حين تمعن النظر في إرثنا الحضاري ستدرك دون عناء أن هناك حالات من اليقين التي لا تنساق إلى برهان أو دليل لوضوحها وجلاء حقيقتها, منها أن اللغة العربية هي وعاء هذا الدين, ورباط فكري يجمع أفراد المجتمع, وهوية تميز الثقافة الإسلامية عن باقي الثقافات.. وإن شئت فقل: إن اللغة مقياس لجس نبض الأمة, لذلك فالعربية لا تعني مجرد لغة بحتة تربطها أصوات وأحرف, أو كونها لثغة لغوية أو خلاصة كلامية سامية تدرجت عبر الزمن.. لا, العربية أبعد من ذلك, إنها الكيان البنائي الذي يحمي الفكر الإسلامي, وهي رهان بقاء موروثنا الحضاري حيا دفاقاً, لأن القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع نزل بحروفها, والسنة النبوية مدونة بحروفها وأصواتها, فهي (القيد الحقيقي) لهويتنا, والأداة المثلى لمعرفة طبيعة هذه الثقافة. واللغة تحمل في طياتها المضامين الروحية والفكرية المتعفرة بالعروبة والإسلام, وتعكس بطريقة غير مباشرة حتمية الانتماء لهوية محددة وقيم معروفة. ويقر علماء النفس في إحدى قواعدهم التربوية ما يتردد في كتبهم بأن (الانسان يفكر بلغته) أي أنه يتعامل مع متغيرات التفكير والاستنتاج التي تختلج في خلده باللغة التي ينطق بها, فمن استبدل لغته الاصلية بلغة دخيلة فقد قطع وتيرة التواصل السيكولوجي والنفسي بين شخصيته والأطر الفكرية والثقافية التي ينتمي إليها وصار ينظر بمنظار اللغة (الدخيلة) يؤمن بقناعة أهلها.. وهكذا سيتوارى في صيرورة الثقافة الجديدة البديلة ويذوب في حامض اللغة المستبدلة! إن التاريخ يؤكد بأن كل حضارة معبأة داخليا بموروث لغوي ومخزون دلالي تتجلى من خلاله مفردات المدنية والتاريخ والاستشراف للمستقبل أي أن هذه الحضارات قامت ببناء منظومتها الحضارية بلغتها القومية النابعة من الضمير الجمعي ولم تستبدل هويتها اللغوية الضاربة في شعاب الزمن بهوية أخرى حملتها رياح المدنيات الأخرى!. وعلى الرغم من هذا الثِّقل البيَّن للعربية عند العرب والمسلمين فإننا نجد من يضمر لها العداء, ويخطط آناء الليل وأطراف النهار لقمعها وتهميش دورها, واندفعت حركات واتجاهات ثقافية وفكرية تنادي بإلغاء هذه اللغة (المعقدة) التي لا تصلح إلا لقصائد الليل والخيل والبداوة ولا يمكن أن تساير الألفية الثالثة! فقامت المناهج الدراسية في العالم العربي والإسلامي بتهميش هذه اللغة ومزاحمتها باللغات الأجنبية الأخرى -ومع الأسف- لم يترك الاختيار الحر لشركاء المنظومة التربوية والتعليمية في تعليم اللغة العربية على الوجه الصحيح المتعارف عليه, أو التخصص في علومها, بل تمت إشاعة جو من التنفير والتخاذل والتشويه تجاه العربية.. بدعوى أنها لا تصلح لأن تكون لغة العلم والتكنولوجيا والمعاصرة, وهي ليست لغة (الحداثة), فلا تجدها في محلات (الماكدونالد) ولا حتى في (السوبر ماركت) ولا في المؤسسات لأن اللغة العربية (ليست حية)!. ويتجلى القتم الكثيف عن السعي لأقصاء العربية - بشكل واضح - في الفضائيات العربية, حيث تُضرب الفصحى بيد من حديد, وتستبدل باللهجات المحلية, وأضحت 90% من البرامج التلفزيونية تقدم (بالعامية) وليتها كانت عامية واحدة موحدة ! بل هي أجناس مختلفة وأصناف متعددة, ولم تبقَ العربية إلا في نشرات الأخبار الرئيسية وخطبة الجمعة (على الهواء) وبعض الأفلام الدينية العتيقة, أو بعض الحصص التي ما زالت على عهد (الأبيض والأسود). وقام هؤلاء على ربط العامية بالميوعة وامتهان الأخلاق حين ترى الحصص الفنية التلفزيونية تدار بالعامية, وقد زينت عامية (الفضائيات) بالمغريات التي تحرك في المشاهد شهواته وتستميله لأن يبقى في مشاهدتها زمناً طويلاً. ولو توقف الأمر عند هذا الحد, لكان هيناً, ولاعتبرناه حالة مرضية تمر بها الأمة كباقي الظواهر الاجتماعية والثقافية, ولكن أن يخطط -بمكر ودهاء- لضرب العربية في عقر دارها في سياق منهج متكامل من الباحثين والإعلاميين وجيش جرار من المتهالكين على سوق (العامية) واللهجات المحلية, فهذا مما يندى له الجبين ويجعلنا نراجع أنفسنا في كيفية التصدي لهذا الغزو اللغوي.. فقد ظهرت دعوات تنادي بإحلال العامية محل الفصحى في المناهج وقدمت تقارير ورسائل جامعية ماجستير ودكتوراه في اللهجات العامية وأسست مراكز بحوث متخصصة في اللسانيات تسعى كلها إلى (إقبار) لغة الضاد.. وقد أصبنا بالذهول ونحن نقرأ في إحدى الصحف السّيارة خبراً مفاده أنه عقد في (لندن) اجتماع برعاية مؤسسة صهيونية يهدف إلى تشجيع القائمين على الفضائيات العربية لإحلال العامية محل الفصحى ضمن اتفاقيات ومناهج وجدول عمل منتظم, وتطور الأمر إلى بروز الخلل اللغوي فيما تبقى من بعض الحصص الهزيلة والقليلة والتي ما زالت تقدم بالعربية الفصحى. هنا قد يتساءل المرء عن السبب والدافع وراء هذا التوجه المعادي للفصحى, والحقيقة أن هذا التوجه في مضمونه يتعدى التمويهات والنظرات القاصرة, حيث يسعى أصحاب هذا التدافع المتسارع لإقصاء الفصحى إلى ضرب هوية وعقيدة الأمة, وتحجيم دور الثقافة الأصيلة, وتقديم الثقافة المتهالكة التي هي مزيج من العامية والأجنبية, والمسعى الذي ترنو إليه هذه التوجهات هو إيجاد جيل لا يعرف العربية الفصحى, ولا يعرف كيف يقرأ تراثه وتاريخه وبالتالي تنفصم عرى الإسلام عروة عروة.. ! والتاريخ أبلغ شاهد على هذا المنحى, فعند غزو الاسبان للأرجنتين وبعض بلدان امريكا الجنوبية وغيرها من المناطق قاموا بإحلال الاسبانية محل اللغات المحلية, وبعد عقود طويلة تمت (أسبنة) تلك المناطق بالكامل, وأصبحت الاسبانية هي لغة الشارع قبل أن تكون لغة الدوائر الحكومية! وانسلخ - تدريجياً- السكان الاصليون شيئاً فشيئاً عن أصولهم وثقافتهم وهويتهم بعدما انسلخوا من لغتهم, لتصبح هذه البلدان اسبانية خالصة فكراً وذوقاً وهوية!. وفي المقابل نرى الفضائيات الاوروبية والاعلام الغربي يذود عن لغاته الوطنية ويسعى بشتى الوسائل لتسويقها, وتعمل الدول الغربية على التمسك بلغاتها لاعتقادها بأنها ضمان حقيقي لديمومتها, ولعل أبرز مثال على ذلك (فرنسا) حيث يشهد القضاء الفرنسي محاكمات ومساجلات طريفة منها على سبيل المثال: خطأ مذيع فرنسي في التلفزيون ختم حديثه بتحية المشاهدين بكلمة انجليزية مشهورة (ويك أند) في سياق تمنيه نهاية أسبوع سعيدة لهم, فقامت قيامة حماة اللغة الفرنسية واستنكروا هذا التصرف, ويحظر القانون الفرنسي نشر المنشورات والتصريحات الصحفية وغيرها بغير الفرنسية, لذلك كانت فرنسا من بين الدول القليلة التي عارضت بشدة العولمة الثقافية باعتبارها ستمحو الثقافات الوطنية للشعوب وتسعى لفرض نموذج امريكي ثقافي واحد. فهل ندرك ماهية لغتنا المسلوبة؟ وهل نراجع أدبياتنا ومواقفنا من هذه الدعاوى التي تعيش بين ظهرانينا؟ ومتى تنحسم العدوى وتنكشف البلوى؟!