في حلقة سابقة من حلقات هذا المحك النقدي ذكرنا ان المسرح الاسلامي توجيه لا ترفيه, وتساءلنا عن المسوغات التي تجعل التفكير في انشاء المسرح الاسلامي امرا مقبولا لا مرذولا. وانتهت بنا الحلقة الى ان المسلمين في هذا العصر بين اثنين: اولاهما ان يتركوا فن المسرح يتفرد به كتاب ومخرجون وممثلون لا يلتزمون افكار الاسلام ومثله, بل يصدرون عن فلسفات ومبادئ وضعية, قد توافق الاسلام, وقد تخالفه. وحينئذ لا يحق لنا ان نعارض ما يعرضون, او ان نناقض ما يفرضون, لأنهم عملوا, ولم نعمل. والثانية ان يوسعوا صدورهم حتى تحتوي هذا الفن, وتسبغ عليه المنهج الاسلامي, فتصونه من الانحراف, ومن الاتجار بالشهوات, والانغماس في حمأة الادب التجاري الرخيص. وحينئذ يقاومون الترفيه بالتوجيه, والافساد بالارشاد, ويحولون المسرح الى مدرسة عليا تربى فيها الناشئة تربية سليمة. ولما كان التأليف الركن الاساسي في بناء المسرح فقد رأينا ان نقف هذه الحلقة عليه, وان نحتكم فيما نحكم له او عليه الى المنهج الاسلامي, او التصور الاسلامي للكون وللحياة. وان نحاول فيما يساورنا من افكار الاجابة عن اسئلة تراودنا منها: لقد اباح الاسلام التأليف القصصي, فهل حرم او بغض التأليف المسرحي؟ وهل في التأليف للمسرح سمات تميزه من السرد القصصي, وترغب فيه القراء وان لم يروا النصوص ممثلة؟ وما رأي الادباء الاسلاميين فيما ظهر من مؤلفات مسرحية؟ وقبل ذلك ما رأي الفقهاء في التأليف المسرحي؟ وما الحدود الفكرية التي نحوط بها التأليف للمسرح لنحمي نصوصه من الانزلاق الى ما انزلق اليه المسرح الرخيص غير الملتزم؟ لم اجد بين الفقهاء على اختلاف آرائهم ومواقفهم من الفن المسرحي عامة من يحرم التأليف للمسرح, او يكره هذا التأليف سواء اكان المكتوب له شعرا ام نثرا, والشرط الوحيد الذي قيد به الحراص على الالتزام هو ان يلتزم الكاتب النهج الاسلامي, وان يصدر فيما يكتب عن تصور لمبادئ الاسلام السليمة, وان يهدف الى تحقيق غاياته النبيلة. وفيم تحريمه او تبغيضه وهو شكل من اشكال القص؟ اليس في القرآن الكريم نفسه قص وسرد وحوار؟ وهل المسرحية الا قصّة تغير فيها اسلوب العرض من سرد الى محاورة؟ ان الحوار المسرحي في جوهره شكل من اشكال العرض القصصي, توزع فيه الاحداث والافكار على شخوص المسرحية توزيعا دقيقا, اذ يوجه الشخوص الى التحرك وفق حبكة مرسومة تنتهي الى عقدة, والعقدة تفضي الى حل, ويسند الى كل شخص منهم ما قسم له من فعل وقول فيؤدي نصيبه من الاحداث والاحاديث تطبيقا لنظام دقيق متساوق, يأخذ بعضه برقاب بعض, ويشد القارئ الى متابعة الحدث الموزع على فقرات المحاورات بخيوط قوية خفية من الاثارة والتشويق. ولا يسمح في اثناء ذلك للمؤلف بأن يظهر ادنى ظهور. واذا كانت القصة التي تسلك مسلك الترجمة الذاتية تسمح للمؤلف بالظهور فالمسرحية تضيق بهذا النمط, او ترفضه, وتطرد المؤلف, او تطلب اليه ان يتوارى خلف الاستار, وان يراقب الاحداث المرسومة وان يصغي الى الاحاديث المقسومة من بعيد, شأنه في ذلك شأن كل قارئ او مشاهد. وتطالبه بأن يترك الحرية الكاملة للمشاهد, يتصور من المسرحية ما يشاء, ويفهمها على النحو الذي يتراءى له بلا تعليق ولاتفسير. وهبك من اصحاب الرأي القائل بتحريم التمثيل, فإن تحريمك التمثيل لا يؤدي الى حرمان القارئ من ثمرات الحوار المسرحي والتمثيل المسرحي لقدرة القارئ على تخطيك بما اوتي من خيال, وما اوتي هذا الخيال من قدرة على امتاع صاحبه بالجمال. ان القارئ الفطن اللقن يستطيع ان يتصور شخصيات المسرحية, وان يمثل ما تمثله هذه الشخصيات على نحو خيالي, فاذا الاشخاص يتحركون بين يديه, واذا هو يراقب حركاتهم ولفتاتهم, ويفسر هذه الحركات واللفتات, واذا الاشخصاص يتجادلون بأصوات مختلفة الايقاع والارتفاع, واذا القارئ مخرج ذهني يغنيه اخراجه المتخيل عن الاخراج الممثل. وربما وجد في هذه القراءة الحية المتحركة متعة رفيعة, لا يجد مثلها في فن ادبي اخر كالقصيدة والمقالة. وهذا كله يعني ان في الحوار سرا وسحرا يرجحانه على السرد, وان ايثاره على القص يجعل اغفاله في التأليف الروائي المقروء والممثل خسارة, يحتملها المؤلف قبل غيره, لأنه متى اعرض عنه اعرض عنه فريق من القراء. بقي ان نعرض للحدود الفكرية التي يحسن بالمسرح الاسلامي ان يصون بها نفسه من المزالق التي يهوى اليها ادب الجريمة, وادب الجنس, وادب المغامرة, فما هذه الحدود؟ ليس من الضروري ان يكون المسرح الاسلامي شكلا من اشكال الدعوة الخطابية المعهودة, او منبرا من منابر التدريس, يعلم الناس المعاملات والعبادات. ولو انه الزم نفسه هذه الحدود لحكم على نفسه بالجمود, ولأعرض عنه القراء والمشاهدون. ان عشاق المسرح لا يلتمسون عنده المحاضرة المباشرة, ولا توجيه الاوامر والزواجر, او عرض المحرمات والمباحات, وانما يلتمسون عنده التصور الاسلامي العام للكون وللحياة, ولمكان الاسلام من الفلسفات الوضعية المعاصرة, ولمكان المسلم قديما وحديثا من حركة التاريخ, وقدرة المسلم على تمثيل المثل الاسلامية, وترجمتها الى تفكير وخلق وسلوك. وحسبنا ههنا ان نذكر نموذجا مسرحيا واحدا, وهو (حوارية محمد) لتوفيق الحكيم التي قرئت قبل نصف قرن ولم تمثل, ولا يمكن ان تمثل, لأنها تدور حول شخصية محمد صلى الله عليه وسلم وشخصيات اصحابه التي اجمع الفقهاء على تحريم ظهورها فوق منصة المسرح. اقول: ان هذه الحوارية ظهرت قبل خمسين سنة في بيئة محافظة, كان لديها من الغيرة على الدين ما يفوق غيرتنا, ومن خوف التفلت ما حملها على التزمت لدرء كل شبهة متوقعة, فكيف تلقت هذه البيئة الحوارية؟ نكتفي بذكر المفكر الاسلامي مصطفى صادق الرافعي. فبعد ان قرأ النص الحواري وتمتع به قال: (ان عمل الاستاذ توفيق الحكيم في تصنيف هذا الكتاب اشبه شيء بعمل (كريستوف كولمب) في الكشف عن امريكا, واظهارها من الدنيا للدنيا. لم يخلق وجودها, ولكنه اوجدها في التاريخ البشري). وقال ايضا: (قرأ الاستاذ كتب السيرة, وامرها على احساسه الشاعر المتوثب, واستلها من التاريخ بهذه القريحة, وهذا الاحساس كما هي طبيعتها السامية متجهة الى غرضها الالهي, محققة عجائبها الروحانية المعجزة). ثم ضرب الرافعي نص الحوارية على محك العصر وموازينه الفنية فتبين له ان انشاء السيرة العطرة على هذا النحو الحواري ليس بغيضا ولا مرفوضا, وانما هو مستحب, دعت اليه الضرورة, فقال: (ان هذا الكتاب يفرض نفسه بهذه الطريقة الفنية البديعة. فليس يمكن ان يقال: انه لا ضرورة لوجوده, اذ هو الضروري من السيرة في زماننا هذا). وبعد, الا ترى معي ان كلام الرافعي سوغ التأليف المسرحي قبل نصف قرن, وان المسوغات له اصبحت اليوم اظهر واكثر؟ فإن وافقتني على التأليف فهل توافقني على التمثيل؟ وقبل ان نتفرد بالرأي ندعو الفقهاء الى الادلاء بالرأي في حلقة مقبلة؟