اقترحت على حفيدتي أن أبحث عن عمل. فلما سألتها عن العمل الذي ترشحنى له قالت خضار وتعني بها بائع خضروات أو نجار أو طبيب. لأنها تعتقد أنني عاطل بلا عمل. فالذين يعملون يستيقظون مبكرا , ويذهبون إلى أعمالهم. ثم يعودون بعد الظهر. أما أنا فلا أخرج إلى مكان عمل في الصباح. وعندما أعمل كما أدعي أفعل أكثر الأشياء بسخافة وهي أن أغلق على نفسي غرفة المكتب في الوقت الذي تريد فيه أن تلعب معي أو تتحدث إلي كثيرا ولسوء الحظ لم يكن بينها خضار أو نجار أو طبيب. وكنت أرى دائما الفرق بين الكتابة كهواية دائمة وبين العمل كاحتراف, ومن الغريب أنني كلما عملت في مكان قادني إلى الكتابة. وفي عام 1963 كنت أعمل في دار الهلال. وقررت اعتزال العمل الصحفي وبدء عمل جديد. واقترح علي صديق أن أقدم طلبا إلى القوى العاملة رغم أنني كنت متخرجا منذ ثلاث سنوات. وكانت القوى العاملة تعين الخريجين في غالب الأمر في غير ما هم مؤهلون له.. ولذلك سأجد نفسي موظفا في السكة الحديدي أو مؤسسة الأدوية أو الاصلاح الزراعي. وكنت تواقا إلى هذه التجربة. وكان مثلي الأعلى في ذلك نجيب محفوظ الذي كان إلى ذلك الوقت أو قبله بقليل موظفا في وزارة الأوقاف. وكان مديرا لمكتب الوزير ويوسف ادريس الذي كان طبيبا. كان طبيباً ممارسا قبل أن يفتح عيادة في الجيزة كانت مزدحمة, ولكن لم يدخلها مريض واحد. وفوجئت بخطاب من القوى العاملة بتعييني في وزارة الثقافة ولم تمض شهور إلا وكنت سكرتيراً لتحرير مجلة السينما. وبدأت إلى ما انتهيت منه. وتلك كانت قصة متكررة ذلك لأنني عملت في اماكن كثيرة فلقد بدأت أعمل منذ أن كنت طالبا في الجامعة. وكانت تجربتي الوظيفية الأولى في شركة تأمين. وكانت الشركة تستفيد أكثر مما تستفيد من النقابات التي تؤمن على أعضائها. وكانوا في سبيلهم إلى التأمين على أعضاء احدى النقابات المهمة فأخذوني معهم كموظف صغير جدا يؤدي بعض المهام الكتابية. وهكذا رأيت وأنا في العشرين من عمري قمم الفساد, فلقد قدمت شركة التأمين الرشاوى إلى مجلس الإدارة بكامله. وقدمت ليست التعبير الدقيق فالبعض طالبوا بالرشوة في الحاح. وأحد أعضاء مجلس الإدارة طلب سيارة كرشوة, وهو ما أذهلني, فلقد كنت أعتقد أن الرشوة تكون جنيها أو اثنين أو خمسة على الأكثر. وأيضا لم تكن السيارات في ذلك الوقت ضرورة يسعى إليها الناس , بل كانت أقرب ما تكون إلى شئ يتفاخر به الأثرياء. وكان الواحد منا يخرج من بيته إلى الشارع فيجد الأتوبيس أو الترام يركبه بقرش أو أقل. أما التاكسي فهو للمهام الصعبة مثل نقل بعض الحقائب, أو العودة من سهرة طويلة. وكان في شركة التأمين هذه شاب وسيم كأنه أحد نجوم هوليوود متزوج من ثرية جدا ذات اسم رنان. واكتشفت من ملفه أنه لا يملك مؤهلا على الاطلاق. ومع ذلك كان رقم واحد في الشركة. وكان قائد عملية الرشوة. وبعد أن تركت الشركة في حادث ظريف كما سأحكي لك اختفت أخباره عني, حتى وجدته على الصفحات الأولى في قضية فساد كبرى. لكن الذي لا أنساه هو فخري بك. وكان أحد أبناء الارستقراطية ولقد عرفت فيما بعد أن الشركة وظفته لتستفيد من اسمه العريق وكان فخري بك هو أول موظف يأتي إلى المكتب , ومتأنقا غاية الاناقة واضعا على صدره زهرة القرنفل تيمنا بفرغلي باشا أشهر تجار القطن. وكان مكتبه غاية في الترتيب والنظافة. لكن فخري بك لم يكن يفعل شيئاً على الاطلاق , ولا أظنه كان يعرف كيف يفعل شيئا. ولكن فخري بك أدخلني عالما سحريا كالاساطير, إذ أخذ يحكي لي عن ذكريات شبابه ومازلت أذكر كيف حملقت فيه وهو يحكي كيف كان يملأ البانيو في باريس بالنبيذ ويستحم فيه. ثم يحكي عن صديقاته. بل وأراني صور بعضهن. ثم حدثت القارعة التي أطاحت بي من الشركة. ففي الاتفاق النهائي مع النقابة فوجئت أنني جالس في صدر المكان. وأنني صاحب الاتفاق مع النقابة. وخلفي يجلس الشاب الوسيم وفخري بك. ويبدو أن فخري بك لاحظ العرق يتصبب على وجهي. فهمس في أذني: ولا يهمك لقد وقعت قبلك ولم يحدث شئ! وأدركت أنهم وضعوني في صدر المكان حتى أوقع. على ماذا؟ لا أعرف : وأخذت أنتظر الأمر بالتوقيع. وأنا لا أدري كيف أرفض هذا. وأنتهزت فرصة أن أحدهم أستأذن ليذهب إلى الحمام, واستأذنت أنا أيضا للسبب نفسه. وبالتأكيد لم يخطر على بال أحد من الموجودين أنها آخر مرة يروني فيها. الوحيد الذي رأيته فيما بعد هو فخري بك. فلقد دعاني صديق إلى نادي الجزيرة ورأيته يضع في عروة الجاكت القرنفلة الحمراء. وعرفني بصعوبة وسب الشركة ومن فيها. وقال انه استقال منها لأنهم لصوص. وعندما أحاول تذكر عدد الوظائف التي عملت فيها أجدها كثيرة جدا. وأن لم يكن بينها كما قلت خضار ولا نجار ولا طبيب. ومنذ عشرين عاما قررت أن استقيل من الوظيفة واتفرغ للكتابه. وسألني سعد الدين وهبة : وأين ستعمل؟ قلت له أني سأعمل في البيت وأنني هيأت مكانا لطيفا لذلك فقال لي ساخرا وماذا ستفعل في رائحة الطبخ ونفض السجاجيد! فلقد كان رحمه الله يكره رائحة الطبيخ ولذلك يرفض أن يبقى في البيت صباحا. وله حق في ذلك. أما نفض السجاجيد فظاهرة أخذت تنقرض بعد إنتشار المكانس الكهربائية, وأن كان نفضها قبل العيد شعبية أكثر منها حرصا على النظافة وبعد عشرين عاما من التفرغ للكتابة قررت أن أسمع نصيحة حفيدتي وأبحث عن عمل. وكان أول من فكرت فيهم أصدقائي وبدأت بفلان فإذ بي اتذكر حسده لي لأنني تحررت من الوظيفة عموما لن يأخذ أحد منهم الأمر مأخذ الجد. وفتحت الصحيفة على باب وظائف خالية الذي لم أقرأه منذ أربعين عاما أو أكثر. فوجدت على رأس الوظائف واحدة في شركة تأمين إلى الوظائف الأخرى. ووجدت أن أكثر العروض لسائق الموتوسكلات. وأنا لا أعرف كيف أقودها , ولا أظنني سأعرف. أما العرض الثاني فكان للصيادلة. وفكرت في التقدم للثانوية العامة والحصول على مجموع كبير ثم التقدم لكلية الصيدلة والتخرج منها بعد عمر طويل. وتنبهت أن الوظيفة لها عمر محدد. وأن أصدقائي الذين عبروا السن ومازالوا في وظائفهم كانت لهم أساليب في التحايل وأنني لا أملك هذه القدرات حتى لو كنت في الوظيفة ووجدت أنه من الأفضل أن أعلن أنا عن نفسي. وقضيت نصف يوم في البحث عن صيغة سأقول : كاتب يطلب عملا. وأسأل نفسي ومن الذي قال أنك كاتب. وارد على نفسي بأنني لن أقدم شاهدين على الأقل ليؤكدا أنني كاتب طيب. وماذا تريد؟ وظيفة؟ لنفرض أن رجلا ثريا طلب أن تشغل الوظيفة عنده, وطلب منك أن تسليه بحكايات تؤلفها, أو أن تكتب قصة حياته , أو أن تكتب لتهاجم أعداءه, ووجدت الفكرة غبية. وقررت أن أبقى كما أنا أعاني رائحة الأكل وأسئلة حفيدتي ولكني أردت اختبارها , فقلت لها أنني وجدت وظيفة وسأذهب من الغد إليها فبكت. ولما سألتها عن سبب بكائها احتجت لأنها لن تجد من تلعب معه. ولأول مرة اكتشفت أن لي فائدة ككاتب متفرغ!