شهدت اروقة معرض الشارقة الدولي للكتاب تدفقا ملحوظا للجمهور وفيما بدت دور النشر حريصة على تحديث وسائل عرضها وابراز احدث اصداراتها شهدت اجنحة العرض تزايدا ملحوظا لشركات، ودور نشر الوسائط التقنية ذات الصلة بالكمبيوتر والفيديو كاسيت والكاسيت العادي والاقراص المدمجة وبدا الآن واضحا ان ثمة تحولا كبيرا في اتجاهات تلقي المعرفة برزت فيه وسائط التقنية الحديثة كشريك اساسي للكتاب المقروء, يمكن القول معه ان تغيرا في مفهوم معرض الكتاب سيطرأ في المستقبل القريب نتيجة للتغيرات المتسارعة في وسائل توصيل مادة الكتاب في أشكال مسموعة ومرئية. فهل معنى ذلك ان الكتاب بشكله التقليدي سيشهد تراجعا لدوره الرائد باعتباره اداة المعرفة الاكثر قدما وانتشارا؟! حول ثلاثة محاور هي اتجاهات القراءة ومناقشة الوسائل التقنية واسعار الكتب, ناقشت (البيان) ــ اثناء تجوالها في المعرض ــ عددا من ممثلي دور النشر كما حاولت استقصاء رأي بعض الجمهور. وبدا ان هناك تقاربا كبيرا في آراء الناشرين من حيث تأكيدهم على ان الكتاب ما زال محتفظا بموقعه برغم التنامي المتزايد لنظم المعلوماتية والمعارف التقنية. يقول عصام أبو حمدان من دار الساقي ــ لندن ان اقبال الجمهور على الكتاب من خلال المعرض جيد كما ان هناك اهتماما متزايدا هذا العام بالكتب التنويرية والفكرية حيث شهدت كثافة في الاقبال عليها, وحول تأثير الاقراص المدمجة وبرامج الكمبيوتر يقول ان بإمكاننا النظر الى تجربة البلدان الاوروبية والدول الغربية بصورة عامة والتي سبقتنا بحيث لا توجد مقارنة بيننا وبينها في حقل التطور التقني والمعلوماتية, وعلى الرغم من ذلك ظل الكتاب هناك اساسا وموجودا بقوة. وحول اسعار بعض الكتب المرفقة يشير (ابو حمدان) الى ان الامر مرتبط في الاساس بأسعار الورق ولكن بالنسبة للمعرض فإن الامر يختلف حيث ان هناك خصومات على الاسعار تصل الى ما بين 35 % الى 40%. ويقول أحمد ابراهيم, مدير المبيعات بدار الشروق بالقاهرة, والتي نالت جائزة الشارقة لتكريم دور النشر, ان الدار تفضل دائما المشاركة في معرض الشارقة الدولي للكتاب نظرا لتميزه على المستوى العربي ولكونه من اكبر معارض الكتاب العربية. ويلاحظ ان اكثر الرواد يتجهون نحو الكتب السياسية والدينية وكتب الاطفال. وفيما يتعلق بالأسعار يقول مدير المبيعات بدار الشروق ان السعر ثابت في اي دولة بالنسبة للكتاب الواحد الا ان الجمهور اصبح يستوعب الفرق في الاسعار كما انه اصبح اكثر مقدرة على (المشاكسة والمفاصلة) مع دور النشر, ولكن معلوم ايضا ان تكلفة الكتاب نفسها اصبحت كبيرة برغم ذلك لا أرى ان الوسائل التقنية الاخرى ستؤثر كثيرا على وجود الكتاب فهو ما زال له مكانته وجمهوره. اما ممثل دار الكتب اللبناني عبدالكريم عاصي فيرى ان الوقت ما زال مبكرا لتقييم حجم الاقبال على المعرض ولكن كما يقول انه ليست ثمة اشكالات في هذه الناحية خصوصا وأن معرض الشارقة معروف وله سمعته. أما بخصوص الاسعار فيرى ان عملية التسعير تتم باشراف دائرة الثقافة في الشارقة كما ان الجمهور لديه قناعة بأن الدائرة تقوم بما يلزم في هذا الامر, لكنه بأي حال لا يرى ثمة تنافسا بين وسائط المعرفة التقنية والكتاب فلكل جمهوره. لكن اسماعيل محمد بخش من مؤسسة الزاد للانتاج والنشر والتوزيع بجدة بالمملكة العربية السعودية يرى ان الجمهور صار يتجه بصورة عامة نحو الاقراص المدمجة, ويلاحظ هو كمنتج لاشرطة الفيديو كاسيت والاقراص المدمجة والكاسيت العادي ومن خلال المشاركة السابقة له في المعرض زيادة الاقبال على هذه الوسائط لأن التكلفة فيها اقل وطرق البحث اسهل والمعلومات فيها اغزر ولكنه مع ذلك يرى ان للكتاب جمهورا خاصا يستمتع بعملية القراءة بحد ذاتها الا انه جمهور يتناقص وخصوصا من الشباب الذي صار يتجه بصورة اكبر نحو وسائل التكنولوجيا. ويؤكد وحيد متولي من شركة خوارزم ان هناك اقبالا كبيرا على الكتب ذات الصلة بعلوم الكمبيوتر ويقول ان شركتهم المتخصصة في كتب الكمبيوتر تحاول ان تلاحق اخر التطورات في هذا المجال ويقول ان هذه هي ثاني مشاركة لهم في المعرض التي يلاحظ فيها ان حجم الاقبال على كتب الكمبيوتر جيد جدا. أما بالنسبة لتأثير مكتبة الكمبيوتر التقنية على الكتاب فيرى ان الكتاب اذا كان مواكبا لقضايا العصر فسيظل موجودا كوسيلة معرفة مهمة. ويقول ممثل شركة خوارزم انهم يحرصون على اصدار طبعتين من كل كتاب احداهما تكون عادية وفي متناول الجميع وطبعة اخرى فاخرة وبالتالي يختار كل شخص ما يناسبه. الى جانب ذلك ظل جمهور المعرض في حالة حركة دائبة داخل الاروقة كما بدت حركة الشراء مرتفعة وربما ساهم في ذلك تزامن المعرض مع بداية الشهر, كما ظهرت انطباعات الجمهور ايجابية. يقول د. سيف محمد العجلة, دكتوراه في الادارة التربوية ان اهتماماته تتعلق بكتب التربية والادارة التربوية وهي بشكل عام متنوعة وتشمل الكتب الادبية والتاريخية والسياسية. ويرى ان المعرض فيه وفرة ويلبي حاجة القارىء. وبالنسبة لأسعار الكتب يقول انها معقولة اذا قارناها بالكتب خارج الدولة. كما يرى د. العجلة ان وجود التقنيات الحديثة مع الكتاب امر مهم جدا خصوصا وأنها اصبحت تشكل دورا متناميا في حياتنا ولكنه يشير في السياق ذاته الى ضرورة الانتباه الى ألا تأخذ الألعاب او بعض الوسائل المكتبية التي ليست مرتبطة بالمعرفة مكانا يزاحم الكتاب خاصة وانها تلقى رواجا كبيرا فلا ينبغي ان تدخل القرطاسية ولوازم المدارس وان يبقى المعرض مقتصرا على وسائل المعرفة بأشكالها من كتاب أو اشرطة مسموعة او مرئية او مدمجة وغيرها. وأيا كان الامر فإن التساؤل حول الوسائط التقنية في هذا السياق ربما يكون اشكاليا يتآمل الظاهرة اكثر منه وظيفيا يبحث عن اجابة واحدة, فالعالم في حالة تحول سريع ووسائط التعلم والتلقي تعددت والمعرفة ذاتها في حالة انفجار يجعلنا نسائل المفهوم ذاته ونقف عنده وحول ما اذا كانت ثمة صياغات جديدة له. وعلى الرغم من انه ليس من المتصور ان يختفي الكتاب الذي ظل وسيلة التعلم والثقافة منذ اقدم العصور, كنتيجة للتدفق الهائل في وسائل التكنولوجيا المعلوماتية, إلا اننا نلاحظ التحجيم الكبير الذي حدث لدوره. وإذا كان الاتجاه العام لدى معظم المهتمين بالكتاب من ناشرين وقراء وكتاب يجزم بأن الكتاب آلية لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال فإن حقيقة اخرى لا يمكن التغاضي عنها وهي ان عوامل اخرى كضيق الزمن, حيث اصبح ايقاع الحياة لاهثا لا يترك متسعا من الوقت للاطلاع الواسع, وارتفاع اسعار الكتب الناتج عن الارتفاع في تكلفة مدخلات انتاجه, بالاضافة لما تتيحه وسائل التقنية الاخرى من معلومة سريعة وعبر جهد اقل تجعل الكتاب ينتقل من دوره بوصفه الوسيلة الاساسية الى دور يمثل فيه احدى الوسائل التي تساهم في صنع المعرفة. وحسبما اشار البعض في هذا التحقيق فإن ثمة شريحة كبيرة تجد في الكتاب متعة كبيرة وترى فيه علاقة اكثر عمقا وتعقيدا مع العقل والوجدان لا يتصور ان تحل محلها رقائق السليكون والألياف الزجاجية... وهذه الفئة هي التي تراهن على بقاء الكتاب وخلوده, لكن مع هذا... هل من المتصور ان نصل الى حقبة في المستقبل المنظور, نتلقى فيها خلاصة الفكر ومنجز الابداع الانساني دون ان نشتم رائحة الورق؟! تغطية ــ مرعي الحليان ، أشرف الشكعة