ضمن النشاط الثقافي لندوة الثقافة والعلوم بدبي اقيمت مساء الاربعاء الماضي محاضرة حول النقوش والكتابات العربية القديمة قدمها الدكتور يوسف محمد عبدالله رئيس الهيئة العامة للآثار والمتاحف والمخطوطات، بالجمهورية اليمنية وقدم بلال بدور أمين سر الندوة نبذة في بداية المحاضرة حول جهود المحاضر في مجال بحوثه ودراساته حول الكتابات العربية. وجاء في ورقة المحاضر: كانت الكتابة في أول الامر تتألف من عدد كبير من الصور والعلامات تمثل مفردات أو مقاطع او اعداداً اقتضت ظروف الحياة حينذاك استخدامها بحكم تجمع الناس في أطر جغرافية ضيقة نتج عنها مواقف معينة يحتاج المرء فيها الى اتخاذ سبل خاصة لتدوين بعض الامور. ولم تكن الدوافع الاساسية لابتداع الكتابة صادرة عن رغبة في تدوين الاحداث والاخبار والعبادات وانما كانت تلبية لحاجات الناس في تدوين ما لهم وما عليهم من اموال ومواد غذائية وتسجيل ما يتحدثون ويتعاملون به كأسماء الاشياء والاعداد والكميات وغير ذلك. ومنذ مطلع الالف الثالث قبل الميلاد اكتمل اختراع الكتابة ليكون واحدا من الانجازات الكبيرة في تاريخ البشرية اي الكتابة التي تعني استعمال علامات معينة لنقل تعبير منسق من لغة محكية وفق نظام رسم متبع يتجاوز الصور المحكية الى التجريد والتشكيل الهندسي كالكتابة الهيروغليفية والكتابة المسمارية وبدأت تستخدم لأغراض متعددة دينية واخبارية وادارية ووسيلة لحفظ ونقل المعلومات والاخبار وغيرها الى الاجيال اللاحقة. ويعتقد العلماء انه في حوالي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد تمت الخطوة الكبرى التالية في مسيرة تطور الكتابة وهي المحاولة الناجحة التي ادت الى اختزال تلك العلامات والرموز الكثيرة الى حد ادنى اي اختراع الابجدية, ويرجح ان تلك الخطوة وقد تمت في بلاد العرب أو في جزيرة العرب بالمعنى الاوسع وبالتحديد في شمالها اي في بلاد الشام (والشام لغة تعني الشمال). ولما كانت بلاد الشام تتوسط بقاع حضارتي وادي النيل وبلاد ما بين النهرين فانه من الممكن ان تتلاقى فيها اشعاعات الحضارتين الرائدتين وان تنصهر في بوتقة حضارة بلاد الشام خلاصة تجربتهما ومحصلة ثقافتيهما. فلا غرو اذن ان شعر اهل الشام بالحاجة الماسة الى كتابة لغتهم بطريقة فضلى تتجاوز تعقيد التجربتين السابقتين الى وضع نظام الكتابة فاهتدوا الى استبدال الصورة بالحرف والمعنى بالصوت, وتمكنوا بهذه الطريقة من اختزال العلامات الكثيرة التي كانوا يكتبون بها وفق النظامين السابقين الى عدد محدود بلغ 27 أو 30 علامة تمثل كل واحدة منها صوتا مميزاً. كانت تلك الاصوات هي في واقع الامر جماع ما كانوا يستعملون في لغتهم المحكية. على انه لا يعرف الى اليوم معرفة يقينية متى واين من بلاد الشام كانت بداية ذلك الخط الرائد الذي اتخذ من نظام الابجدية اساساً له ولذلك فان نسبته الى بلاد الشام تبقى غير مؤكدة ولا تقطع الادلة المتوفرة بالحجة, علما بأن ذلك هو الرأي السائد الى اليوم. وحينما ظهرت الكتابة الابجدية في بلاد الشام في النصف الاول من الالف الثاني قبل الميلاد كان في العالم القديم خطوط اخرى مزدهرة, فكان البابليون والاشوريون يستخدمون الخط المسماري وكانوا قد ورثوه عن السومريين, وكان اهل مصر يكتبون بالخط الهيروغليفي, وكان الحيثيون قد تمكنوا من تطوير كتابة صورية خاصة بهم وفي جزر البحر المتوسط وبلاد اليونان ظهر هناك خط آخر, بل ان فكرة الخط قد انتقلت ايضا عبر الطرق التجارية الى الهند والصين حيث طورت هناك خطوط خاصة بهما. ويضيف د. يوسف محمد: وقد عثر في بيبلوس ـ جبيل وفي سيناء وغيرهما على شواهد نقشية تدل على وجود محاولات عديدة كانت قد جرت في سبيل اختراع الابجدية على أن اقدم شاهد متوفر يدل على الابجدية المعروفة وحسب ترتيبها المعهود عثر عليه في اوجاريت وهو لوح من الطين نقش عليه ثلاثون حرفاً بالخط المسماري ولكنه يمثل نظام الحروف المصوتة في اللغة الاوجاريتية التي كان يستعملها الناس في اوجاريت آنذاك. ويرى بعض العلماء ان الخط المسماري الاوجاريتي هذا لابد وانه قد اتخذ من الابجدية الفينيقية مثالا له اذا استند اولا الى فكرة الحرف فيها ثم ادخل بعض التعديلات الملائمة, ولهذا فان بيبلوس ــ جبيل الميناء الفينيقي القديم ربما كان هو محل اختراع نظام الابجدية علما بأن أقدم نص فينيقي كبير عثر عليه في جبيل وجد على قبر احيرام ويعود تاريخه الى حوالي مطلع الألف الاول قبل الميلاد, ويبلغ عدد حروف الابجدية الفينيقية المستعملة فيه 22 حرفا, واستنادا الى ذلك يرى العلماء ان الخط الفينيقي هذا ربما كان هو الخط الاصل الذي اشتقت منه معظم الخطوط المعروفة قديما وحديثا كالخط اليوناني والخط الآرامي والخط السبئي القويم المعروف بخط المسند وما تفرع عن هذه الخطوط الى اليوم. وباتباع الابجدية صارت الكتابة شائعة وميسرة واصبحت منذ ذلك الوقت وسيلة لتدوين التاريخ والعلوم والمعارف كافة وبها دونت الكتب السماوية ورسم القرآن الكريم. ويبدو أن اثبات صلات القربى بين الخطوط القديمة وايها اقدم ام لا يزال يحتاج الى بيئة وحجة قاطعة اذ ان الادلة التي تقدم عادة لاثبات تلك الصلات تقتصر في مجملها عن الوصول الى درجة اليقين ولهذا فان تناول مثل هذه الامور يعتمد بالدرجة الاولى على مبدأ ترجيح الاحتمالات. ويعتبر قياس الماضي على الحاضر من تلك الاحتمالات المرجحة اي ان يقاس ما حدث للخط من تطور في الازمنة القديمة, وهو امر قد نجهله على ما حدث له وما طرأ عليه من تبديل أو ما جرى في حيزه من استعارة واشتقاق في الازمنة المتأخرة وهو امر قد نعلمه علم اليقين, فمثلا من المعلوم ان الخط القبطي أو الكريللي او الارمني او العربي او الحبشي ليست جميعا سوى نسخ مشتقة من خطوط قديمة وشهيرة سبقتها مثل الخط اليوناني والآرامي والمسند اليمني. وقد اجريت على الخطوط السابقة هذه تعديلات معينة بحيث تصبح خطوطا جيدة تلائم احتياجات اللغات التي تكتب بها وما الخط اللاتيني الذي تكتب به اليوم لغات كثيرة في اوروبا والعالم ليس الا نسخة مأخوذة عن الخط اليوناني, كما انه من الجائز ان يفترض المرء ان تلك الخطوط القديمة والمتجاورة تشترك في كونها تعتمد القاعدة الخطية نفسها عند كتابة العلامات الصوتية او الارقام, ولهذا فينبغي ان تكون قد استعارت بعضها من بعض أو انها ربما تنتمي الى اصول مشتركة, بل قد يفترض المرء انها تنتمي جميعها الى اصل واحد. ويشير د. يوسف الى انه يستفاد من دراسة النقوش القديمة التي عثر عليها في اليمن والجزيرة العربية أنها قد كتبت وفق نظام الابجدية السابق ذكرها وعدد حروفها تسعة وعشرون حرفا, فهي لدى علماء اللغات السابقة أكمل الابجديات (السامية) المعروفة واقربها الى ما يسمى باللغة الاصل PROTO, كما ان خط المسند الذي كتبت به تلك النقوش يمثل كثيراً من خصائص الخطوط الابجدية القديمة بل انه يعكس بعض السمات الموغلة في القدم وعلى صلة قربى بالخط الفينيقي على ان وشائج القربى تلك لا تثبت بالضرورة انتماء الخط الفينيقي ولا تكفي ايضا لاثبات اقدمية واحد على آخر, ان خط المسند كما وصلنا يمثل مرحلة متقدمة من تطوره ولا نعرف الكثير عن مراحله الاولى.