بيان 2: تزخر الصحف والمجلات بشعر فيه بريق, وعليه رواء, غير أنه كثير التلوّي والتثني, تحاول ان تقبض على شيء منه, فيفرّ من بين أصابعك. فاذا اعياك فهمه استفتيت فيه مريديه, واستفسرت عنه نقدته, عسى، ان يتصيّدوا لك شرائد معانيه, وطرائد صوره. فاذا النقد والشعر توأمان, كلاهما من زئبق رجراج, فتتراقص جمل الناقد امام عينيك, وتتراءى ظلال المعاني لا المعاني وراء هذه الجمل باهتة, قد نصل لونها, وشحبت دلالاتها, كما تراقصت من قبل معاني الشعر المنقود, وتشظت في الهواء, هباء في فضاء. فلا استقرار لمعنى, ولا وضوح لفكرة. وانما هي احلام تفسر احلاما, وضياع يفضي بك الى ضياع, وتسويغ للتمزق الشعري بتمزق نقدي, فتتهم وعيك بغشية من إغماء, وتستعين على فهم الالغاز بالقهوة والشاي. لكنك تحسو ابريقا من قهوة, قبل ان تخرج من المقال بحسوة. قد تكون ايها القارىء اقدر مني على فهم الاحاجي, فتصيب حاجتك منها, وقد تكون ــ وعشاق الالغاز قلة ــ مثلي ممن يؤثرون الشمس على الضباب, والشروق على الغياب, فتعترف كما اعترفت بأنك تقرأ نقدا لقوم سبقوك في التفكير والتعبير, فتلتف بأطمار البداوة, وترنو الى الحضارة من بعيد, او تغمض عينيك لئلا يقع بصرك على ما تجهل, فترمي نفسك مثلي بالغباء. ثم تعود الى الجاحظ وابي حيان والمبرد كما اوى الفتية الى كهفهم هاربين من زمن قصروا عنه, ومجتمع لامكان فيه لمومياء محنطة. وقبل ان يصرعك اليأس من الفهم تسأل من حولك ممن تتوسم فيهم النجابة, ورهافة الذوق, فاذا حيرتك وحيرتهم سواء, واذا انت وخاصة المثقفين من نمط واحد. فيهون عليك الخطب, وتتبوأ موضعك من جموع القراء غير الأذكياء. شعراءنا ونقادنا الملهمين, اليست غاية الادب الفهم والافهام: فهم الحياة وتصويرها بألسنة الشعراء, وإفهامها وتفسيرها بأقلام النقاد؟ فلماذا تقرّون بشرف هذه الغاية, ولا تتوسلون بالوسائل المفضية اليها؟ لقد اتهمنا نحن القراء الصغار عقولنا وجلدناها, ولذنا بالمعجمات ونبشناها, وعدنا الى اساطير اليونان والرومان والكلدان والسريان ووعيناها, فلم نفهم الا يسيرا مما تنظمون وتكتبون. ضعوا بين ايدينا مفاتيح الطلسمات المستغلقة, وخاطبونا على قدر عقولنا بفصحانا التي نفهمها ونعشقها, ونلهج بها في كل دعاء, ونتعبد بها في كل صلاة. ألستم قادة الفكر, وسادة الادب, ورادة الشعب؟ فابسطوا اذن بين يديه قضاياه بلغة يفهمها او بفهمها من يفسرها له. امن الالتزام ان يهوّم شعرنا في سراب الغموض, وان يجر وراءه الى هذا الضياع ركب النقد والنقاد؟ امن البيان ان نخاطب الناس بما لا يفقهون, وان نسخر منهم اذا رأينا على وجوههم امارات الدهشة والاستغراب؟ كان شعراؤنا يتمثلون بفهم اياس لاقناع القدر الاكبر من الناس, وغدونا نتغنى (بحنا السكران). كان شعراؤنا يطلعون على اقوامهم شموسا, وينهمرون عليهم نجوما, ونحن نرنق فوقهم هما وغما, وننداح على ابصارهم سحابا وضبابا. حتى عنوانات القصائد لا تخلو من غموض, فهي كأبواب المقابر والمغاور, وأفواه الحتوف والكهوف. تقرأ العنوان, فيخيل اليك انك تنظر في بئر بعيدة الغور (اوراق من دفتر الرماد) (نوافذ مغلقة الانفتاح) (عيون سردابية الانعتاق), فتقف على باب القصيدة جزعا هلعا. فاذا تطامنت, وولجت, لم تزدد الا ضياعاً, فلا تكاد تخطو الخطوة الاولى حتى تزل بك القدم, وتغوص في بركة من طين, او تهيم في تيه يتصل بتيه, فترتد الى باب الكهف عجلان منفلتا من شرك العنكبوت, هاربا بما ادخر قلبك من امن, وبعدك من نور. يقولون: ان اوروبا جربت الوضوح امدا طويلاً, ثم انتبذته بعدما ملته, وجنحت الى الغموض لتداعب الاوهام, وتغرق في الاحلام. هذا صحيح. واصح منه ان اوروبا قاست رجل الجرثومة, وسرعة الكهروب, ووزن المشتري, ووضعت لكل حركة معادلة, ورسمت لكل ظاهرة خطا بيانيا. وبعد ان ملت الصحو التمست السكر. اما نحن فلما نذق طعم الصحو, ففيم نسكر؟ أنحارب تخدير الجسد بالافيون, وندعو الى تخدير الروح بالضياع؟ انهزأ بالعقل قبل ان نعقل؟ انثور على دقة العلم ونحن ما زلنا صرعى الجهل؟ كذا كان حالنا قبل ربع قرن في الشعر. وحالنا اليوم في النقد كحالنا امس في الشعر. فشعرنا ونقدنا كلاهما ثمل مخبّل. كان نقدنا يدرس ويحلل, ويقارن ويعلل. يشرح الغامض, ويجلو اللبس, ويجني قصار الايدي قصيّ الثمر, اما اليوم فاننا نقرأ زيا غريبا من النقد, يحمل على تراثنا حملة ساخرة كاسرة, كأنّ همه تشريح القدماء لا شرح المحدثين. وقدح التليد لامدح الطريف. فالناقد الفذ من جهابذة اليوم اذا نقد شاعراً تقليديا ازرى بعمود الشعر, وانهال على ابي تمام والبحتري وامرىء القيس, يسفه ما قالوا, ويشوه ما صوروا, وينسى ما في شعرهم من فحولة وأصالة, ومروة وفتوة, الهبت نخوة العرب قرونا. الا يحلو للناقد ان يبني صرح الشعر الحديث الا على رفات الاموات, وبعد ان يطمس امجاد الاجداد؟ ان الناقد الحديث لا يلذ له النقد, ولا يسوغ في لهاته التغني بالحديث الا اذا كسر رخام القبور, واقتلع جماجم الشعراء من ضرائح التاريخ ليعلي في عكاظ الشعر الحديث برجاً كأبراج جنكيزخان, حجارته من رؤوس الفحول, وجدرانه من أركان البيان. فهو يتهم شيخ المعرة بالتشاؤم والهرب من الحياة, وينسى ان في غموض الحداثة من الشؤم والتحلّي عن تبعة الشعر ما هو أشأم من براقش وطويس وداحس والبسوس. ويرمي ابا الطيب بالاثرة وابن ابي ربيعة بالنرجسية, وينسى ان في اعتزال الحداثيين وزرايتهم بعقول الكثرة الكاثرة من القراء من الاثرة المرضية, والنرجسية المتغطرسة ما يجعلهم عنصراً غريباً في تركيب المجتمع, ونغمة ناشزة في ايقاعه الاصيل. اين نحن معاشر الشعراء والنقاد المغرمين بالغموض من المعري والمتنبي اللذين يعيشان في قلوب العرب من الف سنة؟ ثم اين نحن من الشعب الذي ندعي الانتماء اليه؟ اننا نرقص امامه رقصات غريبة, ونضع ــ ونحن نرقص ــ على وجوهنا اقنعة مريبة, فينظر الينينا بعين الخوف مرة, وبعين الازدراء مرة. ولكنه يعدنا غرباء عنه في كل حين. فاذا حشرنا الناس في قاعة, واجبرناهم على سماع اصواتنا, ورؤية وجوهنا, نظروا وبسروا, ثم عادوا الى (دير العاقول) يبحثون عن قبر المتنبي لينشدوا بعد فاتحة الكتاب: افي كل يوم تحت ضبني شويعر