جامعة اليوم يشعر وكأن التعليم صار بضاعة تباع وتشترى وتجارة لها تجارها ومستهلكوها, ومن لا يريد دخول معترك هذه السوق فسيجد نفسه راسبا او مكملا في احسن الاحوال, او ربما ينجح بصعوبة اذا يئس منه الاساتذة وحاولوا التخلص منه لكيلا يفضح تعاملاتهم. كما هو معروف لنا جميعا ان العامل المادي والانحدار الاجتماعي الذي افرزته الظروف التي مر بها العراق اسهما في انهيار عملية التعليم . ورغم المحاولات الكثيرة لانتشال الطلبة والمدرسين من الحال التي صاروا عليها فقد بات من الصعب تحقيق ذلك, لاننا اعتدنا على ممارسة الحالات السلبية رغم رفضنا لها, كنوع من الاستسلام للظرف الحالي .. ويبقى التساؤل الخطير قائما .. البناء قطعا اصعب من الهدم .. كيف سيمكن ان يعود للتعليم بناؤه القوي وتماسكه المتين بعد ان هوى صرحه؟!