بيان (2): مع اثار الزمن القابعة على وجه الوالد عبيد خليفة سالم سافرنا معه في رحلة الى الماضي الجميل مررنا خلالها بأيام طفولته وشبابه وعدنا به الى يومنا هذا. عبرنا الى ايام يحسن اليها آباؤنا, الى ايام على الرغم من قساوتها ومصاعبها الا انها احلى ايام العمر. بدأ الوالد (عبيد خليفة سالم) الذي تجاوز الثمانين من العمر حديث ذكرياته بالسنوات الاولى من عمره, قائلا: توفي والدي وأنا في الرابعة من عمري وتولت رعايتي والدتي وشقيقة خالي حتى بلغت العاشرة من العمر, فدفع بي خالي الى العمل حتى اعتمد على نفسي كغيري من الصبية الذين هم في مثل عمري, فكنت اذهب في رحلات الغوص, فأقوم ببعض الاعمال الخفيفة التي تناسبني مقابل القليل من النقود وكانت بالكاد تفي باحتياجاتي الاساسية انا واسرتي وعندما بلغت الرابعة عشرة من العمر تعلمت الغوص واصبحت اغيب عن اهلي بالشهور مقابل (175) روبية كانت انذاك مبلغا كبيرا يفي باحتياجاتي انا واسرتي بل ويزيد وتركت الغوص واتجهت للعمل في الزراعة, ونقل وبيع مياه الشرب. وعندما بلغت السادسة عشرة من العمر استهواني السفر لطلب الرزق كغيري من ابناء منطقتنا فسافرت الى الكويت عن طريق البحر من دبي ووصلت الى منطقة الشويخ مع مجموعة من اصدقائي للعمل وبعد ان جمعت مبلغا من المال عدت مع من عادوا الى البلاد. ثم سافرت الى البحرين للعمل وبعدها اتجهت الى الدمام للعمل في البحر والمراكب. ويضيف: لقد عانينا كثيرا الى ان تمكنا من توفير المال لتأمين اقل المتطلبات لحياة بسيطة خالية من الترف والغنى الحاصل في حياتنا اليوم. ويواصل حديثه قائلا: ان الحياة في الماضي على الرغم من صعوبتها وبساطة ايامها الا انها افضل بكثير من حياة اليوم التي توفر كل شيء للانسان دون ان يبذل جهد يذكر. وان حياة اليوم لايمكن ان تقارن بحياة الامس, حيث التعب والعمل والسهر والسفر من اجل لقمة العيش. وكذلك فانني ارى ان الصعوبات التي واجهتنا في حياتنا هي التي صنعت منا رجالا لديهم القدرة على تحمل المسئولية التي يعجز شباب اليوم عن تحملها. فالشاب في عصرنا ما ان يبلغ الرابعة عشرة, حتى يدفع الى غمار الحياة العملية ليكون رجلا يساعد اسرته ويكون مسئولا عنها, بينما الشاب في الوقت الحاضر لايفقه عن المسئولية او عن اسرته شيئا بل على العكس فاسرته هي المسئولة عنه حتى وان كان يعمل. كلنا اهل وقال كذلك ان الحياة في الماضي كان يسودها الحب والمودة والرحمة حتى انه اذا غاب الرجل عن اهله لسفر او بسبب الموت فان رجال الحي (الفريج) هم الذين يتولون مسئولية رعاية اهله لحين عودته اما الآن فان الجار يسافر او يرحل وربما يموت وجاره لايعلم عنه شيئا, اين هو العيب هل هو في البيوت الحديثة التي اصبح اصحابها يتسابقون في علو جدرانها؟ ام العيب في نفوس البشر التي غيرتها الايام والسنون. واضاف ان اهل (الفريج) اذا تخاصم احدهم مع جاره او صديقه وتنازعوا على مشكلة ما فانهم يتجهون الى من هم اكبر منهم مكانة وهم اشخاص لهم مكانتهم الاجتماعية بين اهل الحي ليحتكموا اليهم ويحلوا مشاكلهم مع الحفاظ على العلاقات الطيبة بين المتخاصمين. بينما الآن اصبحت المحاكم والمخافر هي المكان الوحيد لحل المشاكل في زمن ضاعت فيه كل مشاعر الاخوة والانسانية, حيث اصبح الاخ يشتكي اخاه في المحكمة والولد يحجر على ابيه في المحاكم وقاعات المحاكم تحكي وتؤكد ذلك. في الماضي كان من السهل ان تجد صديقا مخلصا ووفيا لك, اما الآن فالاصدقاء هم (حظ يا نصيب) لايمكن ان يميز السيىء من الجيد لان المظاهر خداعة. وزمان كانت النفوس طيبة وكلها خير وحب, اما نفوس اليوم فالله المعين عليها. عادات وتقاليد وننتقل مع الوالد عبيد خليفة في حديثه الى الاعياد والمناسبات قديما وماهي مظاهرها ومدى اختلافها في وقتنا الحاضر. ويقول: في المناسبات والاعياد كلنا اهل ويد واحدة نساعد بعضنا البعض. رمضان لم يكن هو الشهر الوحيد الذي تمتلىء فيه المساجد بالمصلين وتمتد فيه موائد الخير كما هو اليوم, وانما كنا نحافظ على الصلاة كجماعة في المسجد, وكنا نعاقب الاولاد الذين لايصلون وليس كما هو الآن فالكثير من الشباب لايعرف طريق المسجد الا في رمضان واحيانا لايراه. يقول: كنا في رمضان نجتمع تحت الرجال على مائدة واحدة بالطبع لم تكس مثل موائد اليوم تمتلىء باصناف عديدة بها ما نعرفه والبعض الآخر لا نعرفه. كان فطورنا سمكا وعيشاً (ارزا) وتمرا, هريسا, وهذا هو غذاؤنا الرئيسي.. وبعد صلاة التراويح كنا نجتمع في احد المجالس لقراءة القرآن وتبادل الاحاديث عن العمل والحياة اليومية وليس للنميمة وشرب الشيشة كما هو اليوم, وكنا نستقبل العيد بفرحة كبيرة بالرغم من انه في احيان كثيرة لم نكن نرتدي ملابس جديدة ولكن فرحة العيد في قلوبنا. ففي العيد نزور الاهل ونعطي (العيدية) للاطفال, كنا دائما نحافظ على صلة الرحم في المناسبات وغير المناسبات وليس مثل الآن الاخ لا يزور اخاه الا في المناسبات واحيانا ينسى او ينشغل, (زمان اول وايد احسن). شباب وبنات اليوم ويقارن الوالد عبيد خليفة بين شباب وبنات اليوم وشباب ونساء الامس. فيقول: ان الشباب على ايامنا افضل بكثير من شباب اليوم, الشاب زمان كان اقوى واقدر على تحمل المسئوليات وصعوبة الحياة كانت تزرع فيه بذور الرجولة منذ صغره. وكان الشاب كله رجولة واخلاق لايمكن (يغازل) البنات مثل شباب اليوم. ويضيف ان الشاب قديما كان قويا وصحيح البنية, اما الآن فان الشاب اعتاد على الراحة وعلى الحياة السهلة الخالية من الصحاب والمسئولية. الشباب اليوم يضيعون اوقات فراغهم واموالهم في اشياء تافه, كالسهر واللعب والتجمع مع اصحاب السوء. وعن المرأة في زمنهم يقول: المرأة قديما كانت اصيلة مثل الصحراء كانت بنت حلال تحتمل الحياة وتساعد زوجها وتحافظ على بيته واولاده طوال فترة غيابه بالشهور في رحلات الغوص او السفر. كانت المرأة وقتهم لاتنكشف على الرجال وكانت طبيعية اصيلة تحافظ على احترامها وصلاتها. اما الآن فالمرأة هي حظ, اما ان يكون جيدا او سيئا وهذا عائد حسب قوله (للحظ). المرأة الآن اصبحت تنافس الرجل وتزاحمه في مجالات عمله, وكثيرا من بناتنا نسوا عاداتنا وتقاليدنا واتبعوا بنات الغرب في اللبس والتصرفات. ويقول: انه لايعترض على عمل المرأة فهو لديه بنات يعملن ولكنه يعترض على نوعية عمل المرأة ولباسها وتصرفاتها. وكذلك يعترض على تصرفات الشباب فيقول: بدلا من ان نرى الشاب مع اهله واخواته في كل مكان نجده يلاحق البنات في الاسواق او نرى مجموعة من الشباب في المراكز التجارية بدون هدف او سبب لهذا الازدحام سوى اضاعة الوقت وملاحقة البنات. وعن الامارات يقول انها امارات الخير حيث ان الاتحاد القائم بين الامارات السبع غير وجه الحياة من صعبة قاسية الى حياة سهلة هانئة فتحولت حياتنا البسيطة والفقيرة الى حياة يملؤها الترف والغنى والراحة وهذا بفضل الله علينا والذي انعم علينا بالاتحاد. في حياتنا الاولى كنا نعيش في خيام او بيوت من الطين وسعف النخيل, ولم يكن لدينا (مكيفات هواء) لترطيب الجو الحار, وانما كنا نعتمد على (البارجيل) لتخفيف حرارة الجو, وكانت حياتنا رغم ذلك سعيدة فكان الرجل يتجه للعمل في البحر او يسافر الى خارج الدولة للحصول على رزقه والمرأة هي التي تتحمل مسئولية البيت وتربية الاولاد تربية صالحة. وكنا نجتمع الرجال في كل صلاة في المسجد, واذا غاب احدنا كنا نسأل عنه ونعرف اخباره, ثم كنا نجتمع في احد المجالس للتحدث في امور الحياة وبعدها يتجه كل منا الى بيته, اما الآن فالحياة بالطبع اسهل بكثير فأصبح كل شيء حولنا بالكهرباء, والدولة توزع المساكن الشعبية على مواطنيها, والطرق اصبحت اسهل. الله انعم علينا بنعمة البترول ويجب المحافظة على هذه النعمة, فلو عاش الجيل الجديد حياتنا السابقة لما استطاعوا ان يحتملوها ولو ليوم واحد ولذلك لابد ان يعرف الشباب حياتنا السابقة ومصاعبها حتى يحافظوا على النعمة التي يعيشونها اليوم. كلمة الزمن وطلبنا منه كلمة يوجهها لشباب اليوم من خلال خبرة الزمن.. فقال.. الكلام الذي اريد ان يعرفه شبابنا هو انهم امل المستقبل وهم الرجال الذين تعتمد عليهم الدولة, فلذلك لابد ان يقدروا ان الوطن يستحق ان نضحي من اجله بارواحنا ودمائنا, وان الدولة علمتهم ليكونوا درعها الواقي امام مطامع الاعداء. واقول لهم: ان الله انعم علينا بنعم كثيرة وبحياة سهلة ومريحة, فلا بد ان يصونوا النعمة ويحافظوا عليها حتى لا تزول من ايدينا. وليس للشباب طريق سوى التمسك بالقرآن والصلاة والحفاظ على تعاليم الدين وعلى عاداتنا وتقاليدنا ليحفظهم رب العالمين درعا واقيا للوطن الغالي. وكلمة اقولها لبنات اليوم.. لا تتبعي بنات الغرب في اللباس والتصرفات وحافظي على صلاتك ودينك وعلى اصالتك الخليجية التي يعرفها العرب عن نسائنا منذ القدم. والله يحفظ الامارات ويبعد عنها كل طامع وكل شر..