بيان (2) : كان فوز الفيلم الصيني (تنهيدة) بخمس جوائز في الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي مصدر دهشة لكثيرين ممن رأوا أن أفلاما أخرى كانت تستحق الفوز أبخستها لجنة التحكيم حقها. يبدو أن لجنة التحكيم كانت واقعة تحت تأثير الشعار الذي رفعه المهرجان في هذه الدورة وهو (الرومانسية) رغم ان اللائحة لم تحدد أي نوعية خاصة من الأفلام فالمجال مفتوح لكل الأنواع بلا تحديد. فاز الفيلم الصيني بالهرم الذهبي وجائزة أفضل فيلم تسلمها مخرجه فانج شياو جانج بنفسه من وزير الثقافة, وجائزة أحسن ممثلة للفنانة شي فان وتسلمتها بنفسها, وجائزة أحسن ممثل, وجائزة احسن سيناريو, كما فازت الطفلة ورشي بشهادة تقدير خاصة من لجنة التحكيم تسلمتها الممثلة (شي فان) التي قامت بدور أمها في الفيلم. خرجت أفلام متميزة بدون أي جائزة من بينها الفيلم البولندي (أبواب أوروبا) والفيلمان الايرانيان: (اسطورة حب) و(بلوغ) والفيلم الايطالي (رياح الرغبة) والفيلم الهولندي (المنعطف).. لم يخل أي فيلم منها من ناحية تميز خاصة كما تمنى كثيرون ان تفوز يسرا بجائزة أحسن ممثلة. ويبدو أيضا ان الفيلم الصيني الذي يعكس التغيرات الجذرية الجديدة في المجتمع الصيني اصبح محل اهتمام مهرجان السينما العالمية. وخاصة تلك الافلام التي تقدم رؤية نقدية لهذا المجتمع, متذرعة بالرمزية احيانا كما في فيلم (بابا) الذي فاز بالفهد الذهبي لمهرجان لوكارنو السينمائى الدولي الأخير (أغسطس 2000) فالأب هو رمز السلطة اجتماعيا وسياسيا وهو الفيلم الأول لمخرج أديب عرف بأنه من الكتاب المتمردين على المؤسسة بكل أشكالها. وفي نفس المهرجان بدورة سابقة فاز فيلم صيني آخر بجائزة لتناوله لموضوع الخيانة الزوجية الذي بدأ موضوعا غريبا عن المجتمع الصـيني المعـروف بأنه مجتمـع تقلـيدي محافظ. المتغيرات التي حدثت في النظام الاقتصادي للصين خلال السنوات العشر الأخيرة, أدت الى ظهور شركات خاصة ورجال أعمال, ونمو طبقة جديدة بل نمو مدن شاهقة لا تقل عن مدن أوروبا وأمريكا, وفي داخل مثل هذا المجتمع تتشابك العلاقات الانسانية والعاطفية. وهذا يفسر ملاحظة لاحد النقاد المصريين في الندوة التي اعقبت عرض الفيلم وحضرها كل من المخرج, والمنتج, والبطلة, ومسئول من ادارة السينما ومترجمة من السفارة الصينية بالقاهرة.. حيث وجد أن الروح القومية مفتقدة في الفيلم.. كل شيء فيه ذو طابع غربي.. لا تبدو الروح القومية الا من خلال تمثال لطرد الأرواح.. فهل هي بداية العولمة وفقدان الهوية في ظلها؟ كانت اجابة المخرج! ان الحياة القديمة في الصين بتقاليدها لم تعد تهم الجمهور الصيني اليوم. ومثل هذه النوعية من الافلام تمثل وجهة نظر غربية لا تريد ان ترى الا كل ماهو تقليدي أو متخلف.. وما أظهرناه في الفيلم هو الحياة الحقيقية في الصين اليوم.. ان مصر دولة قديمة حضاريا.. ولكن حياة المصريين اليوم لا علاقة لها بالماضي.. وجدت ان القاهرة مدينة كبيرة حديثة... مصر اذن ليست بلد الاهرام وأبو الهول. وهذا ما دعا احد الحضور ان يسأل حول علاقة الحب خارج الزواج في المجتمع الصيني.. واتخاذ الزوج ــ وهو في نفس الوقت أب ــ لعشيقة تصغره بكثير.. ومدى سماح المجتمع بهذه العلاقة؟! كانت اجابة المخرج: عند بداية اعدادي لهذا الفيلم بعد ثلاثة أفلام اخرى كانت كلها كوميدية ونجحت تجاريا وضعت امامي اساسين ان يكون فيلما حقيقيا مؤثرا وان يعبر عن المشاعر الداخلية للإنسان. في الصين القديمة كان الاقطاعي عنده زوجات عديدات.. في الصين الجديدة الرجل له زوجة واحدة واليوم اصبح الرجل الناجح اقتصاديا عنده وقت كاف للاستمتاع بحياته, وان يسمح بانطلاق مشاعره, ومن هنا كان الحب بين هذا الرجل الثري وبين الفتاة.. لقد أحبها وفي نفس الوقت ظل يحب زوجته وابنته منها اراد ان يجمع بين الاثنين ولا يريد أن يؤذي مشاعر زوجته التي تزوجها منذ أحدى عشرة سنة وهو كان على مستوى بسيط ماديا.. ثم ازدهرت حالته وفكر وزوجته في الانتقال الى مسكن جديد فخم واحيلكم الى المشهد الاخير في الفيلم حينما جاءت العشيقة الشابة لتهنىء الرجل بعيد ميلاده فتصر الزوجة أن تدعوها لداخل البيت.. وتأخذ تتحدث عن ذكرياتها القديمة زواجها عن حب. في النهاية يبدو ان الزوج.. انتصر ولكني اردت ان يحمل الفيلم مشاعر انسانية حقيقية.. فهو ما زال يحمل مشاعر جميلة نحو صديقته.. المشاعر هي الاساس.. وهذه مواقف انسانية لا تقتصر على مجتمع معين.. بل في كل المجتمعات. اما عن (التنهيدة) عنوان الفيلم فقد قال انها التعبير عن مأزق الانسان عندما يقف امام مشكلة حائرة.. متنفس اطلقه كل من الزوج والزوجة والعشيقة! هذا كله لن يجيب عن السؤال: لماذا فاز الفيلم الصيني تنهيدة بخمس جوائز وحرمت أفلام اخرى متميزة!