بيان (2) : تعتبر ظاهرة الفقر في اليمن من الظواهر المقلقة التي اخذت رقعتها تتسع لتشمل فئات عريضة داخل المجتمع, وتزامن تفاقم الفقر واتساعه مع جملة من التغييرات والتحولات الداخلية والخارجية، التي جعلت من هذه المشكلة تحدياً كبيراً لليمن تعرقل استعداداته لبلوغ استحقاقات الألفية الثالثة التي تتسم بسباق محموم بين مختلف البلدان لكسب رهاناتها. وتقدر نسبة الفقر في اليمن بـ 42% من السكان يصنفون بالعيش دون مستوى خط الفقر, ويعزى ارتفاع نسبة الفقر الى عدد من العوامل على المستوى الداخلي تمثلت منذ بداية التسعينيات بدخول البلاد في مسلسل الازمات السياسية التي انتهت الى تفجر حرب صيف عام 1994 التي اضعفت البنية الهيكلية للاقتصاد اليمني اضافة الى تلك الاختلالات التي كان يعاني منها اصلا, وعلى المستوى الاقليمي كان لحرب الخليج الثانية اثرها البين في عودة اكثر من ثمانمئة الف مغترب انضموا الى قوى العمل في البلاد, ودوليا بدأ العالم يتهيأ لعصر العولمة واشتراطاته في ادماج الاقتصاديات المتخلفة في الاقتصاد العالمي. في خضم هذه التطورات وما تفرضه من تحديات على الاقتصاد اليمني شرع اليمن بتنفيذ برنامج الاصلاحات الاقتصادية والمالية منذ مارس من العام 1995 وفقا لتوجيهات المؤسسات المالية الدولية (البنك وصندوق النقد الدوليين) وهو البرنامج الذي نتج عنه تراجع دور الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلال تبني سياسة تحرير الاقتصاد الوطني والعمل وفق آلية السوق ورفع الدعم عن المواد الاساسية الاستهلاكية التي ارتفعت بشكل أثر سلبا على القدرة الشرائية لمحدودي الدخل ما ادى الى الدفع بالعديد من السكان الى ما دون خط الفقر وعلاوة على ذلك تضاءلت فرص العمل تبعا لتقلص النفقات العمومية التي أملتها اشتراطات تحقيق بلوغ مرحلة التوازنات المالية وفق توجيهات المؤسسات المالية الدولية. ويقول الدكتور عبدالوهاب الأفندي عضو المجلس الاستشاري اليمني وزير التموين والتجارة الاسبق أستاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء: الآثار الاجتماعية كبيرة جدا وتتمثل بمؤشرات مختلفة ابرزها هو مؤشر زيادة نسبة الفقراء الذين يصنفون تحت خط الفقر وطبقا للمعطيات الاحصائية للجهاز المركزي للاحصاء عام 1998 وصلت نسبة من يقعون تحت خط الفقر الى 38% من السكان وهذه احصائيات رسمية وهناك احصائيات غير رسمية تقول ان هذه النسبة أكبر بكثير وأنا أرى ان هذه مشكلة كبيرة لليمن. وسائل للمعالجة وكانت الحكومة اليمنية اتخذت عددا من الاجراءات والتدابير الهادفة الى معالجة هذه الظاهرة منها صدور قانون الرعاية الاجتماعية عام 1996 وانشاء صندوق الرعاية الاجتماعية في العام ذاته, وبدأت الحكومة برصد مساعدات لحوالي 100 ألف من مخصصات هذا الصندوق ابتداء من العام 1997 وارتفع عدد الاسر المستفيدة من هذه المساعدات الى 200 الف حالة عام 1998 والى 350 الف اسرة عام 1999 وسيرتفع هذا العدد الى 500 الف حالة وفقا لمشروع الموازنة العامة للعام ,2001 كما انشىء الصندوق الاجتماعي للتنمية عام 1997 الذي يوجه نشاطه بقطاع الاستثمار في الاشغال العمومية بغية خلق فرص عمل من هذه الاستثمارات. ويعلق الدكتور عبدالوهاب الافندي على هذه الوسائل بقوله: الوسائل التي اتبعت حتى الآن لمواجهة مشكلة الفقر في البلاد جاءت متأخرة اذ بدأ برنامج رفع الدعم وتحرير الأسعار للمواد الاساسية الاستهلاكية ولم يتزامن معه الاصلاح الاداري ووسائل التعويض لمكافحة الفقر. صحيح ان هناك جهودا مبذولة سواء من خلال صندوق الرعاية الاجتماعية أو من خلال صندوق التنمية الاجتماعية أو من خلال شبكة الاشغال العامة. إلا ان هذه الوسائل لا تزال محدودة ونطاق استفادة الناس منها وخاصة الفقراء ما زالت ايضا محدودة والمبلغ الذي يعطى للفقراء في المتوسط هو 1500 ريال للأسرة شهريا وهذا لا يكفي اذا علمنا مثلا ان احتياج الفرد حسب الاحصاءات هو 2067. ويضيف الدكتور الأفندي: هناك أيضا وسائل لم تُفعّل مثل الزكاة ودورها في المجتمع ولو فُعّلت وطُورت آلياتها وإداراتها أعتقد انها يمكن ان تحل لنا مشكلة الفقر في اليمن خاصة بعد قيامي قمت باحصاءات تقديرية للزكاة الواجب جمعها تراوحت ما بين 40 الى 60 مليار ريال يمني ولا يحتاج جمعها سوى لتغيير مؤسسي في آلية جمع الزكاة, آليات تشترك فيها الحكومة وممثلون عن القطاع الخاص وممثلون عن القطاع الخيري وتتولى الاشراف على انفاقها لاشك انها ستؤدي دورا كبيرا في المجتمع لمحاربة الفقر. ويعتقد الدكتور عبدالوهاب الأفندي ان هناك دورا اساسيا تقوم به الجمعيات الخيرية وانها تغطي جزءا مهما من النقص في الجهود الرسمية موضحا ان امكانات محاربة الفقر موجودة لكن تفعيلها وتطويرها لم يتم بعد وما وضع من وسائل حتى الآن غير كافية بشكل عام. وختم الدكتور الأفندي حديثه بتسليط الضوء على حركة المجتمع المدني وما يمكن ان تلعبه من دور في مكافحة هذه الظاهرة وإذا كانت حركة المجتمع المدني في اليمن قد نشطت بشكل ملحوظ خلال التجربة الديمقراطية منذ العام 1990 الا ان هذه الحركة مازالت تعاني من كثير من المعوقات لتفعيل نشاطها. مؤسسات المجتمع المدني وفي هذا الاطار يرى الدكتور محمد علي الحزيزي استاذ الادارة العامة المشارك بقسم العلوم السياسية كلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء ان نشوء مؤسسات المجتمع المدني في ظل الشمولية في شطري اليمن قبل الوحدة وتبعية تلك المؤسسات للدولة واندماجها بها وفقدانها للاستقلال والتمايز عن السلطة كلها اسباب جلبت كثيرا من السلبيات والتشوهات لتلك المؤسسات وهو الأمر الذي استمر بعد الوحدة بدرجة متفاوتة وان هناك صعوبات ومعوقات تواجه هذه المؤسسات منها ما هو متعلق بالبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي لم تألف التعامل مع مؤسسات المجتمع المدني ويرتبط ذلك بالثقافة السياسية السائدة والتسليم بالطوعية والعمل المؤسسي المستقل يتطلب جهودا اعلامية وتربوية كبيرة. كما ان التمويل يعد اهم المعوقات وهناك عجز للحكومة في تقديم معونات مالية كافية لهذه المؤسسات ما يضطرها الى البحث عن مصادر تمويل خارجية, الأمر الذي تترتب عليه بعض المشاكل. وهناك ايضا موقف الدولة ازاء مؤسسات المجتمع المدني الذي يتسم بالتردد أو عدم الثقة فالدولة تسمح قانونيا بالجمعيات والتنظيمات المدنية ربما اعترافا منها بقيمة احياء هذه المؤسسات لكنها في الوقت نفسه تضع من القيود القانونية والادارية ما يجعل لها اليد الطولى في مراقبة هذه الجمعيات والمؤسسات أو حلها أو تحديد مجال حريتها وفي النهاية تتجمع الأسباب التي تؤثر على فاعلية تنظيمات المجتمع المدني وتجعل المشاركة فيها هامشية ومحدودة. فالقاعدة العامة في العلاقة بين الدولة والتنظيمات المدنية هي قاعدة عدم الثقة وفي التحليل الأخير تبقى هذه الجمعيات والتنظيمات في حالة وجودها مجرد منحة من المؤسسة العليا أي الدولة وبالطبع فمن حق المانح منح عطاياه وقت ما يشاء. وهذا يستلزم اعادة النظر في السياسة الحكومية تجاه مؤسسات المجتمع المدني والنظرة الى مؤسسات المجتمع المدني على انها منافس ومزاحم للسلطة ينبغي ان تنتهي وان يتم التأسيس لنظرة جديدة وسياسات جديدة تنمي روح الشراكة بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص. مؤسسة المجتع المدني غياب رؤية ويؤكد الدكتور الحزيزي انه الى جانب هذه الأسباب هناك اسباب اخرى ترتبط بمؤسسات المجتمع المدني ذاتها تتمثل في انعدام وجود رؤية واضحة حول أهداف المؤسسة والشريحة المستهدفة والامكانات المتوفرة وتلك التي يمكن توفيرها. ضعف العمل المؤسسي داخل بعض مؤسسات المجتمع المدني, غياب الشفافية في الجوانب المالية, وضعف الولاء للمؤسسة لحساب جهات اخرى وعدم وجود خبرة في العمل التراكمي في المجال الاجتماعي وضعف التأهيل العلمي. بالنظر الى ما تطرحه اشكالية الفقر من تحديات على المجتمع المدني فإن وسائل معالجته ما زالت أسيرة لجملة من المحددات تتعلق بالوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تتداخل فيما بينها لتعقد ظاهرة الفقر في مجتمع يتهيأ لكسب رهانات العولمة وتحولاتها وقد انعكس ذلك بشكل جلي من خلال الآليات والوسائل التي يمكن تفعيلها ويزيد من ذلك أن التجربة المطبقة حتى الآن في مضمار القضاء على ظاهرة الفقر في اليمن قد طغت عليها الحسابات السياسية والاستقطاب السياسي الذي اقحم قضية معالجة هذه الظاهرة الخطيرة في دائرة الفعل السياسي حتى الآن ما أفرغ الجهود المبذولة من محتواها علاوة على ان شبكة الأمان الاجتماعي تركز على معالجة ظاهرة انتشار الفقر في المدن الحضرية بينما لا يشكلون هذه سوى نسبة 20% من أعداد الفقراء في اليمن. وحسب ما صرح به مؤخراً وزير العمل والتدريب المهني المهندس محمد الطيب من أن 40% من أطفال اليمن لا يلتحقون بالتعليم وأنه بسبب الفقر وانعدام الوعي يدفع اليمنيون سنويا 400 ألف طفل إلى سوق العمل ما يعطي المشكلة أبعاداً مضاعفة في تأثيراتها تمتد لتشمل مختلف مكونات المجتمع بأسره لا سيما مخرجات التعليم التي يراهن عليها مختلف المعنيين بقضايا اليمن كوسيلة للتعايش مع تحديات الألفية الثالثة إلا انه في ظل اتساع رقعة الفقر وانسحاب اثارها على مختلف مناحي الحياة وبالذات العنصر البشري والذي يعول على اعداده لولوج هذه الألفية يبدو الرهان محفوفاً بالكثير من المصاعب التي ستبقى اليمن بعيدا في خطواته عن معمعة التسابق للغايات التي تتطلع إليها مع التحولات المتسارعة ومواجهات تحديات هذه التحولات.