بيان (2) : حول خيارات روسيا بعد عشرة اعوام على تفكك الاتحاد السوفييتي اجرت مراسلة وكالة (وورلد نيوز لينك) في باريس حوارا مع المفكر الروسي المستشار السابق في عهد ميخائيل جورباتشوف الاستاذ الجامعي اندريه ، خراتشف, طرحت عليه خلاله اسئلة عن الطرق التي ينوي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتباعها لاستعادة اعتبار روسيا وعن مجمل حقيقة الاوضاع في روسيا, تحالفاتها ووزنها الاستراتيجي الراهن على الساحة الدولية. ويقول خراتشف: عشرة أعوام مضت على انهيار الاتحاد السوفييتي وخمسة عشر عاماً على بداية البريسترويكا التي أطلقها الرئيس السابق (ميخائيل جورباتشف) والتي أراد من خلالها تطوير النظام وإصلاحه. لكن هذه المسألة كانت بمثابة خطوة انتحارية للدولة, أضافت تحولاً عظيماً في السياسة الدولية. فتفكك الإتحاد السوفييتي كان له نتائج إيجابية من دون أدنى شك, بالنسبة إلى الغرب نظراً إلى اختفاء خطر حرب عالمية ثالثة بين الشرق والغرب, وإعادة توحيد ألمانيا وأوروبا الشرقية والغربية. ونتساءل اليوم أي فترة من تاريخ روسيا الحديث (القرن العشرين) كانت أكثر زعزعة للعالم, أهي الأيام العشرة التي إستغرقتها ثورة أكتوبر؟ أو الخروج من الشيوعية الذي استلزم عشر سنوات؟ ويتابع خراتشف قائلا: الفرحة التي رافقت إصلاحات جورباتشوف, (كون البريسترويكا بدت للمجتمع فرصة لإزالة الحاجز العسكري والنفسي الذي يفصله عن أوروبا وباقي العالم), تلاشت الآن مخلفة مرارة وضياعا. الوضع في روسيا يقدم مشهداً حزيناً, وصورة البلد المحبط التي يعطيها اليوم ليست ناجمة فقط عن الأزمة الإقتصادية ــ الإجتماعية, بل أيضاً عن أزمة هوية. فروسيا هي عبارة عن ساحة دمار سياسي, يرى المجتمع أنه لم يقع فقط ضحية خيانة رؤسائه وقادته وإنما أيضاً ضحية الغرب الذي توجه نحوه. الأزمات التي يعيشها الروس أوصلتهم الى حال من اليأس والضياع وفقدان مرجعياتهم .ويقول خراتشف: هناك خيبة من الوضع الذي آلت اليه الحياة اليومية بالنسبة إلى ملايين من السكان (أربعة ملايين روسي يعيشون تحت خط الفقر), ومن المنحى الذي اتخذته الديمقراطية واقتصاد السوق الذي طالما قدم لهم على أنه العلاج السحري القادر على حل مشكلاتهم كلها. وهذه بعض أسباب الحذر الذي يبديه المجتمع اليوم حيال قيم الديمقراطية, والقيم الأخلاقية الغربية التي كان مستعداً لاعتبارها قيما عالمية شاملة. في مقابل ذلك, تبقى روسيا التي لم تعد تشكل تهديداً نووياً أو قوة عسكرية متفوقة, مصدر قلق بالنسبة إلى الغرب. ويعلل المفكر الروسي ذلك بالأسباب الآتية :روسيا ما بعد الشيوعية البلد الذي اختفى من على شاشة رادار الصحافة والسياسة العالمية, هو كطائرة فقدت السيطرة, وهذا ما يبرر الحيرة والقلق. مع ذلك لا يمكن تجاهلها لأنها ما زالت ترمي بثقلها في السياسة العالمية حتى لو انها لم تعد مصدر تهديد نووي أو ذات وزن إقتصادي. وأسباب قلق الدول الغربية واضحة من أهمها : أولاً الغموض وعدم الوضوح حيال مستقبل روسيا. طبعا اختفت الشكوك حول قدرة هذا البلد على إرسال دباباته إلى المانش كما كانت الحال مع الاتحاد السوفييتي..لكن ما يجب التنبه اليه هو أن روسيا يمكن أن تتحول الى مصدر توسع الرأسمال المافيوي وممارسات الرأسمالية المتوحشة التي تمت السيطرة عليها في الغرب منذ أكثر من قرن, كما أنها قد تصبح مصدر عدم استقرار استراتيجي على طول خط التماس بين الغرب والعالم الإسلامي والصين. يضاف إلى ذلك تطور السياسة الداخلية التي تأحذ منعطفاً يدعو الى القلق. فنظام الرئيس بوتين تحت غطاء شعارات مزدوجة مثل (ديكتاتورية القانون), أو (الديمقراطية الموجهة), يسير بوضوح في اتجاه نظام استبدادي يرتدي لوناً وطنيا وليس قوميا. فهو لم يقدم برنامجاً إنتخابياً لكنه اختار هدفا أساسيا لولاياته, إعادة بناء دولة قوية. ويـبدو أنه يستوحي لتحقيق هذا الهدف ممارسات الدولة السوفييتية الى جانب أفكار سولجنستين لطمأنة الطبقة السياسية ورجال الأعمال ولا سيما منهم الغربيون الذين يطالبونه بإعلان وفائه لمبادئ السوق الحرة. ويصعب علينا تخيله يحول روسيا الى بلد حديث وهو يستوحي أفكار بينوشيه. فإذا كانت روسيا تطمح تحت قيادتة إلى استعادة دورها قوة عظمى مستوحية ماضيها فذلك سيقودها حتماً الى إعادة ركيزتين من الركائز التي استند اليها النظام السابق وأدت الى كارثة وطنية وهما: البيروقراطية والمشروع الصناعي ـ العسكري. الحاجز النفسي ويرى (خراتشف) أن العلاقات مع الغرب لا توحي بالانسجام الذي حلم به الجميع بعد سقوط جدار برلين ويقول: الفتور الذي يسيطر على هذه العلاقات مع الغرب يشكل حاجزاً نفسياً . فروسيا التي قدمت نفسها شريكا استراتيجيا للغرب تبحث الآن عن حلفاء استراتيجيين ضده, وهي تفعل ذلك في الصين والهند ومجدداً في العالم العربي, مع أنها في الوقت نفسه, تقدم نفسها درعا تحمي المسيحية من الاسلام في الغرب, من خلال حربها في الشيشان وفي آسيا الوسطى. وفي الجهة المقابلة نجد أحد المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة يلوح بطرد روسيا من مجموعة الدول الصناعية السبع, وذلك بعد مضي عام واحد على قبول عضويتها. ويضيف أندريه خراتشف: العالم ليس أكثر هدوءاً أو استقراراً من قبل بعد زوال الحرب الباردة, واختفاء الإتحاد السوفييتي فقد حلت فوضى الحروب والنـزاعات الدينية والعرقية مكان الاستقرار المصطنع الذي كان يتفق عليه العملاقان السابقان, مما يهدد بعودة ظهور مفاهيم ونزاعات القرن التاسع عشر وربما القرن الثامن عشر في القرن الحادي والعشرين, هذا من جهة, ومن جهة أخرى محاولات غير جيدة من جانب القوة العظمى الوحيدة المتبقية التي هي الولايات المتحدة, لإدارة حال عدم الاستقرار الجديد وتولي مهمة الأمم المتحدة قد يتساءل البعض هنا كيف إستطاعت دول أوربا الشرقية تحقيق النقلة ومعظم دولها يطرق باب الإتحاد الأوروبي في حين فشلت روسيا بذلك؟ المفكر خراتشف يفسر ذلك قائلا: إن ما شكّل بالنسبة إلى أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين عودة الى ما ألفته من قبل, كان فعلا عفويا غير إرادي على الصعيدين السياسي والاقتصادي, لمجتمع اوروبي كان تاريخيا بمثابة اكتشاف عالم جديد بالنسبة إلى الروس. عامل آخر تسبب بشعور الحرمان الوطني والشعور بالضياع الذي يعانيه المجتمع الروسي, هو فقدان الامبراطورية والهوية الوطنية. ويفسر أندريه خراتشف ذلك بقوله: ليس فقدان الشعور بالانتماء الى قوة عظمى بل أيضاً فقدان الأمة الامبراطورية مع كل ما يتبعها من خصائص كالعالمية وهو شعور لازم الروس منذ القرن الثالث عشر. فمع انهيار الاتحاد السوفييتي توجب على روسيا إخلاء مناطق نفوذها في اوروبا الشرقية والتضحية بمناطق شاسعة من روسيا الكبرى التاريخية. بدءاً من دول البلطيق, مروراً بأوكرانيا حتى القوقاز وآسيا الوسطى. واكتشف نحو خمسة عشر مليون روسي أنهم أصبحوا أقليات تخضع للتمييز في تلك المناطق, ليصبحوا أقليات مضطهدة ويكتشفوا بالنتيجة الخصائص الإثنية العرقية للأمة. إضافة الى صعود ظاهرة طبيعية في كل أمة مهددة هي ظاهرة القومية. تعقيدات العملية ويضيف: الغرب في رأيي, لم يأخذ في الاعتبار كل تعقيدات هذه العملية. فهو من جهة قدم للنخبة الجديدة في روسيا , بدلا من دروس تاريخ الحزب الشيوعي التي كتبها ستالين, دروس الرأسمالية التي ألفها تلامذة شيكاغو, انطلاقاً من تحليل بسيط وهو أن إبعاد روسيا مابعد الشيوعية عن الدولة السوفييتية سيقربها حتماً من الديمقراطية على الطريقة الغربية. ومن أخطر نتائج هذه العملية كان تحطيم الدولة وإنتشار الفوضى التي يحاول بوتين السيطرة عليها الآن مستعيناً بردات فعله كعنصر سابق في (الكي. جي. بي), أما النتيجة السياسية العالمية في علاقتها مع الغرب فكانت الآتية: روسيا التي اندفعت في بداية القرن بكل إيمان في المشروع الشيوعي (....), إندفعت بالإيمان نفسه في ميتولوجيا الاقتصاد الحر. معتقدة أن نسخ الأطر والهياكل المؤسساتية والدستورية على الطريقة الغربية, وإتباع نصائح مستشاري صندوق النقد الدولي, سيؤديان إلى إعجوبة اقتصادية وهذه المرة أعجوبة رأسمالية . وكوننا نبحث عن مسئول كما يحصل في معظم الحالات فإن الغالبية في روسيا تتهم الغرب بأنه المسئول. الغرب الذي يواصل مؤامراته ضدها منذ قرن, وهذا اقتناع تغذى به التيار السلافي في القرن التاسع عشر. هذه أيضاً عقدة بلد يتخبط بين طموح اللحاق بالغرب في تطوره الإقتصادي والسياسي والديمقراطي من جهة, وعقدة التفوق التي كانت وراء أفكار كثيرة كالتفوق الارثوذكسي السلافي والبلشفي, من جهة أخرى . المشروع الشيوعي كان يقدم وعوداً لروسيا باختصار الزمن وبوضعها في مقدم التقدم والتطور العالمي. الآن الأعجوبة الجديدة التي كان من المتوجب أن تحدث عبر تبني الايمان الليبرالي الجديد لم تحصل فهذا يجلب المرارة وخيبة الأمل والعدوانية, لتغذي مرة أخرى التيارات القومية المعادية للغرب. ويتابع المفكر الروسي: التفسير الثاني لهذه الظاهرة والتي هي مبعث للقلق في رأيي, يتمثل في اقتناع الروس بأن بلادهم لديها اكتفاء ذاتي نظراً إلى مساحتها الشاسعة وثرواتها الطبيعية وهي تالياً ليست في حاجة الى الخارج بل على العالم أن يسعى وراءها لطلب خدماتها. الغرب في رأيه, ساهم في عودة ظهور هذه العقد (الشيطانية) من خلال توسيع حلف الأطلسي نحو دول أوروبا الشرقية بلا مبرر استراتيجي ظاهر, وذلك تحديداً في الوقت الذي لم تعد تشكل فيه روسيا خطراً على الغرب, أي في الوقت الذي انفتحت فيه على الخارج وقدمت نفسها شريكا مستعدا للتعاون مع الغرب واتخذت قرار الحد من التسلح من جانب واحد. الجنرالات الروس يرون في اقتراب حدود حلف الأطلسي من روسيا خطرا عسكريا. لكن الأمر الأكثر تعقيداً هو تجسيد عجز روسيا علناً. لأن رأيها لم يعد يؤخذ به, والغرب يتصرف من جهة واحدة كما لو أن هذا البلد لم يعد موجودا. كما حدث يوم تدخل الحلف الأطلسي في يوغوسلافيا السابقة وتحديدا في كوسوفو. الايمان بالغرب وبين التصرفات التي يخشى أن يقدم عليها المجتمع الروسي ولا سيما منه الطبقة المثقفة, التخلي عن (الإيمان بالغرب) على حد تعبيره. ويفسر ذلك بقوله: أخشى أن تقوم النخبة المفكرة لأول مرة منذ قرون وليس فقط النخبة السياسية (...), بل النخبة المفكرة (الأنتليجنسيا), أن تفقد ثقتها بالغرب, وقد بدأت تعطي بعض المؤشرات على ذلك. فالغرب شكل دوما المرجعية بالنسبة إلى هذه الطبقة وجزءاً من تحديد هويتها.. كموالية له. والتتمة المنطقية تأتي على يد القوميين الروس, والجنرالات وهم الأكثر إبتهاجاً. الدرس الذي اعتبره كثير من الروس هو: في هذا القرن, يجب أن تكون قويا وقادرا على تهديد الآخرين لتفرض عليهم احترامك. ثلثا المواطنين إختاروا بوتين ليس لبرنامجه لأنه لم يقدم برنامجا, بل للصورة التي أعطاها رجل عمل قوي ورجل نظام. بمعنى أنه جسد الصفات التي ينتظرها المجتمع الذي سئم الفساد في رأس السلطة والفوضى في الطرقات, ويريد إعادة تقويم الدولة واستعادة روسيا مكانتها المحترمة في العالم. يبقى كيف يسعى وبأي طريقة؟ هل يستعير الطرق القديمة الخاصة بروسيا القيصرية والاتحاد السوفييتي؟ أم يعتمد طرقا حديثة خاصة بهذا القرن الذي انطلق؟ التفكير مؤلم, لكن هناك بعضا من الأمل.