بيان (2): لماذا يقدم شخص يتمتع ابداعه بأهمية ومكانة عظيمتين على احراق ذلك الابداع؟ يبدو ان اجابة هذا السؤال هي مشكلة كل عصر تنحط فيه مكانة المبدعين, ويطفو اشباههم, هذه لمحة من تجربة نادرة تلقي ظلالا من اجابة في مواجهة السؤال. يعد (ابو حيان التوحيدي) من ابرز اعلام الحضارة العربية الاسلامية, بل من اكابر كتاب عصره (القرن الرابع الهجري, العاشر الميلادي) وهو من الفلاسفة الذين مزجوا بين الفلسفة والادب, اي عبروا عن فكرهم بلغة ادبية, ممن يمكن ان يطلق عليهم لقب الفلاسفة الادباء, ولقد لقبه (ياقوت الحموي) بأديب الفلاسفة وفيلسوف الادباء, في حين قال عنه آدم متز: (ربما كان ـ التوحيدي ـ من اعظم كتاب النثر العربي على الاطلاق). هو علي بن محمد بن العباس ابو حيان (ولد بين عامي 310 ــ 320 هـ وتوفي على الارجح نحو عام 414 هـ) وقد اختلف في مسقط رأسه, فقيل: في شيراز, وقيل بنيسابور, وقيل بواسط, وقيل ببغداد, ولقب بالتوحيدي لأنه اباه محمدا كان يبيع في بغداد نوعا من التمر اسمه (التوحيد) فنسب الابن الى لفظ يتصل بحرفة ابيه, وثمة من يرى انه هو الذي نسب الى نفسه التوحيد, فعرف بالتوحيدي كما سمي ابن تومرت اتباعه بالموحدين, وحول لقبه, حمل بعض من شرح ديوان المتنبي قوله: يترشفن من فمي رشفات هن فيه احلى من التوحيد وقال شيخ الاسلام ابن حجر: يحتمل ان يكون قد نسب الى التوحيد الذي هو الدين, فإن المعتزلة يسمون انفسهم اهل العدل والتوحيد, وقد استخلص عبدالرزاق محيي الدين نصوصا من مؤلفات التوحيدي تنفي عنه الانحياز الى الاعتزال, وتثبت عكس ذلك تماما, ناهيك ان المعلومات الواردة في الليلة الثامنة من ليالي كتاب ابو حيان: (الامتاع والمؤانسة) تثبت كرهه لهؤلاء الذين آمنوا بعلم الكلام, وسموا بالمعتزلة, وينفي الدكتور يوسف زيدان في مقاله المنشور بمجلة (الهلال) نوفمبر 1995 ان يكون التوحيدي متصوفا او شيخا للصوفية, ولئن افتقر وتقشف. وحول اصله, فثمة آراء حول هذا الموضوع, هل هو عربي ام فارسي؟ شيرازي ام نيسابوري؟ واسطي عراقي؟ يقول محمد كرد علي: (هو عربي, وما كان يعرف الفارسية ولو ولد في فارس لكان يتكلم بها, وحول ثقافته ينقل ابن حجر العسقلاني عن ابن النجار قوله: (كان ابو حيان فاضلا لغويا نحويا شاعرا له مصنفات حسنة, وكان فقيرا, صابرا متدينا, حسن العقيدة, وساعد عمره الطويل على كثرة الاطلاع والتأليف في موضوعات شتى, ولا سيما في حياة كلها تشرد كان يحياها, مكنته من القراءة والكتابة والتدوين, مما اكسب اثاره متعة وطرافة, ناهيك عن انه كان امينا في النقل, حاد الذكاء, حاضر البديهة, كاتب طلعة, موسوعي المعرفة, متعدد المواهب, غزير التأليف, وقد عد ياقوت الحمودي لأبي حيان سبعة عشر كتابا, في حين عد السيوطي من كتبه تسعة كتب, واشار ابن خلكان الى خمسة, والذهبي الى اربعة فقط. ومن مؤلفاته: اخلاق الوزيرين, الامتاع والمؤانسة, رسائل ابو حيان, رسالة الصداقة والصديق, الاشارات الالهية, البصائر والذخائر, المقابسات, الهوامل والشوامل, الرسالة البغدادية.. الى مؤلفات لم تصلنا, او ربما وصلت ولم تطبع, مثل: (رسالة الصوفية, تقريظ الجاحظ, رسالة العارفين, رياض العارفين, الزلفة, المحاضرات والمناظرات, رسالة في الحنين الى الاوطان, الرد على ابن جني في شرح المتنبي..). وسر عظمة التوحيدي لا يكمن فقط في فنه النثري, ودعوته الى ما يسمى بـ (السهل الممتنع) في الكتابة, كما اشار الى ذلك في الليلة الخامسة والعشرين من ليالي (الامتاع والمؤانسة) وانما امور اخرى, لخصها الدكتور محمود ابراهيم فيما يلي: ترك لنا شيئا يمكن الافادة منه في وقتنا الحاضر, واهمه مصطلحات علوم عصره المتنوعة. كان ملما بعلوم عصره كلها, والمامه يكاد يكون المام متخصص, حتى انه يعد شاهدا على القرن الرابع الهجرية من الزاوية العلمية والفلسفية. ابتكر الفاظا في موضوعات شتى فقد تفيدنا في زمننا الحاضر. ان قدرته اللغوية الفذة استطاعت التعبير عن ادق المعارف في زمانه واصعب المواقف التي يعرض لها الرجل العادي والرجل العالم. (مجلة الفصول ـ خريف 1995). ويقول عنه ياقوت: (فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء, وفطنة وفصاحة ومكنة, كثير التحصيل للعلوم في كل فن, واسع الدراية والرواية, ومتفنن في جميع العلوم, في النحو واللغة والشعر والادب والفقه والكلام).. وبذلك هو ذو شخصيتين: (شخصية الاديب وشخصية العالم الباحث المؤلف).. الانتحار المعنوي بالرغم انه امضى حياته متعلما ومعلما, ومثل عصره بكل ما حوى من تمازج بين الفلسفات والكلام, الفقه والتصوف, والعلم والادب لدرجة اطلق على ثقافة التوحيدي مصطلح (الأنسية), اي الثقافة التي تقوم على العقل اولا.. عاش التوحيدي معظم سني حياته في بغداد بائسا فقيرا نافرا من الوجهاء وارباب النفوذ, شاكيا من سوء حاله وقلة الاعوان, وانقطاع اسباب الحياة العالية التي يطمح ان ينالها مع علو كعبه في العلوم والادب والفلسفة, جاء في كتاب (المجتمع والرؤية, كتابة نصية في الامتاع والمؤانسة) للحبيب شبيل ما يلي: (عند المقارنة بين سعة معرفة ابي حيان العلمية وبين احواله المادية والاجتماعية, يبدو لنا التناقض بينهما, وكان لهذا التناقض أثر كبير في نفسية التوحيدي, فهو من ناحية معتد بثقافته اكبر اعتدادا, ويعتقد ان منزلته تلك تؤهله للعيش الطيب في الحياة, فجمع مكتبه للناس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم, لكنه حرم ذلك كله. ومما ذكره ابو حيان صراحة عن فقره, ان القومس الفيلسوف قال له يوما: (ما ظننت ان الدنيا ونكدها تبلغ من الانسان ما بلغ مني, ان قصدت دجلة لأغتسل فيه نضب ماؤه, وان خرجت الى القفار لأتيمم بالصعيد عاد صلدا املس) فقال ابو حيان: (ما اعرف لك شريكا فيما انت عليه وتتقلب فيه, وتقاسيه سواي, ولقد استولى على الحرف (اي الحرمان), وتمكن مني نكد الزمان الى الحد الذي لا استرزق مع صحة نقلي, وتقيد خطي وتزويق نسخي وسلامته من التصحيف والتحريف, بمثل ما يسترزق البليد الذي ينسخ ويمسخ الاصل والفرع). ماذا كانت النتيجة؟ زاد هذه الحالة المزرية من المذلة والحرمان والفقر التي عاشها ابو حيان, نهب داره في ثورة العامة ببغداد سنة 363 هـ, فخسر جل ما جمعه في شبابه, وعاش بعد ذلك في فقر مدقع, فانطلق يشكو, ويتذمر, ويعبر عن الظلم والحيف اللذين لحقا به, وقد عرف عنه تشاؤمه العميق المفرط, وخيبات امله المتعاقبة من الناس عامة ومن الاصحاب خاصة, واتسمت روحه بسوداوية غريبة, اشعلت في نفسه صراعا انقلب الى احتقار في كتاباته للعامة من الناس, لأنه يفوقهم طموحا, ولأنه يرى فيهم المهانة والفقر, ولم يجد في عصره من يستحق قراءة كتبه من الناس, فجمعها, واحرقها في لحظة يأس قاتلة وحالة احباط لا مثيل لها, انتقاما لذاته من القدر والناس, ولم يبق له الا ما سلم صدفة, او كان في ايدي الناس ومحفوظهم. وحول هذه الحادثة, يقول السيوطي في كتابه (بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة): (ان الايام قد انقلبت بأبي حيان, وان كتبه لم تنفه, وضن بها على من لا يعرف قدرها, فجمعها, واحرقها, فلم يسلم منها غير ما نقل قبل الاحراق). ومن الكتب التي نجت من الحريق كتابه النفيس الفريد (الامتاع والمؤانسة) وهو كتابه الاربعين ليلة, سامر بها الوزير ابن سعدان ابا عبيد الله الحسين, وزير صمصام الدولي البويهي والمتوفي في عام 375 هـ, وكان له مجلس علم وادب يفوق ما كان للوزراء والامراء المعاصرين له كالوزير المهلبي, والصاحب بن عباد وابن العميد, وقد جاء في مقالة للدكتور جعفر الهادي حسن نشرت في مجلة (العربي) العدد 233 ما يلي: (من حسن الحظ ان التاريخ قد حفظ لنا رسالة لأبي حيان تتضمن دفاعه عن هذا الانتماء المعنوي, فهذه الرسالة الى جانب كونها قطعة نثر فنية, فانها ايضا تكشف الاسباب التي ارغم هذا العالم الاديب على الاقدام على مثل هذا العمل, حيث لا تضطر للتخمين او الظن او التكهين) وقد ذكر ياقوت الحموي في كتابه (معجم الادباء) نص هذه الرسالة كاملا. دفاعه عن احراق كتبه! كتب (ابو حيان) رسالته في رمضان عام 400 هـ في العقد التاسع من عمره, كما ذكر هو ذلك ردا على رسالة صديقه ابي سهيل علي بن محمد الذي لامه فيها على احراق كتبه, وفي هذه الرسالة يذكر ابو حيان بأن ما قام به من احراق لكتبه, لم يكن هينا عليه, وانما هو عمل كان مكرها عليه, مضطرا اليه (ثم اني اقول ان كان ـ ايدك الله ـ قد نقب خفك ما سمعت به, فقد ادمى اطلي ما فعلت). وهو يقول: انه لم يكن ليقدم على ما أقدم الا بعد ان فكر كثيرا, وقد اخذ منه ذلك اياما وليالي, يقلب الامر على وجوهه, وهو لم يصل الى تلك النتيجة الا بعد ان استخار الله عز وجل في ذلك فهو يقول لصديقه: (فليهن عليك ذلك, فما انبريت له واجترأت عليه حتى استخرت الله عز وجل فيه اياما وليالي, حتى اوصى الي فيه في المنام بما بعث راقد العزم واجد فاتر النية, واحيا ميت الرأي, وحث على تنفيذ ما وقع في الروع, وتربع في الخاطر). واسترسل التوحيدي قائلا: (العلم ـ احاطك الله ـ يراد للعمل كما ان العمل يراد للنجاة. فاذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلا على العالم, وانا اعوذ بالله من علم عاد كلا واورث ذلا, وصار في رقبة صاحبه غلا), (معجم الادباء لياقوت الحموي), والسبب الآخر الذي يذكره ابو حيان هو انه لم يكن له ولد يورثها له, او صديق عزيز يستفيد منها, ولم يكن يهن عليه ان يتركها لقوم لا يعتمد عليهم, ولا يأمن جانبهم, فهو يقول بالاستناد الى المصدر السابق نفسه: (ومما شحذ العزم على ذلك, ورفع الحجاب عنه, اني فقدت ولدا نجيبا, وصديقا حبيبا, وصاحبا قريبا, وتابعا أديباً, فشق علي ان ادعها لقوم يتلاعبون بها, ويدنسون عرضي اذا نظروا فيها, ويشتمون بسهوي وغلطي, اذ تصفحوها ويتراؤون نقصي وعيبي من اجلها).