بيان (2): في سالف الأيام, كان هناك ساموراي يدعى تاوكا جيندايو يعمل تابعاً للنبيل هوسوكاوا, في هيجو. وقد عمل تاوكا في السابق لدى النبيل ايتو, في هايوجا, وبعد أن اعفاه ايتو من الخدمة, اصبح رونيناً, اي ساموراي لا يدين بالتبعية لأحد. هكذا ألحق النبيل هوسوكاوا تاوكا بخدمته لقاء خمسين كوكو من الأرز (والكوكو يعادل 180 لتراً) وذلك بناء على توصية نايتو ساترايمون الذي تولى منصب (بانجا شيرا) في قبيلة هوسوكاوا في ذلك الوقت. وفي ربيع العام السابع من عهد الامبراطور كانبون, عقد لقاء كبير اقيمت في اطاره مباريات الفنون العسكرية برعاية قبيلة هوسوكاوا, حيث اوقع تاوكا الهزيمة بستة ساموراي في مباريات القتال بالرمح, وهو الفن التالي الذي برع فيه. مضى النبيل اتشونوكامي تسوناتوشي ووزراؤه يشاهدون المباريات, كانت مهارة تاوكا في القتال بالرمح شيئاً فذاً, بحيث ان السيد النبيل رغب في مشاهدة تاوكا وهو يخوض غمار المباريات في كيندو. في كيندو, اضاف تاوكا ثلاثة انتصارات الى سجله. كان خصمه الرابع هو سينوما هايوي, الذي كان يعلم الساموراي الشبان فن الشينكاجيرايو كيندو. وقد اعتقد تاوكا ان بمقدوره ان يوقع الهزيمة بسينوما, ولكنه اراد اخذاً في الاعتبار بمكانة سينوما كمدرب, ان يمنحه الفوز. وعلق الآمال كذلك على ان اي شخص يتمتع بالقدرة من بين المشاهدين سيكون بمقدوره ادراك انه يمنح الفوز لسينوما. واذ اتخذ سينوما موقف المقاتل الذي يلقي بثقله في المواجهة, فقد ادرك على الفور ما اعتزمه خصمه, وكرهه لذلك الى حد المقت. وضع تاوكا, عن عمد, نفسه في موضع غير موات, ودفعه سينوما في جسارة دفعة قوية بسيفه الخشبي. سقط تاوكا على ظهره, مع اجباره على التراجع وسيف سينوما الخشبي مسلط على عنقه. بدا اخفاقه مخزياً للغاية الى حد ان النبيل تسوناتوشي, الذي كان قد اشاد ببراعته في القتال بالرمح, رمقه بنظرة لوم حادة, على الرغم من انه لم ينبس ببنت شفة. ولكن سرعان ما بدأ الكثير من الآخرين في الحديث عن مباراة الكيندو التي هزم فيها تاوكا امام سينوما. ما الذي سيفعله تاوكا اذا كسر زج رمحه في ميدان المعركة؟ من المؤسف انه لا يستطيع حتى استخدام سيف من الخشب شأن الرجال. انتشرت قصة هزيمته سريعاً من احد ابناء قبيلة هوسوكاوا الى غيره وساعد بعض رفاقه من الساموراي الذين كانوا يغارون من براعته في القتال في نشر الشائعة ولم يستطع نايتو سانزيمون الذي كان قد اوصى بتاوكا لدى تسوناتوشي تحمل الموقف, فبعث في طلبه, وعندما مثل بين يديه قال له غاضباً: (ان هزيمتك المخزية تجعل من المستحيل علي ان اواصل مساندتك, ولابد من خوض غمار المنافسة في اعادة للمبارزة عبر ثلاث جولات معه مجدداً, وإلا فإنني سأجد نفسي مرغماً على الانتحار التقليدي المعروف بالسيبوكو كاعتذار على لتسوناتوشي. ولم يستطع تاوكا بدوره كساموراي السماح للشائعات بالاستمرار من دون تصد لها. استجاب لنصيحة نايتو, فتقدم في التو بطلب لاعادة المباراة مع المدرب سينوما. بعد ذلك بوقت قصير خاض الخصمان غمار مباراة في حضرة تسوناتوشي في الجولة الاولى, لطم تاوكا ساعد سينوما. في الجولة الثانية, لطم سينوما تاوكا على رأسه في نهاية المطاف ضرب تاوكا سينوما بقوة مجدداً على ساعده. أم تسوناتوشي بمنح تاوكا خمسين كوكو اضافية سنوياً كمكافأة له على فوزه. حك سينوما ساعده, وتراجع من موضعه امام تسوناتوشي. بعد عدة ايام, وفي ليلة مطيرة, اغتيل ساموراي من القبيلة ذاتها, يدعى كانو هيتارو خارج جدران معبر سايجانجي وقد كان رجلاً طيباً, يعمل كاتباً لقاء راتب قدره 200 كوكو, وما كان يمكن لأحد ان يحمل له اي كره بسبب سلوكه اليوم. في اليوم التالي, اكتشف ان سينوما هايوي قد لاذ بالفرار, وغدا جلياً للجميع انه كان القاتل, وقد كان تاوكا اصغر بكثير من كانو, ولكنهما كانا متشابهين في الطول والبنية العامة, والأمر الأكثر من هذا انهما كانا يرتديان كيمونوين يحملان الشعار ذاته, ولابد ان هايوي قد رأى هذا الشعار على المصباح المغطى بالورق الذي حمله خادم كانو في الطريق الذي لفه الظلام والمطر, وكان كانو يرتدي معطفاً واقياً من المطر ويحمل مظلة, الامرالذي لابد انه حجب هويته عن سينوما. اغتال سينوما بلا اكتراث هذا العجوز لأنه خلط بينه وبين تاوكا. كان لكانو ابن في السابعة عشرة من عمره يدعى موتومي. كعادة الساموراي في تلك الايام, طلب موتومي من سيده النبيل اذنا بقتل سينوما, وبعد ان اذن له اجرى استعداداته للرحيل مع ايجوشي كيسابورو, وهو من اتباع ابيه, للعثور على سينوما والانتقام منه لاغتياله لأبيه. ساور تاوكا, الذي كان صديقاً مقرباً لموتومي شعور بالمسئولية عن موت كانو هيتارو, ولذا طلب الاذن له بالذهاب معه لمساعدته. اعرب تسوناتوشي عن اعتقاده بأن رغبة تاوكا جديرة بالاشادة, وسمح له بالذهاب, غير انه رفض طلب ساموراي آخر يدعى تسوزاكي ساكون, والذي كان قد طلب السماح له بالذهاب مع موتومي. انطلق موتومي بعد تشييع جنازة ابيه, مع تاوكا وايجوشي عند كوماموتو حيث كانت براعم الكرز قد تساقطت وتناثرت بالفعل. الحركة الأولى مكث تسوزاكي ساكون في الدار طوال الأيام القليلة الاولى التي اعقبت رفض النبيل طلبه مصاحبة موتومي لمساعدته, ولكن كان من الصعب عليه ان يهمل وعده بمساعدة موتومي, وبالاضافة الى ذلك فقد كان يخشى انه يسيئ رفاقه الظن به لعدم تقديمه المساعدة لهم وكان امراً لا يطاق بالنسبة له ان يترك موتومي, صديقه المقرب, في رعاية تاوكا, وهكذا فإنه غادر داره من دون ان يوجه كلمة لأبويه ليلحق بأصدقائه في الليلة التي انطلق فيها فريق الانتقام في رحلته عند كوماموتو. لحق بهم في موضع لا يبعد كثيراً عن الحدود, حيث كانوا ينالون قسطاً من الراحة في مقهى بالريف انحنى واسند جبينه وراحتيه الى الارض, وطلب من تاوكا السماح له بالمشاركة في الانتقام وفي البداية لم يكن تاوكا راغباً في السماح له فقال: (اتعتقد ان فنوني القتالية ليست مما يعتمد عليه؟) ولكن كان بمقدوره ان يرى ان موتومي يرغب في اصطحابه, ونصحه ايجوشي بالسماح له بالانضمام اليهم, وهكذا سمح له تاوكا اخيراً بالقدوم معهم. لم يستطع موتومي, الذي كان لا يزال يبدو صبياً في مقتبل العمر بمقدمة رأسه التي لم يحلق شعرها, اخفاء سعادته, وبلغ السرور بتسوزاكي حد ان عينيه اغرورقتا بالدموع, وأعرب عن شكره مرات عديدة حتى لايجوشي ولما كانوا يعرفون ان زوج شقيقة سينوما كان من اتباع قبيلة اساتو, فقد عبروا نهر سيتونايكاي عند موجينو سيكي, ومضوا شرقاً الى هيروشيما على نهر تشوجوكو كايدو. في غمار بحثهم عن العدو في هيروشيما, علموا من حائك في قبيلة اسانو ان سينوما قد غادر هيروشيما بالفعل في طريقه الى ماتسوياما في مقاطعة يوشو, حيث سيرعاه احد معارف زوج اخته فاستقلوا من فورهم مركباً الى ماتسوياما, ووصلوا الى هناك بعد وقت قصير. كان ذلك في منتصف الصيف في العام السابع من عهد الامبراطور كانبون, ويوما بعد الآخر كان كل عضو في الفريق يبحث خفية عن العدو في ماتسوياما, ولكن بدا ان سينوما كان من الحرص بحيث انه لم يكن بمقدورهم العثور عليه في يسر في اي مكان. مضى تسوزاكي, لبعض الوقت يراقب كاهناً متسولاً, ويتحرى امره من اكثر من وجه, ولكنه خلص في نهاية المطاف الى ان الرجل لا شأن له بسينوما. لن يطول الوقت قبل ان يحل الخريف ومضت الاعشاب التي تغطي خندقاً خارج نافذة الساموراي التي تصالبت عليها القضبان مضت تتراجع تدريجياً مظهرة المزيد من سطح المياه كل يوم ومع مرور الوقت بدأ تسوزاكي ورفاقه في معاناة المزيد من الضيق وكان تسوزاكي تواقاً بشكل خاص للوصول الى العدو وراح يبحث عنه في كل مكان في ماتسوياما وخارجها, ليلاً ونهاراً وكان حريصاً على ان يهاجم العدو اولاً ومضى يحدث نفسه بأنه اذا فشل في الانتقام فلن يكون بوسعه ان يواجه ابويه مجدداً كساموراي ابداً. وذات يوم, بعد مرور ما يزيد على شهرين على مجيئهم الى ماتسوياما, صادف الحظ الطيب تسوزاكي اخيراً, فعلى امتداد الشاطئ القريب من المدينة صادف اثنين من شباب الساموراي يحرسان محطة, وكانا في انتظار صيادين عكفوا على اعداد مركب لنقلهم عبر الماء. عندما فرغ الصيادون من تجهيز المركب, ترجل ساموراي ثالث من المحطة, واعتمر قبعة من القش مسرعاً لكن تسوزاكي عرفه في لمحة سريعة, فقد كان سينوما. تردد تسوزاكي لحظة, حيث ساوره الشعور بخيبة الامل لأن موتومي لم يكن معه, ولكن كان جلياً ان سينوما سيهرب اذا لم يهاجمه في التو وعرف تسوزاكي انه سيكون من الصعب للغاية عليهم ان يجدوا سينوما اذا سمح له بالافلات, وخاصة على متن مركب. قرر ان يهاجم سينوما حتى ولو كان وحيداً وغير متأهب للقتال صاح منحياً جانباً قبعته المتخذة من القش: (سينوما هايوي! انني تسوزاكي ساكون, صديق كانو موتومي المقرب, ولابد لي من قتلك انتقاماً لأبيه!). استل سينوما سيفه, ووثب مهاجماً, ولكن محيا سينوما كان لا يزال محتجباً تحت القبعة المتخذة من القش. قال: (لا تتسرع انك تخلط بيني وبين شخص آخر). تردد تسوزاكي, وفي تلك اللحظة استل سينوما سيفه الثقيل بسرعة بالغة, وهوى به, فمزق تسوزاكي من عاتقه الى صدره, فهوى على ظهره والحياة تتسرب منه, وتطلع ليرى محيا سينوما بجلاء للمرة الاولى تحت القبعة المضفورة من القش. الحركة الثانية بعد ان فقد الساموراي الثلاثة تسوزاكي, قضوا السنتين التاليتين في الترحال على امتداد البلاد, باحثين في كل مكان عن سينوما, غير ان الحظ لم يصادفهم فلم يروا اثراً له, ولم يسمعوا اي شائعة عنه. واعتقدوا انه ربما يمكنهم اقتفاء خطاه في ايدو, حيث يتجمع الكثير من الناس من شتى ارجاء البلاد. اقاموا في نزل على الجانب الملتوي من نهر كانوا, وتنكر جيندايو في صورة من صور روانين, او ساموراي لم يعد تابعاً لأحد النبلاء ووصل الى حد الاستجداء ومضى ينشد الاغنيات العنيفة, واتخذ موتومي هيئة تاجر يبيع اغراضاً متواضعة من دار لاخرى وغدا ايجوشي تابعاً مؤقتاً لدى نوز سانزيمون الذي كان يشغل منصب هاتاموتو لدى الشوجون, ومضى كل من الساموراي الثلاثة يتجول متنقلاً من مكان الى آخر بصورة منفصلة كل يوم. لم يضجر تاوكا, وهو رجل عركته الدنيا فصقلته التجربة, من المضي الى احياء الترفيه ليستجدي المال صابرا. ومن ناحية اخرى فإن كانوا الشاب لم يكن بالذي يتملك ناصية مشاعره, وحتى عندما كان يعبر نيهونباشي في يوم مشمس كان عرضة للاصابة بالاكتئاب, فيما هو يمضي صامتاً معتمراً قبعته القش, ممعنا في التفكير في سعيهم للانتقام الذي لم يثمر شيئاً. فضلاً عن ذلك, فإنه مع اشتداد برودة الرياح التي تهب من جبل تسوكوبا, اصيب كانوا بالبرد, وانتابته الحمى, ومع ذلك فإنه على الرغم من سعاله الحاد, والبرودة التي اخترقت عظامه, فقد واصل المسير كل يوم. انخرط ايجوشي كيسابورو, خادم كانو المخلص, في البكاء, وهو يحدث تاوكا باعجابه بسيده الشاب ولكنهما لم يستطيعا تفهم الشعور بالوحدة الذي يحس به, فدفعه الى عدم بذل جهد يذكر لاستعادة صحته وسرعان ما حل ربيع العام العاشر من عهد كانبون وبدأ كانو سراً في ارتياد بيت سيئ الصيت في يوشيوارا. كانت المرأة التي يتردد عليها تدعى كايدي, وقد تدنت بها الظروف الى قاع هذا البيت, لكنها كانت امرأة ذات شخصية متكاملة, وقد اخلصت له الود من اعماق فؤادها, وكان بوسعه ان يجد العزاء عن وحدته حينما يكون الى جوارها فحسب, واذ قدر اخلاصها فقد افضى لها بسر مسألة الانتقام في الربيع, عندما مضى الناس يتحدثون في الحمام العام عن جمال براعم الكرز في شيبويا. ولدهشته حدثه عن ذلك الساموراي الذي يشبه سينوما, والذي جاء الى ايزومايا بحثا عن الترفيه قبل شهر مع ساموراي من ماتسوي وقد شاء الحظ ان يكون سينوما ممن يترددون على كايدي, فتذكرت ملامحه وملابسه بجلاء, كما تصادف كذلك انها سمعت انه سيغادر ايدو بعد ايام قلائل الى ماتسوي في يونشو. سعد موتومي, بالطبع, لكنه كان يعرف ان مطاردة سينوما ستعني ان يترك كايدي, لبعض الوقت او ربما للأبد, ولم يستطع مواجهة تلك الحقيقة وعلى الرغم من انه لم يكن من عادته العكوف على الشراب, الا انه في تلك الليلة استبد به الخمار وكايدي بجانبه وعندما عاد الى نزله سعل بشدة فتدفق الكثير من دمه عبر فمه, وفي اليوم التالي لزم فراشه حيث استبد به المرض. حرص تاوكا في الايام التي اعقبت ذلك, على رعاية موتومي, وواصل البحث عن سينوما ولسبب ما لم يحدث موتومي تاوكا بالعثور على اثر العدو. ذات مساء عاد تاوكا الى النزل, بعد ارتياد المسارح في فوكياتشو, ليجد ان موتومي قد انتحر حيث مزق بطنه بسيفه فذهل لما رآه, ولمح رسالة اطبق عليها فكا صديقه الراحل وعلى ضوء قنديل الغرفة بدأ في قراءة رسالة الانتحار التي تركها موتومي. جاء في الرسالة: (انني اضعف من ان احقق الانتقام) واوضحت الرسالة اي يمكن العثور على اثر سينوما, وكيف توصل اليه موتومي, والسر في انه قرر الانتحار وعثر تاوكا على رسالة منفصلة من طي رسالة الانتحار وبعد ان قرأها تاوكا اجتذب حامل المصباح واحرقها, وكانت رسالة الى كايدي يعدها فيها بحياة سعيدة في العالم الآخر. الحركة الثالثة في صيف العام العاشر من عهد كانبون, انطلق تاوكا وايجوشي الى ماتسوي في اونشو واذ وقفا على جسر اوهاشي للمرة الاولى, وحدقا في عمود عملاق من الغيوم يعلو منتصباً في السماء فوق بحيرة شينجيكو, فقد احسا بمزيج غريب من المشاعر, حزن عميق ازاء كل تلك الخسارة التي افضت بهما الى هذا الموضع, وفي الوقت نفسه تصميم صارم على اكمال مهمتهما وتحقيق الانتقام اخيراً. كان ذلك الصيف هو الرابع في رحلتهما الطويلة من كوماموتو, ونزلا في فندق قرب كايوباشي, وفي اليوم التالي شرعا في التفتيش عن العدو. واكتشفا انه في اوائل الربيع حل ساموراي يشبه سينوما ضيفاً على اونتشي كوزيامون الذي كان يعلم الفودنرايو كيندو لساموراي قبيلة ماتسودايرا. اخيراً, حدثا نفسيهما قائلين: (لسوف نحقق انتقامنا) ولم يستطع تاوكا بصفة خاصة منع نفسه من الشعور بالغضب والابتهاج الشديدين. لم يكن سينوما عدوا لهيتارو وحده, وانما كان كذلك عدوا لساكون وموتومي وفوق هذا فقد كان عدوا لتاوكا نفسه, فقد كان هو الذي اجبر تاوكا على تجرع هذا العناء الرهيب طوال ثلاث سنوات. وعلى الرغم من سيطرة تاوكا المألوفة على مشاعره, فقد احس بدافع قاهر يدفعه الى اقتحام دارة او نتشي لمهاجمة سينوما.. ولكن اونتشي كوزايمون اشتهر بتملك ناصية فن الكيندو القتالي وكان لديه العديد من الشباب الذين يتدربون على يديه. ومن هنا تعين على تاوكا انتظار خروج سينوما من الدارة وحده, حيث ستكون تلك هي افضل فرصة للانتقام منه. لم تتح هذه الفرصة في يسر, فقد مكث سينوما في الدارة يوميا بشكل تقريبي. كانت براعم اللاجرسرمية الهندية قد تناثرت بالفعل في حديقة الفندق الذي حلوا به, وراحت اشعة الشمس المترامية على حجر الحديقة تتقلص يوما بعد الاخر. انقضت ثلاث سنوات منذ موت تسوزاكي, وطلب ايجوشي في عشية ذكرى موت صديقه من كاهن في معبر شوكوين الصلاة ترحما على تسوزاكي. ولما كان لا يرغب في المخاطرة بتبنيه سينوما, فإنه لم يفض باسم تسوزاكي للكاهن. غير انه تصادف, على غير انتظار ان عثر على شواهد تذكارية لتسوزاكي وكانو هيتارو في قاعة المعبد الرئيسة وسأل الكاهن, متظاهرا بعدم الاكتراث, عن ذلك القريب الذي امر باعداد الشواهد التذكارية. ولدهشته رد الكاهن بأن ساموراي في دارة اونتشي كان يصلي ترحما على تسوزاكي وكانو بانتظام في ذكرى كل يوم من الشهر الذي ماتا فيه. قال الكاهن: (لقد جاء الى هنا في وقت مبكر من صباح اليوم). عندما خرج ايجوشي من المعبد, ساوره شعور بأن روحي كانو وتسوزاكي ارسلت العون من السماء. لدى استماع تاوكا لقصة ايجوشي بادر الى الاحتفاء بهذه الهدية من السماء التي وصلتهما اتفاقا. لكنه بدوره اسف لعدم معرفته بزيارة سينوما للمعبد. قال ايجوشي: (بعد ثمانية ايام ستحل ذكرى مصرع كانوهيتارو, ويبدو على نحو غامض اننا سنحقق انتقامنا في هذه الذكرى). وابهجته هذه الخاطرة وابهجت تاوكا بدوره. وراحا يتجاذبان اطراف الحديث حول ذكريات كانو وتسوزاكي طوال الليل الى جوار قنديل الحجرة. ولم يكن بوسعهما السماح لنفسيهما بأن يتم تذكيرهما بأن سينوما بدوره كان يلتزم الحداد على القتيلين. يوما بعد الاخر مضى موعد ذكرى مصرع هيتارو يقترب, فعكفا على شحذ سيوفهما, وانتظرا في هدوء حلول اليوم الموعود. ولم يقلقا حول فرص نجاحهما او اخفاقهما, فكل ما اراداه هو ان يكونا هناك, في مواجهة سينوما, في ذكرى مصرع كانو. اطل الصباح, اخيرا, ونهض الرجلان قبيل الفجر وارتديا ملابسهما وتقلدا سلاحهما على ضوء قنديل الحجرة. وارتدى تاوكا سروالا من جلد الغزال ملونا بلون السوسن وكيمونو اسود من حرير نسج خصيصا, ورفع الاكمام برباطين من الجلد. وفوق الكيمونو ارتدى هاوري من الحرير, وفي نطاقه كان هناك سيف طويل من ابداع هاسيبي نوريناجا وسيف قصير من صنع راي كونيتوشي. لم يرتد ايجوشي هاوري, وانما ارتدى كيمونو مبطنا ببطانة ثقيلة على سبيل الحماية تحت الكيمونو الخارجي الحريري. وشربا نخبا من الساكي البارد, وبعد ان سددا حسابهما بما في ذلك حساب اليوم التالي غادرا الفندق بمعنويات عالية. وعلى الرغم من ان قلة من الناس كانت تشق طريقها, الا انهما اعتمرا قبعتين من القش لحجب ملامحهما, وانطلقا نحو بوابة شوكوين, التي كانا قد قررا من قبل ان تكون الساحة التي ستشهد انتقامهما. بعد مسيرة امتدت مئتي متر توقف تاوكا, فجأة, وقال, (مهلا لحظة! ان المال القليل لدينا كان ينقص اربعة مونات هذا الصباح, فلابد لي من العودة والحصول على المال). قال ايجوشي بصبر نافد: (اربعة مونات ليست بالشيء الكثير, وما من حاجة تدعوك الى العودة من اجلها). اراد المضي قدما في التو الى شوكوين, لكن تاوكا خالفه الرأي, وقال: (المال ليس مهما بالنسبة لي بدوري, ولكن اذا قال الناس ان ساموراي مثل تاوكا قد قبل خسارة في حسابه قبل ان يحقق انتقامه, فإن ذلك لن يلحق العار بي وحدي, وانما سيحل به حفيدي ايضا. ومن الافضل ان تسبقني, حيث سأعود الى الفندق. عاد تاوكا الى الفندق وحيدا, وتأثر ايجوشي بقوة تصميم صديقه فغذ السير الى ساحة الانتقام وحيدا. وبعد بعض الوقت لحق به تاوكا امام بوابة شوكوين. لم يكن الطقس مستقرا في ذلك اليوم, وانما تراوح بين شمس تتألق, وسحب تطل, ومطر يهمر بين الحين والاخر. مضى كل من الرجلين في اتجاه وراح يجوب المنطقة الواقعة خارج المعبد, حيث كانت ورقة شجرة العناب قد غدت ضاربة الى الصفرة, ومضيا ينتظران سينوما بمعنويات عالية, ولكنهما ظلا على ما هما عليه من انتظار حتى الظهيرة. ضاق ايجوشي ذرعا بالانتظار, فسأل الحارس عن السر في عدم قدوم سينوما كالمعتاد في ذلك اليوم, فرد الحارس بالتساؤل بدوره عن سبب عدم قدومه كالمعتاد اليوم. وقف ايجوشي وتاوكا خارج المعبد محاولين ادخال الهدوء على نفسيهما. ومر الوقت سريعا. بعد قليل, كسا الغسق بألوانه السماء, وتردد بحدة صوت الغربان, وهي تنعب خلال التقاطها لطرائدها في شجرة العناب. دنا ايجوشي من تاوكا وغمغم باضطراب: (هل نمضي الى خارج دارة اونتشي؟) لكن تاوكا رفض ذلك الاقتراح بايماءة عاجلة. وسرعان ما التمعت نجوم عديدة وسط السحب في السماء فوق البوابة. واصل تاوكا الانتظار بمزيد من الاصرار, ملصقا نفسه بالسور. وقد يكون معقولا ان سينوما, الذي يتربص به الاعداء, يمكن ان يزور المعبد في وقت متأخر من الليل. اخيرا, قرع الجرس في الساعة السابعة, ودوى رنينه في التاسعة. ومع ذلك فقد مكثا عند المعبد وغمرتهما قطر الندى ولم يقدر لسينوما ان يظهر قط. الذروة غيرا مكان اقامتهما, وواصلا البحث عن سينوما, وبعد عدة ايام سقط تاوكا مريضا, وفي وقت متأخر من الليل عانى من قيء واسهال حادين. واستبد القلق بايجوشي عليه, فاراد احضار طبيب, لكن تاوكا ما كان ليسمح بذلك, خوفا من ان يكتشف احد جلية امرهما. لزم تاوكا الفراش لبعض الوقت بفعل مرضه, وتناول الدواء الذي جلب له من متجر للعقاقير. ولكن الاعراض لم تختف على الاطلاق, ولم يستطع ايجوشي رؤية صديقه يعاني من مثل هذا الالم, فأقنعه اخيرا بأن يعوده احد الاطباء. طلب ايجوشي من صاحب المنزل ان يرسل في احضار الطبيب الذي يدعوه عادة, اذا اقتضت الضرورة, فبادر في التو الى ارسال من يستدعي طبيبا ماتسوكي رانتاي, وهو طبيب شهير درس الطب على يدي موكاي ريران, وكان ممن يتحمسون للبطولة, ويعكف على احتساء الساكي ليلا ونهارا, ولا يكترث بالعائد المادي. وذات يوم كتب هذه القصيدة ليصور فلسفته الشخصية: التحليق عاليا فوق السحب والمضي عبر الوادي طريقة حياة وكان يعالج افقر الشحاذين واكثر الموظفين سلطة ونفوذا, وما ان رأى تاوكا حتى شخص مرضه على انه ديسنتاريا, ولكن على الرغم من علاجه فقد تفاقم المرض اكثر فأكثر. عكف ايجوشي على رعاية صديقه ومضى يتضرع من اجل شفائه, وتضرع المريض من اجل امتداد حياته الى ان يحقق انتقامه. وفي وقت متأخر من كل ليلة كان يشتم رائحة منقوعات الاعشاب الطبية وهي تغلي بجوار فراشه. اوغل الخريف في مسيرته. وفي بعض الاحيان كان بمقدور ايجوشي وهو في طريقه الى دار الطبيب ماتسوي لجلب الدواء رؤية اسراب طيور الماء السابحة وهي تحلق بعيدا الى الجنوب. ذات يوم تصادف ان التقى في القاعة الامامية من دار ماتسوكي مع خادم قدم بدوره لجلب الدواء, وعندما تناهى الى صوت هذا الخادم وهو يحادث احد الاطباء المتدربين لدى ماتسوكي, عرف ان هذا الخادم من دارة اونتشي. وبعد ان غادر الخادم الدار قال للطبيب المتدرب نفسه: (يبدو انه حتى متدرب فنون القتال من نوعية اونتشي يعجز عن قهر المرض) رد الطبيب المتدرب (لا, المريض ليس السيد اونتشي, وانما ضيف حل بدارته). في وقت لاحق, وعندما ذهب ايجوشي لجلب الدواء, سأل الطبيب المتدرب عن حالة سينوما متظاهرا بعدم الاكتراث, وتوصل الى معرفة انه كان يعاني من الديسنتاريا منذ حوالي الذكرى السنوية لمصرع هيتارو. ولابد انه ذلك هو السر في عدم مجيئه الى بوابة شوكوين في ذلك اليوم. عندما سمع تاوكا بهذه القصة, تراجعت قدرته على تحمل وقر مرضه, فلو ان سينوما هلك بفعل الديسنتاريا, لما تمكن تاوكا من تحقيق انتقامه. ولو ان سينوما شفى من مرضه ومات تاوكا, فإن هذا الاخير سيكون قد عانى مشقة هائلة على امتداد سنوات عديدة, بلا طائل بالطبع. ومن هنا كان عليه ان يتضرع من اجل شفاء سينوما وشفائه هو نفسه. لكن القدر كان اشد قسوة على تاوكا جيندايو, فقد تفاقم مرضه, وغدت حالته حرجة بعد عشرة ايام فقط من معالجة ماتسوكي له. وعلى الرغم من معاناته فإنه لم يفقد الامل في تحقيق الانتقام. في بعض الاحيان, كان ايجوشي يسمع صوت تاوكا الواهن وهو يتضرع متألما, مناشدا هاتشيمان دايبوساتسو, راعي المحاربين). وذات ليلة عندما كان ايجوشي يساعد تاوكا على تناول الدواء كالمعتاد, وتطلع تاوكا الى محياه, وهتف (كيسابوروا) وتردد صوته واهنا. وبعد لحظة قال: (اتمنى لو كانت لدى فسحة اكبر من الحياة). احنى ايجوشي رأسه واضعا راحتيه على الارض, عاجزا عن مواجهته. في اليوم التالي طلب تاوكا من ايجوشي ان يبعث في طلب الطبيب ماتسوكي, الذي عاده مخمورا كالمعتاد. قال تاوكا: (ايها الطبيب, انني اقدر رعايتك لي كل هذا الوقت الطويل!) واضاف وقد جلس متألما: (لدي شيء اود ان اطلبه منك طالما انني مازلت على قيد الحياة. هل تحقق لي ما اطلبه منك ايا كان؟) فأعرب ماتسوكي عن موافقته على القيام بذلك بسرور. شرع تاوكا يروي له قصة الانتقام من البداية الى النهاية بتفصيل, وتردد صوته خافتا, ولكن كلماته كانت مفعمة باليقين على امتداد القصة الطويلة. فتأثر ماتسوكي بعمق, ومضى يصغى باهتمام لما يقوله تاوكا. في نهاية القصة, واصل تاوكا حديثه, وقد غدا يتنفس بصعوبة: (اود ان اعرف حالة سينوما كذكرى اخرج بها من هذا العالم. امايزال على قيد الحياة؟). انخرط ايجوش في البكاء, ولم يستطع ماتسوكي بدوره, وهو يصغى الى هذه الكلمات كبح جماح دموعه ومنعها من الانهمار. فاقترب من تاوكا, وهمس في اذنه: (ارجو ان تهدأ بالا فقد شهدت يقينا نهاية سينوما صباح اليوم!). لاحت ابتسامة واهنة على محيا تاوكا, وفي الوقت نفسه انهمر الدمع على وجهه الهضيم. ودمدم في أسى: (سينوما, انه رجل محظوظ). احنى رأسه المثقل الى الارض كأنما في معرض ابداء تقديره لماتسوكي, ولفظ انفاسه الاخيرة. في نهاية اكتوبر من العام العاشر من عهد كانبون, ودع ايجوشي الطبيب ماتسوكي وانطلق الى كوماموتو, مسقط رأسه, وحمل شعر الموتى الثلاثة, موتومي, وتسوزاكي, وتاوكا, على كاهله. مختتم في يناير من العام الحادي عشر عهد كانبون, نصبت اربعة شواهد مقابر في مقبرة معبد شوكوين, في ماتسو بأونشو. ولما كان المتبرع بها قد حجب اسمه, فلم يقدر لأحد ان يعرف هويته. عندما بنيت القبور زار كاهنان جديدان شوكوين في الصباح الباكر, وكل منهما يحمل غصنا من شجرة برقوق. كان احدهما ماتسوكي رانتاي الذي حظى بشهرة في المدينة, وكان الآخر رث الثياب الى حد كبير, ولكن مظهره الرجولي يوحي بأنه ساموراي. وضع الكاهنان غصني البرقوق امام القبور الحديثة, وصبا الماء عليها قبرا وراء الاخر. بعد مرور وقت طويل, كان هناك وسط الكهنة في اوباكويرين كاهن عجوز, يبدو شبيها بالكاهن ذي الثياب الرثة الذي ظهر في شوكوين. ولكن لم يكن ثمة ما هو واضح فيما يتعلق به, عدا اسمه, وهو جونكاكو. * اكوتا اديب ياباني ولد في طوكيو عام 1892 ورحل عن عالمنا في عام 1927 منتحرا بجرعة زائدة من اقراص الدواء * ترك وراءه اعمالا كاملة تقع في عشرة مجلدات تضم القصص والروايات والمقالات التي تركز على اعادة تفسير الاعراف والاساطير الاسيوية. * درس وقام بتدريس اللغة الانجليزية وارتحل طويلا في الصين وروسيا. * تصدى للمدرسة الطبيعية التي سادت الادب الياباني في بداية القرن العشرين وعارض بشكل خاص نزعتها الاعترافية. * بعد رحيله بثماني سنوات اطلقت الجائزة التي تحمل اسمه وتعد من أبرز جوائز الادب الياباني. * يقترن اسمه بأكثر من مئة قصة اثرت بعمق في الادب العالمي ومنها (راشومون) التي شكلت مادة فيلم اكيرا كيروساوا الشهير.