بيان (2): قال نيكولاس باصرار رجل بارع وماهر في التكتيك لا يريد تغيير موضوع محبب له: ــ (قلتم انه ليس بالامكان وجود ضفدع في الخبز والحليب الذي يخصّني..!). وهكذا كان من المزمع اخذ ابن عمه وبنت عمه واخيه الصغير الى شواطىء جاكبورو في تلك الظهيرة وعليه ان يمكث في البيت, فقالت عمته التي أصرت, وبخيال واسع خاطىء مسمية نفسها عمته هو أيضاً, واخترعت بسرعة رحلة جاكبورو لأجل ان ترسخ في مخيلته المسّرات التي يستحق ان يحرم منها نتيجة سلوكه الشائن حول مائدة الافطار.. فقد كانت عادتها, كلما يسيء اي من الاطفال التصرف ويقول شيئاً ما ذا طبيعة تبعث على المرح لا يقصد منه الاساءة القاسية. واذا ما اقترف كل الاطفال ذنباً على نحو جماعي, تخبرهم بشكل مفاجىء بوجود سيرك في المدينة المجاورة, سيرك لا يضاهيه سيرك اخر أفياله لا تحصى ولكن من اجل حرمانهم فلن يؤخذوا الى هناك في ذلك اليوم.. كان المتوقع ان ترى دموع نيكولاس الذليلة عند اقتراب لحظة الشروع بالرحلة, ومع ذلك كانت ابنة عمه, والحق يقال, هي التي تبكي حيث اصطدمت ركبتها بدكّة العربة بينما كانت تهم بالصعود اليها. قال نيكولاس بابتهاج, بينما راح الجمع يبتعد من غير ادنى انطباع يوحي بارتفاع المعنويات: ــ (كيف صرخت..؟). فقالت العمة المزعومة: ــ (ستتغلب على ذلك فوراً.. ستكون ظهيرة رائعة للتباري والجري حول تلك الرمال الجميلة.. كم سيمتعون انفسهم..!) فقال نيكولاس بابتسامة استهزاء: ــ (بوبي لن يمتّع نفسه كثيراً, لن يتسابق كثيراً ايضاً, فحذاؤه سيؤلمه لأنه جدّ ضيّق..) فقالت العمة بشيء من الخشونة: ــ (لِمَ لمْ يخبرني بأنه يؤلمه..؟) ــ (قال لك ذلك مرتين, لكنك لم تصغي, انك لا تصغين دائماً عندما نخبرك بأشياء مهمة..) فقالت العمة مغيرة الموضوع: ــ (عليك الا تذهب الى حديقة التوت..) فتساءل نيكولاس: ــ لِمَ لا.. ؟!) ــ (لانك مذنب..) لكن نيكولاس لم يتقبل سذاجة التبرير, فقد احسّ بأنه قادر على ان يكون مذنباً وقادر على ان يكون في حديقة التوت في اللحظة نفسها. فلقد لاحت على وجهه سيماء العناد الواضح, وكان جلياً لعمته انه مصمم على الذهاب الى حديقة التوت كما اشارت (عليه ان يذهب, لمجرد اني قلت له ذلك). لحديقة التوت بابان يمكن الدخول من خلالهما. واذا استطاع شخص صغير, مثل نيكولاس, ان ينسل الى هناك فبمقدوره التواري عن الانظار وسط الاشجار, وسيقان التوت, وشجيرات الفواكه. كانت عند العمة اشياء اخرى كثيرة تريد انجازها في تلك الظهيرة, لكنها امضت ساعة او ساعتين في عمليات بستنة بسيطة بين مكان زراعة زهور الزينة والشجيرات حيث بوسعها ان تراقب من هناك البابين اللذين يقودان الى الجنة المحرمة. كانت امرأة فقيرة الافكار ولكن قابليتها على التركيز هائلة.. خرج نيكولاس يستطلع الحديقة الامامية مرة او مرتين, متلفتاً في طريقه نحوها. كان واضحاً عليه انه يتحسس طريقه بسرية وهدوء نحو احد الابواب لكنه لم يفلح ولو للحظة ان يفلت من العين المترقبة لعمته. لم يكن في نيته, في الحقيقة, ان يجرب دخول حديقة التوت, ولكن كان من المناسب له جدا ان يجعل عمته تعتقد ذلك, مما يجعلها ذلك الاعتقاد بواجب ذاتي لحراسة الباب في الجزء الاعظم من تلك الظهيرة. وحالما اثار نيكولاس وعزّز الشكوك بذلك. في رأس عمته, انسل راجعاً نحو البيت واضعاً بسرعة ــ خطة العمل التي طالما نمت بذرتها في دماغه قيد التنفيذ. بوسع المرء ان يرى الرف الذي وضع عليه مفتاحا سميكا يبدو مهماً عند الوقوف على كرسي. حقاً كان المفتاح مهما كما يبدو, فقد كان الاداة التي جعلت الغاز المخزن في منأى من الدخول غير المسموح به, والاداة التي فتحت الطريق للعمة وماشابهها من الاشخاص الكبار... لم تكن لدى نيكولاس الخبرة الكافية في فن تنسيب المفاتيح على فتحاتها وادارة الاقفال, لكن نيكولاس كان قد تمرن, ولعدة ايام مضت, على مفتاح باب قاعة المدرسة فلم يكن يثق كثيراً بالحظ والمصادفة. ادير المفتاح بصعوبة في القفل لكنه فتح, فتحت الباب. كان نيكولاس في ارض مجهولة مقارنة بالسرور الرتيب لحديقة التوت, كانت متعة مادية حسب... صوّر نيكولاس لنفسه, مراراً وتكراراً, ما يمكن ان يشابهه المخزن ذاك ــ المنطقة التي اقفلت بعناية بالغة عن عيون الصغار, والتي لا تجاب الاسئلة بشأنها. شمخت بتوقعاته, في البدء انها كبيرة باهتة الضوء, نافذة عالية تطل على الحديقة المحرمة, وبهذا تكون هذه النافذة مصدر انارة الحديقة الوحيد. ثانياً, لقد كانت مخزنا للكنوز لا يمكن تصورها. كانت عمتهم المفروضة عليهم احد اولئك الناس الذين يعتقدون ان الاشياء تبلى بالاستعمال فتسلمها للغبار والرطوبة بطريقة حفظها تلك.. كما كان نيكولاس يعرف ان مثل هذه الاجزاء من البيت تكون فارغة وغير مسرة للنظر الى حد ما. ولكن هناك اشياء عجيبة تكتشفها العين, قبل كل شيء كانت هناك قطعة سجاد مؤطرة, ربما كانت صورة موقد نار على الاغلب. كانت بالنسبة لنيكولاس قصة مفعمة بالحياة, فجلس على طوية سجاد هندي يشع بألوان عجيبة تحت طبقة من التراب, اخذ يتفحص كل تفاصيل صورة السجادة المعلقة: رجل يرتدي بذلة صيد ترجع الى فترة بعيدة, وقد اصاب للتو وعلاً بسهمه, لم تكن رمية صعبة لان الغزال كان على مبعدة خطوة او خطوتين من الرجل فقط, ومن خلال الاعشاب المنتشرة بكثافة. توحي الصورة انه لربما لم يكن الزحف صعباً نحو الوعل الذي كان يرعى.. اما الكلبان المرقطان فقد كانا يقفزان الى الامام لكي يشتركا في المطاردة. وعلى ما يبدو انهما قد دربا على المطاردة حتى ينطلق السهم, كان ذلك الجزء من الصورة بسيطاً ولو كان ممتعاً, ولكن هل رأى الصياد ما رآه نيكولاس..؟ تلك الذئاب الاربعة المبتعدة كانت قادمة صوبه عن طريق الغابة. لربما كان هناك اكثر من اربعة مختبئة خلف الاشجار. على اية حال, هل بمقدور الرجل وكلابه الصمود بوجه الذئاب الاربعة اذا ما هاجمته..؟ كان قد بقي عند الرجل سهمان فقط في جعبته, وقد يخطىء بواحد منهما او بكليهما, وكل الذي عرفه المرء بشأنه, مهارته في التصويب, فبامكانه اصابة غزال كبير على بعد مدى قصير بشكل يثير الضحك. جلس نيكولاس بضع دقائق ثمينة مفكراً بجل الاحتمالات التي حفل بها المشهد. كان ميالاً الى الاعتقاد بأن ثمة اكثر من اربعة ذئاب وان الرجل وكلابه كانوا في موقف محرج.. ولكن كانت هناك اشياء أخرى تستدعي انتباهه السريع: اعمدة شموع حلزونية جذّابة على شكل افاع وابريق شاي مصمم على شكل بطة من الصيني ومن خلال منقارها المفتوح يخرج الشاي. لكم يبدو ابريق الشاي في الروضة مملا وعديم الشكل مقارنة به..! وكان ثمة صندوق منحوت من خشب الصندل معبأ بقوة بنسيج قطني عبق الرائحة, وبين طبقات النسيج القطني اشكال برونزية صغيرة, وثيران مقوسة الاعناق وطواويس وعفاريت كلها تبعث على السرور حين النظر اليها ولمسها. وهناك كتاب مربع كبير لا يوحي شكله بالاهمية, اسود الغلاف. استرق نيكولاس النظر اليه ثم تمعن فيه. كان مليئاً بصور طيور ملونة, مثل تلك التي صادف بعضاً منها في الحديقة وفي الازقّة عندما ذهب في جولة, واكبر ما فيها العقعق او حمام الغابة. وهنا مالك الحزين والحباري والصقور وطيور الطوقان وطيور الواق والديكة الرومية وطيور ابي منجل وطيور التدرج الذهبية.. معرض كامل لصور مخلوقات لا يحلم بها, بينما كان يعجب بألوان البطة الجميلة الملونة الريش مانحاً اياها تأريخ حياتها. وجاء صوت عمته بنغمة حادة غاضبة وهي تنادي اسمه من حديقة التوت, فقد ازدادت ريبة حيال غيابه الطويل, واستنتجت انه قد تسلق الجدار خلف شجيرات الليلك, فهي منشغلة الان بالبحث عنه بجد ولكن بيأس بين الاشجار وسيقان الفراولة وصرخت: ــ (نيكولاس.. نيكولاس عليك ان تأتي من هناك فوراً, لا فائدة من محاولتك الاختباء هناك, فبمقدوري ان اراك في كل لحظة).. لربما كانت المرة الاولى, منذ عشرين سنة, التي ابتسم فيها احد في المخزن.. ثم تحول الان تكرار الاسم (نيكولاس) الى صرخة, صرخة الى شخص ما لكي يأتي بسرعة. اغلق نيكولاس الكتاب وارجعه بعناية الى مكانه في الزاوية والقى عليه قليلاً من التراب الذي كان يغطي كدساً من الصحف في الجوار ــ ثم زحف خارجاً من الغرفة, واغلق الباب. اعاد المفتاح الى المكان الذي وجده فيه تماماً. كانت عمته ماتزال تنادي اسمه حينما راح يمشي ببطء داخلاً باب الحديقة الامامي, فقال: ــ (من يناديني..؟) فجاء الجواب من الجانب المقابل للجدار: ــ (انا.. الا تسمعني..؟ كنت ابحث عنك في حديقة التوت وقد انزلقت في خزان ماء المطر, ولحسن الحظ لم يكن فيه ماء, ولكن الجوانب تنزلق ولا استطيع الخروج, اجلب السلم الصغير تحت شجرة الكرز ــ) فقال نيكولاس على الفور: ــ (لقد امرت الا ادخل الى حديقة التوت..) فجاء الصوت من داخل خزان ماء المطر, نافد الصبر الى حد ما: ــ (لقد امرتك الا تدخل, والان آمرك انه بمقدورك ذلك..) فاعترض نيكولاس قائلاً: ــ (ان صوتك لا يشبه صوت عمتي, ربما انت شيطانة تغويني لان اكون عاصياً. عمتي تقول ان الشيطانة تغريني دائماً وانا اطيعها دائماً..) فقالت (الحبيسة) في الخزان: ــ (لا تتحدث هراء).. اذهب واجلب السلم: فسألها نيكولاس ببراءة: ــ (هل سيكون هناك مربى توت مع الشاي..؟) فقالت العمة وهي تهمس مع نفسها انه لن يكون لنيكولاس اية حصة منه: ــ (بالتأكيد..!) فصاح نيكولاس بفرح: ــ (لقد عرفت الان انك الشيطانة وليست عمتي, فعندما نطلب من عمتي مربى التوت فهي تقول ليس ثمة مربى. انا اعرف ان هناك اربع جرات منه في خزانة المخزن لانني رأيتها, وانت تعرفين انها هناك, ولكن عمتي لا تدري, لانها قالت ليس هناك مربى.. يالك من شيطانة..! لقد فضحت نفسك..) كان شعور راحة غير اعتيادي في امكانية التحدث للعمة كما لو كان المرء يتحدث للشيطانة. لكن نيكولاس عرف بحكمة طفولية انه لا يمكن التمادي في مثل هذه التصرفات لذلك ابتعد بصوت مسموع, والخادمة هي التي انقذت العمة من خزان ماء المطر, بينما كانت تبحث عن البقدونس.. اما الشاي فقد تم تناوله تلك الامسية في صمت رهيب. كان المد قد ابلغ اوجه عندما وصل الاطفال خليج جاكبورو, لذلك لم تكن هناك رمال للعب عليها ــ ظرف قد تناسته العمة في غمرة اعداد رحلتها التأديبية. لقد اثر ضيق حذاء بوبي تأثيراً كبيراً في مزاجه طوال تلك الظهيرة, وعلى وجه العموم لا يمكن القول ان الاطفال قد متعوا انفسهم. واصلت العمة صمتها القاتل, صمت من قاسى مهانة وذل حبس في خزان ماء المطر حوالي خمس وثلاثين دقيقة. اما بالنسبة لنيكولاس, فقد كان صامتاً هو الآخر في استغراق من عنده الكثير لكي يفكر بشأنه واعتقد انه كان بإمكان الصياد ان يهرب وكلاب صيده بينما تنشغل الذئاب بافتراس الوعل المصاب.. * ولد الكاتب الاسكتلندي هكتور هيو مونرو في بورما عام (1870) وقتل في احدى الاحداث العسكرية ابان الحرب العالمية الاولى عام (1916) في الجبهة الفرنسية.. وبالتعاون مع أخيه الاكبر اصدرا جريدة. وقد امضى فترة من حياته متنقلاً بين فرنسا وألمانيا وسويسرا الى ان استقر اخيراً في مدينة ديفوت وضواحيها الريفية.. اعترف بموهبته الادبية فرانسز جوالد, وبدأ ينشر بالاسم المستعار (ساكي) في (ويستمنستر جازيت) الذي اشتهر فيها بعد من خلال كتاباته السياسية الصحفية الهجائية.. عمل مراسلاً لجريدة (بريد الصباح) وذلك في البلقان وفي سانت بطرسبورج وباريس, الى ان كرّس نفسه اخيراً لكتابة القصة القصيرة.. من أشهر اعماله: (احداث الملك كلوفيس) (1912), و(باسينفتون الذي لا يحتمل) رواية (1912), و(حين وافى وليم), و(دمى السلام), و(ريجنالد), و(ريجينالد في روسيا), و(الحيوان والحيوان المتفوق), و(النافذة المفتوحة), و(لورا) وغيرها..