بيان (2) : الناس في الخرطوم ملتقى النيلين... الأزرق والأبيض يبحثون في ليلهم عن نسمة هواء خاصة في الصيف فلا يجدون مكاناً أرحب ولا أحلى من شارع النيل... ولكن هذا الشارع رغم سحره وحركته المستمرة، لا يوجد فيه (كورنيش) كما هو موجود في القاهرة مثلاً حيث يلجأ اليه الناس... ولاية الخرطوم قبل سنوات خصصت موقع الكورنيش لأصحاب مطاعم الوجبات السريعة والمقاهي والمرطبات (الكافتيريات) لكنها اصبحت مرتعاً خصباً للقاء الأثرياء وأصحاب الأموال بينما حرم منها الفقراء والباحثون عن نسمة هواء... هنا التقينا ببعض الذين يأتون لشارع النيل, ترى ماذا قالوا وما هي امنياتهم؟ النيل ملك للجميع ولا يمكن لأحد ان يحدده ويخصصه لطبقة محدودة من الناس, هم يستطيعون الذهاب الى نهر الراين ان أرادوا أو يغتسلوا في نهر بردى إن كانت لهم رغبة ولكن نحن ليس لنا سوى هذا النيل العظيم واننا به راضون ونحس كلما نظرنا اليه ان الله فضلنا على كثير من غيرنا, ولكنهم الآن بدأوا يستولون عليه شيئا فشيئا, كنا في السابق عندما نقطع المسافة بين الخرطوم وأم درمان بمحاذاة النيل نغسل خلالها تعب يوم طويل بمنظر ورائحة النيل, لكن الأمر اختلف تماما إذ لم نعد نراه الا خلسة لأنه توارى خلف عدد كبير من الكافتيريات ولم نعد نتنسم رائحته لأنها ضاعت مع رائحة الشواء التي باتت تغطي المكان. يقول محدثنا: ابعدونا الى حيث لا نيل نرى, كنت في السابق كثيرا ما أحضر الى هذا المكان رغم انني اسكن بعيدا عنه ولكن وجودي هنا كان لا يقل عن ثلاث أو أربع مرات اسبوعيا, الآن قلصتها كثيرا فقد تكون آخر مرة زرت فيها هذا المكان قبل ثلاثة أو ما يزيد عليها من الشهور, حتى قصائدي وقصصي التي اكتبها لم يعد النيل واحدا من عناصرها وأحيلك الى دفاتري الأخيرة فلن تجد له سيرة رغم انه في زمان سابق لم تخل قصيدة أو قصة الا وكان النيل عنصرا فيها, آه لعلنا نسيناه! هل تصدق ان نكون قد نسينا النيل نحن ابناؤه كم مضقنا, أكلنا من أعشابه وكم ارتبطت حياتنا به, واستمر غزال الطيب الشريف أحد مؤسسي فرقة تيراب المسرحية متحدثا ليقول هل سيكون النيل الذي ارسى دعائم هذه الأمة واحدا من اسباب تفتيتها لا استبعد (مالك يا أخي عاوز تقلب علينا المواجع). كانت تراقب الحوار الذي دار بيننا وغزال الشريف لمحت في عينيها بريقا اقترب منها لم تنتظر دلفت الى الحديث معنا لتقول (المشكلة, ليست في وجود الكافتيريات أو عدم وجود كورنيش, المشكلة يا أخي في طريقة التفكير, نحن عادة ما نقف ونبكي على الماضي عندما ذهب الاستعمار قلنا الاستعمار افضل وعبود بالنسبة لنا افضل من غيره وغيره افضل من المهدي والمهدي افضل من البشير, ونحن فقط نعود الى الماضي بحنين جارف حتى وإن كان ذاك الزمان أمرا سيئا, الكل يتذكر كيف كان الشاطىء قبل انشاء هذه الكافتيريات كانت تحفه اشجار (العشر) وغيرها من الأشجار الظليلة, أما الآن فقد تم تنظيمه وتجميله بشكل جيد وها انتم تتحدثون عن اختلاس النيل لصالح الاغنياء, كل ما هناك ان الشعب السوداني (لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب). سألتها هل انت من رواد هذه الكافتيريات وما اسمك وأين تعملين؟ أجابت: أولا انا طالبة في جامعة السودان ادرس في كلية الاعلام, أتيت من اقاصي غرب السودان من منطقة تدعى رهيد البردي تقع في ولاية غرب دارفور, اسمي سلوى ابراهيم ادريس. تسألني إن كنت من رواد هذه الكافتيريات, أعتقد انك عرفت الاجابة اذ لا تستطيع طالبة مثلي ان تدفع ثمنا لكوب عصير قيمته ألفا جنيه ونصف (أي دولار) مع ان الكوب خارج هذه الكافتيريات ثمنه خمسمئة جنيه فقط, ولكن انظر الى هذا المكان بمنظره الجميل الذي اعطى بريقا لشارع النيل مما جعله يضاهي أكثر المدن جمالا. الأسعار والخدمات الصديق عبدالله أحمد من هيئته يبدو انه مالك او مشارك في هذه الكافتيريا جلست الى جواره وبادرته بسؤال عن الاسعار مقارنة بغيرها في المحلات الاخرى بعيدا عن النيل, فرد قائلا: أولا الاسعار لا علاقة لها بالنيل, لأن النيل لا يدخل ضمن التكاليف ونحن نقدم اسعارنا وفقا للخدمات التي نقدمها والجودة التي نعتني بها كثيرا, لهذا فإن اسعارنا مرتفعة بعض الشيء عن الكثير من المحلات البعيدة عن النيل, ولكن أوكد لك ان هناك اسعارا لمحلات بعيدة عن النيل أكثر بكثير مقارنة بما نقدمه من خدمات فخذ مثلا (...) فإن أسعاره تفوق الأسعار التي تقدم هنا وعليه فالأمر يتعلق بمكانة المحل, فنحن مصنفون كأماكن سياحية لهذا تفرض علينا ضرائب باهظة جدا ومع هذا فأسعارنا (معقولة) أما عن اننا حجبنا النيل عن المواطنين فهذا حديث مجاف للحقيقة لأن النيل يخترق مدينة الخرطوم الكبرى من كل الاتجاهات ويمكن لأي شخص ان يتحرك داخل العاصمة ان يرى النيل من أكثر من أربع أو خمس مرات خلال حركته تلك وعبر عدد من المواقع ويمكن لسلطات الولاية إنشاء (كورنيش) في أكثر من موقع, فمثلا خذ المنطقة الواقعة بين فندق هيلتون مروراً بغابة الخرطوم حتى تصل إلى أطراف العاصمة الجنوبية وهذا موقع ممتاز جدا لإقامة (كورنيش) وهناك الامتداد المحازي لأحياء يرى أن تصل لمنطقة الجريفات, وهذه أيضا يمكن ان تكون موقعاً ممتازاً للكورنيش. سألته عن نوع الزبائن الذين يترددون على المحل, فرد قائلاً: طبعا أنت متخيل انهم من أصحاب الأموال, أبداً, والله أغلبهم من متوسطي الحال (موظفين, طلاب, شباب). ونحن نعتمد في الأساس على بعض الحفلات التي تقام في المحل أو خارجه لأن الخدمة المباشرة إذا ما قورنت بالمصروفات فهي غير مجدية لهذا لا تجدنا نعتمد عليها كثيرا, وان كنا نقدمها لأننا ملزمون بها لعدة أسباب, أولها ان المحل لا يكتسب اسمه إلا من خلالها, ثانيا الترخيص الممنوح لنا هو كافتيريا لهذا لابد من ان نعمل من خلاله ونحن لا نمنع أحداً من الجلوس ليرى النيل من داخل الكافتيريا, فكثير من الناس يأتون ويجلسون لأكثر من أربع أو خمس ساعات ولا يطلب شيئا سوى كوب من القهوة لا يزيد سعره على الألف وخمسمئة جنيه فقط. وأنا خارج من الكافتيريا وجدت شابا يبلغ من العمر حوالي الثلاثين عاما يترجل عن سيارته استوقفته وسألته ان كان يرى ضرورة لاستبدال الكافتيريات بكورنيش, فقال: والله أنا لا أرى ضرورة لذلك لأن الكافتيريات تعطي خصوصية في الجلوس على عكس الكورنيش ونحن نستغلها الآن في أعمالنا فأنا الآن سألتقي هنا بوفد من احدى الشركات العربية القادمة للاستثمار في الخرطوم حتى أتعرف على نشاطهم, ويتعرفون كذلك على نشاطنا, وقد نعقد اتفاقا لانشاء شركة بيننا فكيف يكون ذلك إذا كان هذا المكان مجرد كورنيش, أيضا هذه المنطقة تقع وسط الخرطوم وعلى شارع رئيسي أو قل أهم شارع في الخرطوم لهذا لا يمكن ان تكون (كورنيش). * العميد يوسف عبدالفتاح محمود وزير الشباب والرياضة نائب والي الخرطوم الأسبق وصاحب فكرة انشاء هذه الكافتيريات التقيناه فقال: أولا اتهامنا بأننا خصصنا للأغنياء دون الفقراء غير صحيح لأن هناك مناطق في النيل الآن متاحة للجميع وليس عليها كافتيريات ونحن راعينا ذلك لهذا كان توزيع الكافتيريات بالشكل الموجود حاليا ونحن نعتبر هذه المنطقة من مناطق الخرطوم ذات الطبيعة الأثرية لأن هذه المنطقة في قديم الزمان كانت محطة للسفن ولعل الأغنية الشهيرة من (الأسكلا وحلا) كانت تشير إلى هذه المنطقة, أما إقامة (كورنيش) هنا فأعتقد ان هناك دراسات لأضرار المشروع وأتمنى ان تدخل حيز التنفيذ قريباً.