بيان (2): حينما برزت مارجريت تاتشر, على نحو غير متوقع, لتتحدى زعيم حزبها, ادوارد هيث, على قيادة المحافظين عام 1975 لم يكن البريطانيون يعرفون عنها سوى انها سيدة محافظة, مشهورة بقبعاتها وحليها, أكثر من شهرتها بأي موهبة أخرى. لكنها أسرعت في تلك اللحظة لتعديل تشكيل صورتها, حيث بدأ الصحافيون فورا يتابعون حياتها منذ اللحظة الأولى ووصلوا للشقة التي ولدت فيها فوق محل البقالة الذي كان لوالدها والذي أمضت فيه أوقاتا كثيرة وهي تبيع السكر والشاي والسجائر. وأصبحت تاتشر خلال أسابيع فقط من انتخابها زعيمة لحزب المحافظين ذات صورة جديدة تعتمد على بقالة والدها وتربيتها المحافظة ووالدها ألديرمان روبرتس, الذي علمها (القيم الفيكتورية) والجد والاعتماد على النفس والوطنية والواجب التي أصبحت لاحقا أسس حياتها العملية. (مارجريت تاتشر. الجزء الأول: ابنة البقال) هو الجزء الأول من سيرة كاملة وضعها جون كامبل عن السيدة الحديدية وهي السيرة الكاملة الأولى التي توضع عنها منذ تركها للسلطة والأولى أيضا التي تتبع بالتفصيل سيرة حياتها ونشأتها الأولى. ويتميز هذا الكتاب بمحاولة مؤلفه البحث خلف الصورة التقليدية التي رسمتها تاتشر عن نفسها وقبلها واضعو سيرتها غيره. والمؤلف جون كامبل يعتبر رائد فن السيرة السياسية في بريطانيا. إذ حازت سيرته التي وضعها عن سلف تاتشر في زعامة الحزب والحكومة, إدوارد هيث, على جائزة ان سي آر البريطانية عام 1994. كما ألف كتبا عن حياة كل من لويد جورج في 1977 ولورد بيركنهيد في 1983 وروي جنيكنز في 1983 وانورين بيفان في 1986. لم تكن مارجريت تاتشر, رئيسة الوزراء البريطانية, المرأة التي احتلت هذا المنصب في بلادها لسنوات طويلة اكثر من أي رئيس وزراء آخر طوال القرن العشرين فحسب, بل ان الناس يتذكرونها لكونها زعيمة فائقة النشاط تميز عهدها بالتدخل عمليا في كل شيء حدث في بريطانيا وكثير مما حدث في العالم طوال الثمانينيات. بهذه الكلمات يبدأ المؤرخ جون كامبل الجزء الأول من السيرة التي وصفها عن رئيسة الوزراء البريطانية بعنوان: (مارجريت تاتشر ـ الجزء الأول: ابنة البقال). لكن الجديد في سيرته عن مارجريت تاتشر هو ان كامبل قد نشر جزءاً أول هو الذي بين يدينا الآن بانتظار ان يتم عمله بجزء ثانٍ ينشره لاحقا من دون ان يحدد موعدا لذلك. وعن ذلك يقول كامبل إنه لم يكن ينوي حين قرر الشروع في هذا العمل نشره على جزءين بل كانت نيته كتابة مؤلف من جزء واحد لا غير. لكن مع تقدمه في هذا العمل توضح له الحجم الحقيقي للمشروع الذي بدأه. إذا أن مارجريت تاتشر لم تكن فقط صاحبة السنوات الأطول في رئاسة حكومة البلاد فحسب بل انه كانت تتبع سياسة تدخلية مفرطة جعلت اصابعها تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في الحياة البريطانية اضافة لتدخلها في كثير من احداث العالم طوال عقد من الزمان. وحتى حينما لم تكن تاتشر مسئولة مسئولية مباشرة عن تحريك الحدث فقد ميزت بشخصيتها عقد الثمانينيات ولهذا فإن سيرتها هذه التي بين ايدينا تغطي مسرحا واسعاً جداً من التاريخ المعاصر. يقول كامبل بأن السنوات من 1979 وحتى 1990 ستظل دوما في بريطالنيا سنوات تاتشر والتحولات التي أجرتها في السياسة والمجتمع البريطانيين عميقة وواسعة لدرجة أن البلاد ما زالت حتى الآن تخضع بشكل أو بآخر لآثار التاتشرية. وقد أفرزت رئاسة تاتشر للحكومة البريطانية كماً كبيراً من الادبيات لا تتضمن فقط المذكرات والدراسات, بل كتبا كاملة تناولت بالبحث كل النشاطات والاحداث التي عرفتها حكومتها من سياستها النقدية الاوروبية إلى الاضرابات وخصوصا اضرابات قطاع المناجم الى سياستها الضريبية التي احدثت ضجة كبيرة في البلاد مروراً بحرب فوكلاند وليس انتهاء بقضايا الجاسوسية التي عرفها عهدها. لكن كل ذلك لا يجد حضوره في الجزء الأول من سيرة مارجريت تاتشر الذي وضعه كامبل وهو الجزء الذي يتناول بالبحث وبكثير من التفاصيل غير المسبوقة رقي تاتشر نحو السلطة ووصولها لرئاسة الحكومة. على كل حال فإن كامبل لايجد في ذلك ما يضير فهو يعتبر الجزء الأول من سيرة تاتشر كتابا قائما بحد ذاته. هذا لأن الحياة العملية المبكرة لأي شخصية متميزة, بما في ذلك الأوجه السطحية أو الثانوية لهذه الحياة, تتميز بسحر خاص يمكن أن يخبو اذا ما وضع في مكان واحد مع الاحداث الكبيرة التي ستهيمن بالضرورة على الاجزاء اللاحقة من أي سيرة. ولهذا يأمل كامبل بان وصفه لتشكل شخصية تاتشر التي افاض بتفاصيلها في هذا الكتاب لن تجد نفسها وهي تتراجع لمرتبة ثانوية في الاهمية. ويعترف كامبل بانه من الناحية النموذجية كان الأجدر به ان يقف بهذا الجزء عند عام 1975 من حياة تاتشر حينما برزت فجأة على الساحة السياسية كزعيمة للمعارضة ورئيسة وزراء مستقبلية تنتظر فرصتها وليكون هذا العام هو الفاصل الذي يميز الجزء الحالي عن الجزء الثاني المنتظر. إذ أن هذا العام هو الذي شهد التغييرات الحقيقية في حياتها الخاصة والعامة حيث السنوات الأربع التالية كانت اساسا فترة استعدادية للتحديات التي ستواجهها عام 1979. لكن مثل هذا الفصل كان سيترك الكتاب في جزئه الأول قصيراً جداً مقارنة بالجزء الثاني الذي سيتعين عليه تغطية فترة غنية ومهمة في حياتها سبقت تسلمها لزمام السلطة. وبهذا لم يكن امام كامبل من خيار عملي آخر سواء تبني التقسيم ذاته الذي كانت تاتشر قد تبنته لجزئي مذكراتها الاثنين (الطريق نحو السلطة) و(سنوات داوننج ستريت). عناد زعيمة المعارضة يوزع كامبل (مارجريت تاتشر ابنة البقال) على 13 فصلا سلسلة تسلسلا زمنيا تغطي المراحل الحياتية المتعاقبة من سيرتها الفصل الأول جاء تحت عنوان (الابنة المطيعة) فيما الأخير (الى داوننج ستريت) اما الفصول الاحد عشر بينه فهي على التوالي (الطالبة الجادة) و(اليمينية في اكسفورد) و(المحافظة الشابة) و(الامرأة السوبر) و(البرلمانية المراقبة) و(الوزيرة الثانوية) و(المعارضة) و(وزيرة التربية) و( ثورة المزارعين) و(زعيمة المعارضة) و(التاتشرية وراء الاستار). انتخبت مارجريت تاتشر رسميا زعيمة لحزب المحافظين البريطاني يوم 20 فبراير 1975 بعد اجتماع لاعضاء الحزب في البرلمان والمرشحين المحافظين للمجلس ومسئولي الحزب. وقبل ذلك بأيام كانت تاتشر قد تزعمت بشكل غير رسمي اجتماعات لحكومة الظل حضرها جميع اعضائها باستثناء رئيسها ادوارد هيث زعيم حزب المحافظين الذي هرب ليلعق جراحه وحيدا في ملق بعد هزيمة الحزب في انتخابات 1975. في الاسابيع والشهور الاولى لتزعمها حزب المحافظين المعارض حرصت تاتشر على الوصول الى كل الفئات المنضوية تحت لواء حزبها من المحافظين الاسكتلنديين الى المحافظين الويلزيين والنساء المحافظات واعضاء النقابات العمالية المحافظين واتحاد الطلاب المحافظين وغيره. ولهؤلاء كانت تقدم خطبا وطنية رنانة عن تصميمها على وقف تدهور بريطانيا كدولة عظمى عبر احياء فضائل من مثل الحرية والمغامرة التجارية والفرص الفردية والاعتماد على النفس. يوم 28 فبراير من ذلك العام قالت امام اجتماع للعمال من حزبها بانها تأمل بتحويل بعض الاحلام الى حقيقة.. وحذرتهم من ان السياسيين يجب الا يحاولوا ارضاء الجميع وبأنها ستحاول (معاملة الجميع بانصاف). وينقل كامبل من خطبتها تلك: (لأنني لن اتوقف عن المواجهة لن اتوقف عن القتال لخير ورخاء وحرية هذه البلاد.. لم أقاتل القوى الهدامة للاشتراكية لأكثر من عشرين عاما لآتي واتوقف عن ذلك الآن, حيث اصبح الجزء الحاسم من المعركة مسئوليتنا نحن). غير أنها وعلى الرغم من خطابتها المثيرة كانت تحرص على أن تضع سياساتها في صيغ بسيطة وفطرية وكأنها تعبر عن الاعتدال في مواجهة التطرف العمالي. إذ يجب ايجاد الثروة قبل توزيعها والبلاد لا تستطيع ان تستهلك اكثر مما تنتج والضرائب يجب ان تنخفض لزيادة الحوافز للانتاج. لكن كامبل يؤكد أن تاتشر ومنذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها تهتم بالسياسة كانت مولعة بالشئون الخارجية والعسكرية أكثر من الشئون الداخلية. وبعد ان كان كل من ماكيلان وبعده هيث كزعيمين لحزب المحافظين ورئيسي حكومة قد قيداها بالسياسة الاجتماعية, فإن تاتشر ما إن اصبحت هي زعيمة الحزب اخذت تبدي رغبتها القوية بإخراج نفسها الى المشهد السياسي العالمي. ولم يكن هذا يشكل تضاربا مع هدفها الرئيسي باعتبار انها كانت ترى ان لب المشكلة التي تواجه الاقتصاد البريطاني هو وجود الكثير من الاشتراكية التي لم تكن بالنسبة لها سوى نسخة محلية اقل قوة من الشيوعية. ولهذا فإن هدفها قصير الأمد وان كان تحرير الاقتصاد البريطاني فان هدفها الابعد والجوهري تمثل لا باستئصال اعراض ومظاهر الاشتراكية في البلاد فحسب بل الهجوم والقضاء على الفيروس ذاته الذي كان مصدره وتربته الخصبة هو الاتحاد السوفييتي وبمعنى آخر فان العمل لدعم الاقتصاد البريطاني بالنسبة لتاتشر كان جزءا لا ينفصل عن الصراع ضد الشيوعية. وبشكل يتجاوز في عمقه المضمون العقائدي للحرب الباردة, كان الالتزام الصارم الذي ابدته تاتشر نحو القوة العسكرية البريطانية متجذر في الشكل الذي تكنه عن الهوية القومية وتاريخها الشخصي. إذ كانت سنوات الحرب العالمية الثانية هي الوعاء الذي بدأت فيه تجربتها السياسية بالتشكل, والدرس الذي تعلمه السياسيون حول المهادنة كان متجذرا في اعماقها. اذ ان السياسيين البريطانيين عموما مازالوا يعتبرون ان المهادنة التي اظهرتها بريطانيا لهتلر تجاه توسعه في اوروبا كانت هي المسئولة عن اندلاع الحرب العالمية الثانية. وبعد عام 1945 كانت المعادلة البسيطة التي آمنت بها تاتشر هي ان روسيا السوفييتة تساوي المانيا النازية وانها القوة التوسعية التالية التي يجب الوقوف في وجهها, وبالفعل لم تر تاتشر خلافا بين النازية والشيوعية ودائما ما كان يحلو لها التذكير بأن مصطلح النازية ماهو الا اختصار مشتق من الاشتراكية القومية. المواجهة مع موسكو في عام 1975 الذي اصبحت فيه زعيمة للمحافظين غدت تاتشر ايضا على قناعة راسخة بأن الروس آخذون بسحب البساط من العالم الغربي في كل انحاء العالم من فيتنام حيث كان الامريكيون قد اعترفوا بالهزيمة قبل عام واحد الى انجولا حيث كان الروس يكدسون (الخبراء) الكوبيين دعما للحركات الشيوعية الى البرتغال حيث كان الشيوعيون يحاولون الاستيلاء على السلطة من الثورة الديمقراطية مرورا بإيطاليا التي يلوح فيها خطر دخول الشيوعيين لحكومة البلاد وحتى داخل الحركة النقابية البريطانية وحزب العمال. كل ذلك في مقابل سماح الغرب لنفسه بالحديث المهادن عن التعايش المشترك والحوار وغير ذلك. وكان الغرب حينها يجهز نفسه ايضا لمؤتمر هلسنكي حيث يستعد القادة الغربيون لمنح روسيا كل انواع المساعدة والاعتراف في مقابل الحصول على وعود منها بتحسين اوضاع حقوق الانسان, وهو المؤتمر الذي رأت فيه تاتشر مؤتمر ميونيخ آخر. كما رأت تاتشر في نفسها تشرشل آخر واضح الرؤية مهمته تحذير الغرب من كارثة على وشك ان تصيبه قبل أن يفوت الأوان. لقد طورت رئيسة الوزراء البريطانية لنفسها نسخة متطرفة من مبدأ الدومينو رأت فيها تايلاند وكوريا الجنوبية وفنلندا والنمسا مهيأة للسقوط كلها بعد فيتنام والبرتغال بشكل سيجعل العالم الغربي يختفي من على وجه الخريطة في غضون عقدين أو ثلاثة. في 26 يوليو اي قبل يومين من توجه رئيس الوزراء العمالي ويلسون الى هلسنكي القت خطابا في لندن امام مستمعين من حزبها كان الخطاب قصيرا لكن شديد المباشرة: (في البرتغال خنق الشيوعيون اول ملامح الديمقراطية.. في جنوب شرق اسيا يمثل فقدان فيتنام وكمبوديا انتكاسة كبيرة للعالم الحر.. وفي غضون ذلك فإن اضخم بحرية في العالم وهي ليست البحرية الامريكية أو البريطانية بل الروسية توسع سطوتها باستمرار من البحر المتوسط الى المحيط الهندي. الخلفية العامة التي اصرت على افتراض اختيارها لمؤتمر هلسنكي هي ان الاتحاد السوفييتي ينفق 20 في المئة اكثر من الولايات المتحدة على البحوث العسكرية و60 في المئة اكثر على القوات النووية الاستراتيجية فيما يمتلك السوفييت غواصات نووية أكثر من كل بحريات العالم الاخرى مجتمعة (فهي لا؟ انسان ان يصف هذه الاسلحة بأنها دفاعية؟) ولم تنس تاتشر ان تؤكد في خطابها ذاك الذي اوضح تماما ولأول مرة الصورة الكاملة لسياستها الخارجية إذا ما اصبحت رئيسة للوزراء ان تؤكد الضرورة القصوى لتعزيز القوة العسكرية. واختتمت خطابها بالقول ان قوة الناتو: (اصبحت فعلا في اداء حدودها لهذا دعونا نرفض أي عروض او اقتراحات تزيد في تغيير ميزان القوى في غير صالح الغرب). طوال عام 1967 استمرت تاتشر بإدانة ومهاجمة مؤتمر هلسنكي وفي احدى خطبها قالت زعيمة المعارضة ان روسيا (تحكم من قبل طغاة صبورين وبعيدي النظر يعملون مسرعين على جعل بلدهم القوة البحرية والعسكرية الاضخم في العالم) وهم لا يفعلون ذلك دفاعا عن النفس, اذ ان (بلادا ضخمة ومحاطة باليابسة الى حد كبير مثل روسيا لاحاجة بها لبناء اضخم بحرية في العالم لحماية حدودها). واضافت تاتشر: لا. ان الروس يريدون الهيمنة على العالم ويعملون بسرعة على اكتساب الوسائل اللازمة ليكونوا القوة الامبراطورية الاعظم التي شهدها العالم حتى الآن. وإن الرجال في المكتب السياحي السوفييتي ليس عليهم القلق بشأن المد والجزر في الرأي العام داخل بلادهم. وهم يضعون السلام قبل اي شيء آخر. فهم يعرفون بأنهم قوى عظمى في وجه واحد فقط هو الوجه العسكري. لكنهم فاشلون في المعايير الانسانية والاقتصادية). ليس هذا فحسب بل ان تاتشر مضت لتؤكد أن الانذارات التي اطلقتها للغرب الصيف السابق قد حدثت فعلا. اذ ان الغرب لم يكسب شيئاً ذا اهمية (مقابل مصادقته على الوضع القائم في اوروبا الشرقية. بل على العكس إذ سيطر الشيوعيون علنا على السلطة في البرتغال فيما بدأ الروس عبر الكوبيين بضخ المال والسلاح والرجال الى خطوط القتال في انجولا. في هذا قالت تاتشر: (علينا ان نتذكر بأن هناك قواعد يجب ان تضبط المواجهة التي تجري حاليا. فالروس يلعبون للفوز. وهم يتمتعون بميزة عظيمة علينا وهي ان المعارك الحالية يتم خوضها على أراضينا وليس اراضيهم. السيدة الحديدية مثل هذه العبارات جعلت من تاتشر فورا هدفا للاتهام بأنها تروج للحرب ليس من جانب الاتحاد السوفييتي فحسب بل ومن جانب المسئولين الحكوميين البريطانيين ايضا. عن ذلك يقول وزير الخارجية البريطانية حينها جيم كالاجان: (رغم الاختلاف في العقيدة والفلسفة, آمنت دوماً بضرورة الاحتفاظ بمنهج ثابت في تعاملها مع الاتحاد السوفييتي.. علينا الاستفادة من كل فرصة سانحة للتعبير عن وجهات نظرنا بوضوح لكن دون استخدام عبارات خطابية مهينة أو مستفزة حتى نتمكن من الحصول عى تعاون موسكو في الميادين التي للشرق والغرب فيها مصالح مشتركة). وكان كالاجان ورئيسه ويلسون يفخران بأنهما يستطيعان انجاز العمل مع وزير الخارجية السوفييتي المخضرم اندريه جروميكو وزملائه في الخارجية السوفييتية. بعد مرور بضعة ايام على عبارات تاتشر تلك عبرت صحيفة (النجم الاحمر) الناطقة باسم الجيش الاحمر السوفييتي عن ادانتها لزعيمة المعارضة البريطانية المحافظة ودعتها فيما كان القصد من ورائه اهانة لها بلقب (الامرأة الحديدية) لكن وكما اشارت الامرأة الحديدية لاحقا فإنهم بذلك (قدموا لي اكبر خدمة في حياتي). وسرعان ما عملت تاتشر على اقتناص هذا اللقب لضمان ان يلتصق بها. اذ فيما لو كان هناك اي شك في إمكانية ترأس امرأة للحكومة البريطانية فإن هذا اللقب الروسي كفيل أكثر من أي شيء غيره بإزالته. وبعد بضعة أيام اخذت المرأة الحديدية تتلاعب بلقبها الجديد مستمتعة مستعرضة أنوثتها وشدتها في وقت واحد لتقول امام مستمعيها في أحد التجمعات الحزبية: (أيتها السيدات والسادة, أقف الليلة أمامكم بثوب السهرة الأخضر الذي ترونه, فيما وجهي مزين بخفة وشعري الأشقر الجميل متموج برقة... السيدة الحديدية للعالم الغربي. أنا مقاتلة من الحرب الباردة؟ طيب, نعم, اذا كانوا هكذا يريدون تفسير دفاعي عن القيم والحريات الأساسية التي تقوم عليها حياتنا). ولم يمر شهر على هذه الكلمات الا وكانت شعبيتها قد ارتفعت. وأدركت تاتشر انها على طريق الفوز ولهذا استمرت في هجومها. ليس في بريطانيا فحسب بل أخذت تشن هجومها على الشيوعيين الأوروبيين في ألمانيا وايطاليا وفرنسا. وفي سنواتها التي قضتها زعيمة للمعارضة زارت تاتشر ثلاثة وعشرين بلدا لتتعرف على الزعماء الذين ستتعامل معهم حين تصبح رئيسة للوزراء ومن بين هذه الدول كل شركاء بريطانيا الأوروبيين واثنتين من دول أوروبا الشرقية اللتان كانتا الأقل خضوعا لسيطرة موسكو وهما رومانيا بزعامة تشاوشيسكو ويوغسلافيا تيتو. كما أن خطتها القوية المعادية للسوفييت أكسبتها دعوة لزيارة الصين عام 1977. اضافة الى انها زات مصر وسوريا واسرائيل بداية عام 1976 وفي أواخر ذلك العام قامت بجولة مطولة شملت الهند وباكستان وسنغافورة ثم استراليا ونيوزيلندا. لكنها لم تصل في تلك السنوات لأفريقيا جنوب الصحراء أو أمريكا اللاتينية أو الخليج. وخلال وجودها في اسرائيل زارت تاتشر مستوطنة يهودية. وفي سوريا زارت مخيما للاجئين الفلسطينيين بشكل أثار حفيظة تل أبيب على الرغم من انها كانت تعبر علنا ادانتها لمنظمة التحرير الفلسطينية وعدم قبولها الاعتراف بها. وهذه لم تكن المرة الأولى التي تحاول تاتشر ان تستفيد من الصراع العربي الاسرائيلي لتعزيز شعبيتها في بريطانيا. ففي عام 1973 وحين كانت وزيرة للتربية واجهت تاتشر مصاعب انتخابية في منطقتها مع الناخبين اليهود نتيجة رفض رئيس الوزراء هيث تزويد اسرائيل بالسلاح أو حتى السماح للأمريكيين باستخدام المطارات البريطانية لتزويد اسرائيل بالسلاح خلال حرب 1973. هذا الخلاف جعل من تاتشر حليفة للوزير اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية حينها, كيث جوزيف, وعبّر الاثنان معا على معارضتهما سياسة هيث ووزيره أليك هوم اللذين كانا مصممين على تجنب التعرض لحظر نفطي عربي على بريطانيا وذلك عبر اصرارهما على اخذ جانب الحياد التام. ومن جانبها, أسرعت تاتشر الى جمعية الصداقة الأنجلو اسرائيلية لتطمينهم بأنها تعارض سياسة حكومتها. وتلك كانت اللحظات الأصعب في مجمل علاقتها بناخبيها اليهود. ولم يؤثر ذلك على معركته السياسية ضد المعارضة العمالية داخل منطقتها الانتخابية. إذ قال الناطق باسمها لإحدى الصحف حينها: (أنا لست قلقا من ذلك لأنها تتمتع بعلاقات شخصية كثيرة مع اليهود هنا. هي تذهب الى مناسباتهم وتعرف حاخاماتهم كما ان الكثير من اليهود هم أعضاء ناشطون في جمعيتنا).