بيان (2): بغداد ـ عفاف عبدالرحمن: مر العراق بظروف صعبة, في مختلف الحقب الزمنية, وشهد الكثير من الأزمات والحروب, منذ أيام السومريين, حتى الآن, كما جاءته (عاصفة) هشمت العديد من بناه التحتية وأثرت على مفاصله الحياتية. في العصور السابقة, اشتهرت هجمة هولاكو والمغول على بغداد, هذه الهجمة التي قلما شهد التاريخ لها مثيلاً.. ولكنه عاد فبنى ما تهشم, وأحيا ما تأثر, وتلت تلك الهجمة, هجمات وهجمات. أما القرن العشرون, فقد حمل إلى هذا البلد العديد من الحروب والمصائب, أقساها حرب ,1991 التي سببت له دماراً كبيراً, ومما زاد الطين بلة هذا الحصار الذي نزل على الشعب العراقي كالصاعقة, وأثر فيه أشد التأثير, وعلى مختلف الأصعدة, وفي شتى المجالات, وكان أشدها تأثرا الجانب الاقتصادي والذي انعكس بدوره على جوانب الحياة الاجتماعية والفكرية والأخلاقية والعلمية والصحية, وغيرها. كان الحصار ومازال هو المعول الذي دمر ببطء وبسرعة كل الجوانب الخيرة في الحياة, وأصبح (الشماعة) التي تعلق عليها احباطات المجتمع كلها. وهذا ما دفعنا إلى المتخصصين في علوم الفلسفة والاجتماع, لنصل وإياهم إلى نتائج قد تكون صعبة في الوقت الحالي, ولكنهم يرون ما بعد الظواهر, وبآراء علمية تصل إلى أبعد نقطة في المنظور الحالي والمستقبلي. تقويض البنية الاجتماعية كان لقاؤنا الأول مع الدكتور عدنان ياسين مصطفى, المتخصص في علم الاجتماع حيث القى الضوء على أهداف الحصار, وتأثيراته قائلا: ـ الهدف الأول للحصار هو الحد من قدرة النظام الاجتماعي على إيجاد نظام عادل للانتاج والتوزيع من خلال الحيلولة بينه وبين استثمار موارد بيئته. * وما التأثير الاجتماعي المباشر؟ ـ من خلال القاء نظرة أولى, نجد ان الذين فرضوا الحصار, أرادوا تجميد أو اضعاف آليات الضبط الاجتماعي وإشاعة التخلف المؤسسي, أي ايجاد ثغرة بين الأداء الوظيفي للمؤسسات البنيوية وبين حاجات الفاعلين, غير أن الأنظمة الاجتماعية, وبدرجات مختلفة من الفاعلية والتأثير تحاول على نحو مقصود, أو بسبب امكانية (سبرناطيقية), ان تعمل على إعادة حالة التوازن البنيوي, وان توجد آليات دفاعية أو مضادات لآثار الحصار والحروب والأوبئة, وغيرها من الكوارث, ان تلك الآليات تظهر التفاعل والتعزيز المتبادل ـ قدر الإمكان ـ بين الدولة ومؤسسات المجتمع, وبين المواطنين أيضاً. * علم الاجتماع يرتبط أساساً بـ (الاقتصاد), كيف تجدون هذا الربط بالنسبة للحصار؟ ـ الحروب والحصار استهدفت أساسا تدمير العراق,بنية وحضارة وشخصية وموارد, من خلال احداث شكل مؤسسي تام يهدد مصادر الحياة, ويجعل المجتمع العراقي في حالة عجز تام عن تحقيق أي نمط من أنماط التفاعل البناء, وذلك من خلال مصادرة التسهيلات المتاحة للانسان العراقي, وخلق معوقات اضافية. لقد فرضت خصوصية وضع العراق صعوبات ومشاكل كبيرة واجهت المجتمع العراقي على الصعيد الديموغرافي والصحي والتعليمي والتقني, إذ كان العراق من بين الدول التي حققت تقدما مهما في مجال التنمية البشرية, فقد حققت التنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال فترة السبعينيات تطوراً كبيرا, ونمواً في الاقتصاد القومي, وارتفاع مستوى المعيشة, واستخدام العوائد لدعم رفاه الانسان. وبلغ معدل النمو السنوي لمتوسط نصيب الفرد في الناتج الاجمالي, في الفترة 1977 ـ 1987 حوالي 3.8%, و وفي الفترة 1987 ـ 1990 حوالي 8.5%. لكن تقارير التنمية البشرية تشير إلى ان العراق أخذ يتقهقر بعد سنة ,1990 حيث وصل ترتيبه (125) من أصل (174) بلدا, حسب تقديرات 1999. تداخل الفلسفة والاقتصاد * وكان لقاؤنا الثاني مع الدكتورة فضيلة عباس, استاذة الفلسفة في جامعة بغداد, التي قالت: ـ أسهم الحصار في زيادة حدة الضغوط, والتضخم في الاقتصاد العراقي, ويعود ذلك إلى توقف الصادرات النفطية, مما أدى إلى تقليص أو توقف الاستيراد أيضا, وانخفاض سعر الدينار العراقي, وقد كانت لهذه العوامل آثار سلبية, اجتماعيا, بسبب غياب الأب لساعات طويلة خارج البيت, إضافة إلى عمل الزوجات لتحمل جزء من أعباء المعيشة, وسد حاجة الأسرة, التي أصبح توفيرها صعباً جداً, وأدى ذلك إلى مشكلات اضافية, منها تسرب الأبناء من المدارس, والتوجه إلى العمل لتوفير دخل اضافي للعائلة. هذه الظروف أدت إلى سيادة القيم المادية وإلى ظهور علاقات طارئة في المجتمع, كما قللت من التماسك الأسري, والتمسك بالاخلاق والمبادئ والقيم. التراكم الكمي والنوعي * وكيف يمكن النظر إلى سطحية أو جوهرية التغيرات في المجتمع العراقي؟ ـ التغيرات المفاجئة هي نتيجة لظروف معينة لا يمكنها التأثير في جوهر البناء الاجتماعي بل تبقى عائمة على السطح الخارجي للمجتمع, في حين تبقى القيم الجوهرية كما هي, ولكن ان استمرت تلك التغيرات, وأخذت تتداخل بالتدريج مع قيم المجتمع الأصيلة, فإن ذلك يسهم بلا شك في اضطراب البناء الاجتماعي للمؤسسة بصفة عامة, وبناء الفرد الاجتماعي بصفة خاصة والتوتر والانحراف اللذين يصيبان البناء الاجتماعي, وسلوك الفرد وقيمه الاجتماعية والثقافية مما يؤدي إلى بلورة ظواهر اجتماعية جديدة. تضيف الدكتورة فضيلة عباس: لقد ظهرت بعض التغيرات الاجتماعية, وبصورة متباطئة وتدريجية, خلال الحرب العراقية ـ الايرانية, وحرب ,1991 والحصار الاقتصادي, وأدى استمرار وتراكم هذه التغيرات إلى (انقلاب) بعض المفاهيم والقيم (توافقا مع ظروف المجتمع الداخلية). ولكن, بالمقابل كانت هناك ردة فعل نحو التمسك بأصالة القيم العربية والإسلامية, ومن ذلك بناء شخصية قوية قادرة على تحمل المسئولية دون الاتكال على الآخرين, والثقة بالنفس, وحرص الفرد العراقي على اثبات وجوده, اضافة إلى قيمه الموضوعية المتوازنة بين الحقوق والواجبات, والتي ساعدت على قوة وتماسك العلاقات الاجتماعية (في الطرف المقابل). مؤثرات تاريخية * ونسأل الدكتور حسن فاضل جواد, أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد, عن التأثير الأخلاقي للحصار, من وجهة نظر تاريخية, فيقول: ـ لاحظنا من خلال المؤلفات الأخلاقية والفلسفية, ان هناك مجموعة من العوامل, تؤثر سلباً على مسيرة المجتمع, وتحرفها عن جادة القيم المعيارية التي تؤلف صورة نظرية لما ينبغي ان يكون عليه الفعل والفكر الاجتماعي السليم, ومن هذه العوامل (الحكم الفاسد, الحرب, الفقر, الاثراء الزائد, الغزو الأجنبي, التمازج مع الشعوب الأقل تحضراً, فساد رجال الدين, انحلال المؤسسات الدينية.. وغيرها). وإذا علمنا ان المجتمع العراقي قد قضى بحدود (1850) سنة من السنوات الـ (2500) الماضية, وهو يعاني من ظروف الاحتلال, ويكابد الظلم والاستغلال والتبعية والعدوان ابتداءً من سقوط بابل على أيدي الأخمينيين (539 ق.م.) وانتهاء بالاستعمار البريطاني ,1917 إذا علمنا ذلك, فإننا نستطيع ان نكشف عن الكثير من ملامح الصورة المنعكسة على مرآة المجتمع العراقي المعاصر, ونفسر الكثير من الظواهر التي ترتبط بتاريخيتها ومسبباتها وظروفها. * ما مدى استمرارية هذا التأثير؟ ـ العوامل سالفة الذكر, أو قسم منها, ظل يؤثر بشكل سلبي على امتداد تاريخ الاحتلال الأجنبي, وليس من المؤكد ان يزول هذا التأثير نهائيا, عند أول منعطف حاسم كبير, أو نهضة وئيدة, في حياة المجتمع العراقي المعاصر, لا سيما واننا نلاحظ تواتر الاحتدام كلما اشتدت وطأة الضغوط الخارجية, وامتداداتها الداخلية على الذات, والمجتمع بالشكل الذي يفرز تحدياً جديداً للشخصية الأصلية للمجتمع العراقي المعاصر, ويعرض مكوناتها إلى امتحان صعب, لكنه ليس أصعب امتحان في تاريخ هذا المجتمع, وليس آخره. الصورة المعوّل عليها يضيف الدكتور حسن فاضل جواد: ـ وإزاء هذه الصورة لطبيعة الأحوال التي تسببت فيها ظروف (الحرب والحصار), في المجتمع العراقي المعاصر, فإننا ينبغي ألا ننسى الصورة المضادة المعول عليها, التي تحمل معاني مشرقة تمثل أملاً لتجاوز أزمة الحاضر, ومعاودة السير بخطوات حثيثة نحو الصورة التي تعبر بشكل صادق عن توجهات أبناء هذا المجتمع وقيمهم وإيمانهم بمبادئهم وموروثاتهم الأصيلة, لا سيما في ظل امتلاك الانسان العراقي لعوامل المنعة التي انتجتها ظروف النضال التاريخي ضد القهر والاستغلال, والغزو الأجنبي, على امتداد تاريخه الماضي, وتمرسه في التصدي لهذه الظروف, وتجاوز مؤثراتها السلبية, وتكيفه مع الظروف الأصعب منها, ومطاولته في الصبر على الملمات والشدائد, وتحصنه بمبادئ العروبة والإسلام والقيم الوطنية العالية, التي تشكل أثمن شيء في تاريخ العراق, وأقواها في حاضره, ومفتاحاً للمستقبل المنشود. ويبقى أن نقول ان المجتمع العراقي, وعلى الرغم من مرور عشر سنوات من حصار شديد, مازال متماسكا ـ كما أرى ـ لأن العائلة مازالت لها مكانتها عند الفرد, ومازال الخير وحبه مزروعاً في نفس العراقي, حتى وإن كانت تشغله الهموم ومشاكل توفير لقمة العيش.