عقدت على مدى اليومين الماضيين اعمال الندوة الفكرية الموازية لمعرض (مئة عام على الفن التشكيلي) الذي يقام في متحف الشارقة للفنون ويضم مجموعة اعمال فنية من مقتنيات متحف الفن الحديث في دولة قطر ترصد الحركة التشكيلية العربية في القرن المنصرم. ادار الجلسة الاولى والتي حملت اسم (التشكيل العربي مئة عام) الفنان والناقد طلال المعلا وتحدث هشام المظلوم مدير ادارة الفنون في دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة في الجلسة الافتتاحية حيث اعلن في كلمته عن صدور العدد الاول من المجلة التشكيلية المتخصصة (الصورة) ووجه دعوة للحضور من النقاد والفنانين بالعمل على المشاركة في هذا المشروع وتفعيله لتكون المجلة الصوت الحقيقي للنقد في العالم العربي. وتحدثت التشكيلية مها سلطان (لبنان) عن تحولات لوحة (البورتريه) في لبنان, وقد عزت هذه التحولات الى تلك التي حدثت في تركيا, كون ان لوحة البورتريه اصبحت ممثل الفن الامبراطوري الذي استقطب فنانين من ايطاليا وقد تزامن هذا الاتجاه الكلاسيكي مع بدايات التصوير في لبنان, الذي تعود جذوره الى القرن السابع عشر الميلادي, حيث الرسوم التي كست جدران الكنائس ومن ثم شهد القرن الثامن عشر الانفتاح على الفنون الغربية ومن الرواد في هذا المجال الفنان داوود القرم الذي حاز على جائزة في عام 1900 في معرض فرساي في فرنسا ومن مؤسسي دعائم النهضة التشكيلية في لبنان حبيب سرور الذي درس الفن لعشر سنوات في روما وعمل استاذاً في المدرسة السلطانية العثمانية. وتحدث الناقد محمد الجزائري (العراق) عن ازمة الجيل التشكيلي الجديد المتماوج بين تقنية الغرب كاستلاف وحضوره الشخصي ومن ثم اللجوء الى استلهام التراث والموتيفات والاشتغال عليها باسلوب اقرب الى الغزارة السوقية بحجة استكشاف الرموز ودلالة اللوحة وكذلك تحت وطأة الهروب من الانظمة والسلطات وحتى (التجريد اللوني). واكد الجزائري في مداخلته على ان واجب النقد هو سبر اغوار اللوحة مشيراً الى ارتباط العملية النقدية بالعمل الصحفي الذي نادراً ما يكون على قدر المسئولية والتخصصية المطلوبة, ومضيفاً الى ازمات النقد شح اصدارات الكتب النقدية وعرج الجزائري على قضية الجماليات قائلاً: (لا يوجد جمال عربي معاصر لكن توجد افكار جمالية) واثار كذلك في مداخلته الى اشكالية الامية البصرية مستشهداً بمعدل الامية الابجدية في الوطن العربي التي تصل الى 64% واختصر الجزائري في نهاية مداخلته ازمة الحركة التشكيلية العربية بنموذج (النقوسي) او التشبث بالسلف والنموذج (الدالي) اي التشبث بالآخر. اما مداخلة التشكيلي فيصل سلطان (لبنان) فقد جاءت تحت عنوان (اتجاهات الحداثة بين المحلية والعالمية في بيروت) حيث اشار الى بدايات الحداثة التي تزامنت مع مرحلة الانتداب الفرنسي للبنان ومع وجود الجيل الانطباعي الذي ترافق مع مجموعة من المفكرين باللغة الفرنسية, وتطرق سلطان في مداخلته الى جيل الرواد امثال: صليبا الدويهي وشفيق عبود اللذين قدما التحولات من الانطباعية نحو التجريد ليعطيا صبغة اللونية المتوسطية التي تعبر عن روح الاشياء ومعناها اللانهائي. وتحدث علي ماهر (الاردن) عن تجربة دائرة الفنون التابعة لمؤسسة عبدالحميد شومان في عمان واسهاماتها في المشهد الثقافي في الأردن ودورها في ترسيخ الثقافة البصرية عبر نشاطاتها النوعية. واكد التشكيلي فاروق يوسف (العراق) على ضرورة التعريف بالفن العربي مشيراً الى التباين بين السؤال الثقافي والسؤال الاجتماعي ومؤكداً على وحدة الفن رغم التقسيمات السياسية واستشهد يوسف بتجربة الاردن في احتضان مجموعة كبيرة من الفنانين العراقيين الذين توافدوا على عمان بسبب الحصار الامر الذي احدث تفاعلاً وتلاحقاً بين المشهد التشكيلي العراقي والاردني وشكل صدمة للفن الاردني حقق من ورائها قفزة كبيرة وقد فعل هذا الاتصال السوق الفنية للأعمال في الاردن التي اعتبرها يوسف الأفضل في الوطن العربي. المأزم الاجتماعي للفنان كان محور مداخلة الناقد والفنان التشكيلي محمد العامري (الاردن) الذي اختتم بورقته البحثية الجلسة الاولى واكد العامري ان المأزم الاجتماعي هو بمثابة الحاضنة التي ينتمي اليها الفنان مما ادى الى انكفاء الفنان نحو التجربة الذاتية فيما اصبح يؤشر على المفاهيم الجمالية من خلال نافذة خائفة ليقبع تحت سطوة الاستلاب عبر استيراد الفن العربي وقدم العامري مجموعة من المقترحات منها الاهتمام بالنص النقدي في المناهج التربوية والاعلام والعمل على انجاز موسوعة للفن التشكيلي العربي. وجاءت الجلسة الثانية لأعمال الندوة الفكرية الموازية لمعرض (مئة عام على الفن التشكيلي العربي) والتي ادارها الدكتور يوسف عيدابي عن مناسبة اقامة مئة معرض في متحف الشارقة للفنون وتحدث في بداية الجلسة يوسف احمد مدير متحف الفن العربي الحديث في قطر عن تجربة الشيخ حسن بن محمد بن علي آل ثاني في اقتناء الاعمال الفنية التي وصلت الى اكثر من سبعة آلاف عمل يحتضنها المتحف وتمثل هذه التجربة التي بدأت في منتصف الثمانينيات مشروعاً رئوياً لرصد وتوثيق الحركة التشكيلية العربية واكد احمد ان آلية الاقتناء لم تكن على اسس عشوائية بل في البحث في القواسم المشتركة بين الفنانين الرواد, واشار احمد الى المعوقات المتمثلة في فقدان اي اثر لاعمال مهمة او تلف بعض الاعمال كما استعين بالخبراء لكشف عمليات التزييف. وتركزت مداخلة الدكتور عمر عبدالعزيز حول تجربة متحف الشارقة للفنون بمناسبة اقامة مئة معرض منذ افتتاح المتحف في عام ,1995 واشار الدكتور عبدالعزيز الى شمولية النشاط الفني والثقافي لساحة الفنون عموماً التي تضم الى جانب المتحف رواقاً للفنون ومعهدين للفنون والخط اضافة الى جمعية الامارات للفنون التشكيلية وجماعة الفن الخاص واكد الدكتور عبدالعزيز ان المتحف منسجم مع رؤية جديدة لا تضع النشاط المتحفي بصورة تقليدية منوهاً الى ان صالات المتحف تقدم اعمالاً اكاديمية واستشراقية وكذلك اعمال معاصرة واضاف الى ان مجمل نشاطات ادارة الفنون في دائرة الثقافة والاعلام بالشارقة يواكبها اصدارات وكتيبات وسلسلة من الكتب المتخصصة اضافة الى تغطية اعلامية من قبل الصحافة الثقافية. واكد محمد يوسف بأن المعارض المئة التي شهدها متحف الشارقة للفنون هي حصيلة مئة تجربة متنوعة من الافكار والاساليب والمدارس والاقطار على اختلاف ثقافاتها واكد على ضرورة ان تحمل هذه المناسبة دلالة العلاقة الفنية لا الرقمية وتساءل عن منجز المعارض المئة عما اذا كانت قد اقيمت بناء على دراسة واضحة واشار الى مقتنيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة المعروضة في المتحف والتي تحمل قيمة توثيقية الى جانب قيمتها الفنية. التشكيلي حسن شريف اشار الى ان جميع المعارض الخاصة لعرض الاعمال التشكيلية الموجودة في الدول العربية محكومة بقواعد ونظم تقليدية في طريقة عرض العمل التشكيلي والتعامل معه وذلك بعد مرور مئة عام على التشكيل العربي مؤكداً على ضرورة انشاء متاحف خاصة (للفن الجديد) بمواصفاتها الخاصة. تطرق التشكيلي الدكتور عبدالكريم السيد الى قلة عدد المعارض الفردية المحلية والتي اقتصرت على معرضين مقارنة بتلك العربية والاجنبية مشيراً الى وجود العديد من الفنانين التشكيليين المحليين وتحدث الدكتور السيد عن ازمة الاقتناء التي يعاني منها الفنان المحلي الذي لا يلقى الرعاية والادارة السليمة لمواكبة تجربته الابداعية. وقدم الشاعر احمد فرحات قراءة نقدية تقييمية للحركة التشكيلية في الامارات حيث بين ان الاعمال التي لجأ ويلجأ اليها بعض الفنانين في الامارات من باب التجديد او كسر المألوف الفني بينما هذه الاعمال ليست سوى تكرار لتجارب احتجاجية قديمة باتت تعتبر الآن من الكلاسيكيات في تاريخ الفن الغربي واشار فرحات الى ان الحركة التشكيلية الاماراتية التي نهلت من المصادر المتوافرة سواء كانت غربية متطرفة ام محلية مطورة لموروث شعبي ام زخرف تراثي وتواجد فنانين عرب مقيمين كل ذلك اسهم في تعميق مسار الحركة التشكيلية محلياً وعموماً فقد اوضح فرحات بأن الحركة ما زالت في مرحلة التأسيس. واشار الناقد طلال المعلا الى خصوصية كل حركة محلية تشكيلية في منطقتنا العربية والتشكيل في الامارات له هذه الخصوصية كونه محملاً تعبيرياً جديداً تمكن خلال ربع قرن تقريباً من اللحاق بالمحامل التشكيلية المختلفة ومؤكداً على ضرورة الاستجابة الى التنمية التشكيلية البصرية لملء الفراغ في الذائقة البصرية وكذلك اهمية تمثيل الفنان العربي في المحافل الدولية وطالب معلا بانشاء مركز للتوثيق والبحث في مجال الفنون التشكيلية العربية. التوصيات الختامية وفي نهاية الجلسة تلت لجنة الاعداد والصياغة المؤلفة من: الدكتور يوسف عيدابي (السودان) الصادق قمش (تونس), فيصل سلطان (لبنان), يوسف احمد (قطر), طلال معلا (سوريا) البيان الختامي وتوصيات الندوة الفكرية المصغرة (مئة عام على التشكيل العربي) ومئة معرض في متحف الشارقة للفنون وتضمن البيان مجموعة من التوصيات منها: تعميم اقامة الانشطة النوعية للمتاحف العربية لابراز تاريخ المنجز التشكيلي, وانتقال هذه المعارض الى اكثر من عاصمة عربية وتجاوز الاقليمية في انشاء متحف الفنون التشكيلية المعاصرة في الدول العربية وتقدير ظاهرة اقتناء العمل الفني وكتابة وصياغة تاريخ الفن العربي الحديث على اسس علمية. اضافة الى تحفيز النقاد على الكتابة ونشر نتاجاتهم وتنظيم مؤتمر للنقد التشكيلي العربي خلال فعاليات بينالي الشارقة في ابريل من العام المقبل.